"ثانية واحدة" مكّنت دينا الشربيني من اقتحام الكوميديا بنجاح

2021-05-29 | منذ 2 شهر

 "ثانية واحدة" قادرة على تغيير حياة البطلة

رحاب عليوة*

حل الفيلم المصري "ثانية واحدة"، بطولة الفنانة دينا الشربيني والفنان مصطفى خاطر، في المرتبة الأخيرة من حيث الإيرادات خلال منافسته في موسم غير حار، مع فيلمي “أحمد نوتردام” للفنان رامز جلال الذي حل في المركز الأول، وفيلم “ديدو” للفنان كريم فهمي. ورغم أن الفيلم لم ينجح في اختبار الشباك استطاع تقديم وجبة فنية خفيفة لا تخلو من الدسم، ما يصب في صالح المشاهدة العائلية.

على خلاف ما يتركه الملصق الدعائي للفيلم المصري “ثانية واحدة” من انطباع تسلطي للأنثى ممثلة في الفنانة دينا الشربيني، وهي تعنف الرجل المتمثل في الفنان مصطفى خاطر متقزما كطفل، فإن العمل يتطرّق إلى قضية قد يراها البعض “مناهضة للنسوية العنيفة”، إذ يُعري الفيلم الحاجة الدائمة داخل المرأة إلى شريك لا يغني النجاح في السلم الوظيفي عن وجوده، كما يتناول الغريزة النسوية نحو الأمومة الحية دائما، حتى إذا مورست على جسد رجل ناضج.

النموذج النسوي الذي يقدّمه الفيلم يبدو متوازنا إلى حد كبير، وإن كان هذا التوازن يمرّ بمراحل وتعرجات كثيرة حتى ينضج، ففي البداية نصطدم بالأنثى التي تمنح كافة وقتها لحياتها العملية، والمتسرعة والتي يدفعها تعجلها وقلقها على كل ثانية في حياتها وتسخيرها للحاق بمهمة في العمل إلى دخول سيارة بالخطأ.

طفل ورجل

تنقلب الأحداث من حيث تبدأ، وهي نقطة السيارة التي تتصادم مع أخرى، فيتعرّض سائقها لفقدان مؤقت للذاكرة، ويصاب بحالة نادرة من العودة إلى الطفولة في جسم رجل كما جاء في سيناريو الفيلم، وعلى الرغم من النزعة التقليدية الشديدة في فكرة الحادثة والمرض النادر التي سبق وأن انطلقت منها بعض الأفلام، أشهرها الفيلم المصري “اللي بالي بالك” بطولة محمد سعد وعبلة كامل، فإن الكتابة والأداء التمثيلي والتطوّرات في الشخصية الرئيسية للبطلة استطاعت أن تخرج بالفيلم من دائرة الملل.

يقدّم الفيلم وجبة فنية خفيفة من حيث التكوين، وتكاد تكون مستهلكة، غير أن كتابة المواقف والشخصيات، والأهم الأداء التمثيلي الذي أجاده كل من دينا ومصطفى، والأخير كان يمثل مخاطرة، والدقة في سير الأحداث وعدم الاستهانة بعقل المشاهد بمنطق أن الفيلم يدور في إطار من الفانتازيا، فإنه كتب بما جعله من الأنواع المتوقّع أن تحيا لفترة طويلة وتعلق بأذهان الناس.

حمل اختيار مصطفى خاطر تحديا، فعلى الرغم من أن ملامحه الطفولية من زاوية الوجه تؤهله بسهولة للعب دور الطفل في جسد رجل، فإن مبالغات خاطر التمثيلية جعلت أداءه متشابها مع ما جاء في الكثير من الأدوار وردود فعله ولغة جسده متوقّعتيْن. لكنه أدّى الدور هنا على نحو جيد دون افتعال، وإن كانت الأخيرة من السمات التي يشتهر بها خاطر الذي تخرّج في مدرسة مسرح مصر القائمة على المبالغة.

تُحسب للمخرج أكرم فريد سيطرته على ردود فعل مصطفى خاطر، خصوصا عند تأديته دورا مثل دور الطفل الذي يصبح مادة خام مغرية لفنان تخرّج من مدرسة قائمة على المبالغة بالأساس وجالبة للضحك.

فيما جاء الدور معتمدا بالأساس على البراءة والنزعة الطفولية القادرة على النفاذ إلى قلب دينا التي تظهر في الفيلم بنفس اسمها (دينا) الشامي، مخترقة الكثير من الحواجز. وذلك لا يعني المبالغة في كتابة بعض المشاهد التي قام بها مصطفى حمدي، مثل مشهد دينا أمام النيابة، أو مشاهد أخرى جمعت البطلين، لكن الأداء العام كان منضبطا إلى حد كبير، ويستدعي الضحك دون ابتذال أو إسفاف.

بطاقة خضراء

مع أن الفيلم لم يتقدّم للصدارة والمنافسة من حيث الإيرادات غير أنه يعدّ بالنسبة إلى دينا الشربيني بطاقة خضراء للمرور من اختبار البطولة المطلقة في السينما، خصوصا وهو اختبار صعب بالنظر إلى تجربة الرومانسي – كوميدي، وهو نوع لا تؤدّيه في مصر الكثير من الفنانات، فإلى جانب المخضرمة ياسمين عبدالعزيز تبرز الشربيني في التجربة الأخيرة كمنافس قوي لها، ولها قدرات تمثيلية كبيرة سبق أن أثبتتها في الدراما التلفزيونية، وما زالت قادرة على تقديم المزيد.

لم يتشتّت فيلم “ثانية واحدة” بين خيوط كثيرة، بل كان من نوع الأفلام المركزة التي تدور حول عقدة البطلة بشكل رئيسي، أما البطل فلم تظهر عقدته أو خلفياته، ودار الفيلم حول أزمته المؤقتة في فقدان الذاكرة، ثم استعادتها بعد تجاوزه مرحلة الطفولة والمراهقة عقب تعرضه لضربة على رأسه في استمرار للكليشيهات المُكرّرة دون تجديد.

البطلة وعقدتها هما محور الفيلم وانتقالها بين حالات الأمومة بمشاعرها الخالصة من التعلق والقلق والرعاية غير المشروطة إلى مشاعر الحب الناضج والغيرة بين ذكر وأنثى.

ونجح الفيلم في تقديم تلك الخلطة بسلاسة، وتُمكن رؤية دينا الأم والحبيبة في آن واحد دون أن يثير ذلك الاشمئزاز من فكرة التعلق العاطفي بشخص تعرّفت عليه حبيسا في مرحلة الطفولة يدعوها “ماما”.

ويتميّز العمل بعنصرين مهمين، الأول عدم المط من أجل تعبئة زمنه الفيلمي، فمدته نحو 90 دقيقة فقط، ولم يكن يحتاج إلى أكثر من ذلك، والعنصر الثاني منطقية الأحداث، بمعنى تقديم تفسيرات لأسباب تواجد خاطر في بيت دينا دون العثور عليه من أهله كل تلك المدة، والتي كانت نحو أسبوع.

على نحو خاطف ومميّز جاء ظهور كل من النجم أحمد الفيشاوي والفنان فتحي عبدالوهاب كضيفي شرف ليخطف الكاميرا بحضورهما اللافت وذكائهما الفني المعهود، وبديا كأنهما من العناصر المكملة للحبكة الفنية التي أسبغت على الفيلم ثراء مختلفا.

وجاء دور الفنان شريف دسوقي في دور والد دينا بصحبة الفنانة سوسن بدر التي لعبت دور والدتها أقل من مستواه بالنسبة إلى محبيه، فهو صاحب موهبة متفجرة لم يستغلها جيدا، وكان بإمكانه تجسيد الشخصية بطريقة أكثر عفوية تجذب المشاهدين.

قدّم المنتج محمد السبكي فيلما يتناسب مع أجواء جائحة كورونا العابثة والموسم المطروح فيه (عيد الفطر)، كوجبة خفيفة لا تدّعي العمق، ورغم ذلك ترك مادة يمكن أن يقتبس كل واحد منها ما يشاء، مع لفتة أن الحياة قصيرة، و”ثانية واحدة” قادرة على تغيير الكثير من مجريات الحياة.

أما الإعلان الترويجي الذي عكس تقزّما في المعنى كما في تقزيم شخصية خاطر، فقد حمل رسائل سلبية حول الفيلم، وربما انعكس ذلك على ضعف إيراداته في الشباك، وإن كان بفارق غير كبير عن أقرب منافسيه، وفي كل الأحوال قدّم الفيلم ثيمة يمكن البناء عليها في أعمال لاحقة، طالما أن هناك موضوعا جذابا للمشاهدين.

 

  • كاتبة مصرية

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي