قصة قصيرة.. واحد.. اثنان.. ثلاثة

2021-03-28 | منذ 2 شهر

إشراق سامي

كراس قديم كانت قد اختزنته غرفة كتب مهجورة في بيت جدي، وكعادة أغلب الكتب في تلك الغرفة فانه ناقص الواجهة والنهاية.

لذا، فلست أعرف اسم مؤلفه تماما، كما أجهل نهاية الأحداث فيه، لكن أحد القراء الذين مروا عليه منذ سنوات طويلة كان قد كتب على إحدى صفحاته بخط جميل وبقلم حبر ريشته عريضة: «حكاية عشق من بلاد السلاطين».

تتحدث القصة فيه عن فتى عربي سافر، حيث الباب العالي في الدولة العثمانية، كان مكلفا بحمل بريد الجند إلى السلطان. لم يذكر الكراس الأصفر بنكهة التراب والسنين من أية بقعة عربية كان الفتى وهل يتحدث بلهجة المسلسلات المدبلجة ذاتها أم بطريقة أخرى؟ اكتفى بقوله إنه كان كريماً كعادة الناس هنا أبي النفس...

ارتفع صوت صياح عال خلف التلة، التلال المكسوة هنا بالجمال تفتح في الروح شيئاً غريبا، شيئا ملتبس الإحساس يشبه الفرح والحزن معا النشوة والوعي سوية، يفتح الشهية نحو الشعر والغناء والعشق، «كيف يمكن أن يعيش المرء هنا من دون أن يعشق؟!» (يفكرالفتى في نفسه ويسأل)، فالحلاوة تسيل من أطراف الهواء وألوان الفاكهة وعيون النساء، ارتفع الصوت أكثر، يلتفت باحثا عن مصدره، ثوان قصيرة فقط قادته حيث يسكن عمره القادم كله، اللحظة الأولى التي نظر فيها إلى الوجه الجميل قرأ إشارة ما في العينين الواسعتين، لم تكن الإشارة شيئا ساحرا بالمعنى الثقافي لسحر الأنوثة، وليس مدهشا بمقاييس الجمال المعتادة، لكنه كان خيط تواصل غريب ومعقد منحه إحساس الألفة والسكون، منحه عطر الصحبة في هذا البلد الغريب.

أغلقت الصفحة، وضعت علامة ورقية كانت قائمة شراء من المول الذي أوصتني أختي به خيرا، أعدت حساب الأكف الصغيرة بين يدي: واحد اثنان ثلاثة، العدد مضبوط ثلاثة أزواج من الأكف الصغيرة التي تعلق بالروح وتعيق المشي أحيانا، ما زلت واقعة تحت تسلط هاجس ضياع أحدهم هنا في اسطنبول، حيث لا نعرف من لغتهم سوى أدب يوك وأخلاق سز، وهي على حد علمي لن تكفي لوصف طفل تائه!

توقفت الطائرة إذن! عدنا إلى بلادنا أخبرت الأطفال بذلك ببهجة، الليل هنا أسرع في الوصول، في مطار المدينة البعيدة المنسية تشعر أنك في بيتك، مكان صغير يعد الطائرات كما أعد كفوف صغاري، الحقيبة السوداء الكبيرة (بالسحابات) تاخرت في الدوران، لعلها هي الأخرى سقطت في فخ الحب هناك، تباشير الهواء التي تدور حول وجوهنا كانت ساخنة ورطبة، لكن شيئا ما يسكنها جعل منها مريحة وحنونة. ربما أنفاس أحبتنا، أو حتى أنفاس الراحلين، تأثرت كثيرا بتلك الأسطورة التي تؤكد بكثير من الثقة واليقين أن الأرواح المغادرة للحياة تخلع عنها أنفاسها وترمي بها نحو أقرب علامة دالة لمنازل أحبتها!

سائق التاكسي الذي اتفقنا معه على أجرة الطريق تحدث عن طفليه وحساسية تنفس مبكر لديهما وأزمة كهرباء. صوت الاذان الأخير هنا يمر عبر الطرق الحزينة الساهمة، في بلاد السلاطين كانت المآذن كثيرة وجميلة العمران، يرتفع صوتها داعيا للصلاة في ذات الطريقة وبنفس الكلمات، لكن الصوت هناك أجمل، حين سألت زوجة صاحب الفندق، الذي أجرناه للسكن مدة الرحلة، قالت ان السبب في الكرز الأحمر، أن يمنح الأوتار الصوتية الشد المناسب لأداء الصلوات. نعم هو الكرز الأحمر!

عدت الى الكتاب بين يدي:

أصاب الفتى الهزال الشديد وقيل إنه وقع بمرض قاتل اسمه العشق، وقف مأسورا تحت غوايته وسطوته وقلة صبره، تداول الجند حكايته الغريبة حذرين، فلعل علته معدية، أو لعلها لعنة يصاب بها من يترك بستانه في رعاية جاره ويفرح بامتلاء العين بالخضرة والروح بالنشوة والوجه بالهواء العذب.

توقف حديث السائق بالتزامن مع فرامل سيارته؛ التي امتثلت لوصف زوجي الدقيق لشكل عتبة البيت، كانت العتبة تجلس ساهمة في انتظار وقع اقدامنا المعتاد، ترى بماذا تفكر عتبات البيوت حين تغادرها الأقدام التي تعرفها؟ هل تذوق هي الأخرى لوعة الفراق ذاتها التي ترسمها قصص العشاق.

واحد...اثنان...ثلاثة.. وصلنا بخير.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي