الشاشات تغزو أماكن فنتازية مهجورة محمّلة بالجمال

2021-07-04 | منذ 3 أسبوع

 سحر المكان يخلق مجالا هاما للشخصيات

طاهر علوان*

ينشغل الجمهور العريض للسينما في الغالب بالشخصيات وبالأحداث والصراعات وينصرف عما عدى ذلك من عناصر جدية أخرى، والسينما اليوم تتفنن في إتقان إعادة إنتاج المكان وإعادة تكوينه سواء في إطار الفنتازيا أو سينما الخيال العلمي أو أفلام الرعب أو أفلام الحركة، وكل ذلك في إطار توظيف التقنيات الحديثة والمتطورة في هذا المجال.

هنا يتم تأسيس المكان على نحو مغاير في المزيد من الدهشة وعبقرية الشكل، وهنا أيضا تتقدم متعة المشاهدة على واقعية المكان، وهنا كذلك تتوازى متعة الاكتشاف مع التنويع على أداء الشخصيات في كل متكامل.

ما لا يدركه المشاهد أنه مأخوذ إلى عالم مواز لا يشبه العالم الحقيقي، وإن تمثله في أشكال شتى، وتلك هي نقطة الافتراق الحقيقية عندما يتم تأسيس المكان وهو تشكل فلسفي على أساس أن المكان يختصر غالبا فكرة فلسفية تتواشج فيها قدرة الحواس مع رسم النهايات المكانية.

في تجربة المخرج جيمس كاميرون هنالك أرضية فكرية ينطلق منها في رسم صورة الوجود اللامتناهي والمكان الذي لا تحده حدود الذي تتحرك فيه شخصية الفاني، وهو يمعن في خوض صراعاته وفي تأسيس المكان في كل مشهد من المشاهد، وهو ما تحدث عنه كاميرون في ندواته ومحاضراته بأنه معني بالإحساس بالمكان وما سوف يلي من تشظي ذلك المكان إلى أماكن موازية هي تلك العوالم التي يتحرك في فضائها لا منتم ممثلا في الفاني.

من خلال إنتاج المكان الفنتازي والسحري العامر بالدهشة والمذهل في تنوعه تتجلى البراعة الإخراجية وقوة العديد من الأفلام

في المقابل يتم إنتاج المكان الفنتازي في سلسلة آفتار للمخرج نفسه وحيث الفنتازيا تمارس قوة إقناع لدى المشاهد بما يجعله يتفاعل بقوة مع ذلك الحيز الفضائي الخيالي الذي تم نسجه بالتوازي مع إنتاج تلك الكائنات الخرافية التي تسبح في فضائها الفنتازي العجيب.

يتحدث كاميرون معلقا على منجزه الذي فاق 30 فيلما بأنه يراهن في بناء المكان على قوة الفضول لدى المشاهد والرغبة في الاكتشاف اللتين تحركان الدوافع لديه باتجاه الاكتشاف والتفاعل مع الشخصيات.

ولاحظ في هذا الفارق بين منجز كاميرون في “الفاني” في مقابل “آفتار” وفي الجهة الأخرى “تيتانيك”، الذي تحول إلى أيقونة سينمائية ورسالة ذات أثر نفسي يتعلق بذلك التحليق النفسي في أماكن بديلة ما بعد مرحلة السفينة.

أما إذا انتقلنا إلى تجربة المخرج بيتر جاكسون فإن هنالك الكثير مما يمكن أن يقال بصدد المزج ما بين الفنتازيا والخيال العلمي والميثولوجيا وحتى الأديان والعقائد القديمة من أجل إنتاج مكان سحري عامر بالدهشة ومذهل في تنوعه وبخاصة في سلسلة “ملك الخاتم” التي تم إنتاجها بين العامين 2001 و2002 وحيث تجلت البراعة في إنتاج المكان الفنتازي والخيالي والمضي فيه إلى نهاياته المدهشة.

ولعل الأمر في تجربة بيتر جاكسون لا يقتصر فقط على الغزارة التعبيرية للمكان العملاق الذي تم إنتاجه بصريا ومن وجهة نظر شخصيات متنوعة تمتلك الكثير من القدرات الخارقة بما يجعل التنويع في الأماكن أمرا حتميا.

هنا سوف تحضر الطبيعة بتنوعاتها المختلفة، لكنها أيضا طبيعة تم تطويرها جماليا لكي تتناسب مع ثيمات الأفلام التي أخرجها جاكسون وبخاصة سلسلة “ملك الخاتم”، إذ تم توظيف عناصر الطبيعة ببراعة ثم الاحتماء بها والغوص فيها والكشف عما هو غير مرئي ولا مباشر إلى ما هو ضمني وحاد ومختلف.

يتحدث جاكسون عن ابتسار مكاني ما لبث أن تشظى إلى ما لا حصر له من العناصر المكانية التي تدفع قدما نحو متعة الاكتشاف وهو العنصر الأهم في تلك الدراما المدهشة التي تبلورت بين يدي جاكسون في أفلام لاحقة عني فيها عناية فائقة بالمتغير المكاني.

وأما إذا ذهبنا في تجربة المخرجين إلى ما هو أبعد من حدود الجغرافيا وأعمق من حدود الاختلاف، فإننا سوف نلتمس السبيل نحو متغيرات مكانية شتى شديدة الاختلاف وهو ما يعنينا في ذلك التشظي المكاني الذي تمتزج فيه الفنتازيا مع الميثولوجيا، وهو ما أتاحه صانعو الخدع السينمائية المتمرسون، والحاصل إنها تجربة عميقة وغزيرة في تفاصيلها البصرية الأمر الذي يجعل المكان يتحول مع تتابع المشاهد إلى كوابيس وأرضية صراعات، وهنا يتبلور الأبطال الإشكاليون في وحدة صراع لا بد منها تقود تباعا إلى تعزيز استخدامات المكان.

وأما إذا أردنا التوقف عند المكان الخيالي شبه الكلي الذي تصنعه التقنيات المتطورة والذي يقوم على فكرة الصراع بين شخصيات مدعومة بالتكنولوجيا الرقمية، فإن البديل المكاني لا يخلو من متعة واكتشاف للعناصر الجمالية التي تجعل الإبهار المكاني ركنا أساسيا من اهتمامات الشخصية، وهي تحاول أن تجد لنفسها موطئا وأن تخرح من دائرة ما هو يومي فإن المشكلة هنا تدفع المخرج إلى القفز على الأزمنة والتنويع في الأماكن فضلا عن كونها أماكن حقيقية.

في الفنتازيا السينمائية سوف نسعى إلى أن ننفتح على الأساس الفكري المحرك للميثولوجيا الفريدة التي أنتجها المخرجان وهما يعيدان إنتاج ذلك العالم الفريد بتلقائية عجيبة، جعلت المشاهد ينسجم بالتدريج مع الأحداث التي يشاهدها أمامه.

 

  • كاتب عراقي مقيم في لندن


إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي