قصة قصيرة.. بقية ذاكرة

2021-07-13 | منذ 2 شهر

فاضل الفتلاوي

في بلد ادمن الحروب وذات صباح شتوي بارد على غير العادة كنت اعبر الجسر الحديدي المحاذي لمستشفى البصرة التعليمي مع جنود مثلي، حينها كانت حرب السنوات الثماني في أوج سعيرها وعزرائيل في قمة نشاطه، كان عبور الجسر في تلكم الأيام مجازفة غير محسوبة العواقب، حيث قنابل المدفعية والراجمات وكل سلاح

حربي ذي سبطانة طويلة تمر من فوق رؤوسنا وهي تصفر صفيرا ينذر بالرحيل الى عالم غامض وبعضها قد ينفجر في الجو، حيث الرؤوس عارية إلا من غطاء رأس من القماش لا يقي من بعوضة، هذا ما يسميه العسكر بالانفلاق الجوي، وبعضها يواصل سيره حثيثا، حيث الاحياء السكنية الآمنة، الجسر الحديدي الذي تحمل قوائمه الضخمة قطع خشب كتلك التي يستخدمونها في حمل قضبان السكك الحديد، لا يتعدى طوله الثلاثمئة متر

ويستحيل عند الخوف والترقب الى كيلومترات عديدة، عند العبور تشاهد أعمدة الدخان تتصاعد بكثافة من نوافذ المستشفى، تنسل كأفاع انكوندا سوداء عملاقة نحو السماء المغبرة، لا شيء يلوح على امتداد البصر سوى اشجار عملاقة هرمة ترقد على ضفاف النهر وقد نالت الشظايا من أجسادها واخرى تكتم فجيعتها بين جنود اوقدوا جذوعها لينالوا دفئا على حساب ذكريات خطت منذ عقود لعشاق وسياح ومراهقين، حثثنا الخطى نحو

الجانب الآخر من النهر الذي هو الآخر قد طالته الحرائق، توقفنا قرب كنيسة تحترق ويبدو ان الحرائق قد أدمنت عليها فهي التي احترقت في يوم ما في سبعينيات القرن الماضي عندما اكتشفت الحكومة انذاك شبكة تجسس تعمل لمصلحة دولة معادية كما فسروا الامر وقتها، عند وصولنا الى الباب الكبير المزين بالصلبان وصور العذراء والمسيح كان هناك قس شاب يستحث المرور للمشاركة في إطفاء الحريق، دخلنا على وجه

السرعة، يا الله ما هذا الخراب، مكتبة الكنيسة طالتها النيران وامهات الكتب تتلاشى، ركضت لا الوي على شيء، ملأت جردل ماء من حوض قريب ورحت ارش الماء حتى وصلت سيارة إطفاء انتزعت خرطومها بالقوة وما هي إلا لحظات حتى انطفأت، رحت ابحث بين الركام، يا الهي ما هذا الكنز، هنا امهات الكتب، هذا اليكس هيلي وروايته الجذور وهذه رائعة ميشيل دي سيرفاس دون كيشوت وهناك جريمة وعقاب دوستوفيسكي

وهذه أجزاء قصة الحضارة لوول ديورانت، انساني ذهولي كل شيء من حولي عدا هذا الكنز المحتضر، كان القس يربت على ظهري مبديا امتنانه واخبرني بسروره إن اخذت ما اشاء من المؤلفات، اكتفيت بالاربعة ولا زالت الى اليوم تزين رفوف مكتبتي كأروع ذكرى مرت علي ذات حرب.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي