ظاهرة المتفرج السلبي

لماذا يمتنع المارة عن مساعدة شخص في محنة؟

2021-03-27 | منذ 8 شهر

زهراء أحمد

تخيل إذا شاهدت حادثا خطيرا أمام عينيك، فمن المؤكد أنك ستتخذ أية إجراءات لمساعدة الشخص المتضرر، أليس كذلك؟ في حين قد نرغب جميعا في الاعتقاد بذلك فإن علماء النفس يؤكدون أن تدخلك وعدمه قد يعتمد على عدد الشهود الآخرين الحاضرين، حتى لو سالت الدماء على الطريق.

لقد وجدنا أنفسنا جميعا في مواقف مماثلة؛ كالأوقات التي رأيت فيها شخصا يتعرض للمضايقة في الشارع ولم تتدخل، ثم عدت إلى منزلك محملا بمشاعر الذنب، أو صُدمت من عدم توقف أي سيارة لمساعدتك عند تعطل سيارتك على الطريق.

والحقيقة أن إنسانيتنا لم تمت، نحن فقط واقعون تحت تأثير ظاهرة "المتفرج السلبي"، تلك الظاهرة التي يختار فيها أحد الشهود عدم التدخل للمساعدة.

القتل الوحشي لشابة أمام جيرانها

في يوم الجمعة 13 مارس/آذار 1964، كانت كيتي جينوفيز -البالغة من العمر 28 عاما- عائدة إلى منزلها بعد يوم عمل شاق، وعندما اقتربت من مدخل منزلها تعرضت للهجوم والطعن من قبل رجل تم التعرف عليه لاحقا.

وقف العشرات من جيرانها يتابعون طعنها بالسكين على الرغم من نداءاتها المتكررة لإنقاذها، كما لم يتصل أحدهم بالشرطة للإبلاغ عن الحادث إلا بعد مرور نصف ساعة على وفاتها أمامهم، وأفاد العديد من الشهود الـ 38 باعتقادهم أنهم كانوا يشهدون "شجار عشاق"، ولم يدركوا أن الشابة كانت تُقتل بالفعل.

ركّزت التغطيات الصحفية على شخصيات الجيران المخيفة، إلى حد رؤيتهم دماء جارتهم تسيل دون حراك، قائلة إنهم مجردون من إنسانيتهم، حتى أعلن عالما النفس الاجتماعي بيب لاتاني وجون دارلي عن مفهوم "تأثير المتفرج" في أعقاب جريمة القتل الشائنة التي تعرضت لها كيتي جينوفيز في مدينة نيويورك.

وفسر العلماء عدم تدخل الجيران بعاملين، أولهما أنه قد يتساءل المتفرجون عما يحدث بالضبط خلال مثل تلك اللحظات، وغالبا ما ينظر الفرد إلى الآخرين في المجموعة، لتحديد ما هو مناسب، وعندما يرون أنه لا يوجد شخص آخر يتفاعل فإنه يرسل إشارة بأنه ربما لا يلزم اتخاذ أي إجراء، والعامل الثاني هو العدد الكبير للشهود، وما يتبعه من قلة شعور الأفراد بالمسؤولية لاتخاذ إجراء.

تبع الحادث سلسلة من الدراسات الكلاسيكية، أثبتت أن مقدار الوقت الذي يستغرقه المشارك لاتخاذ إجراء وطلب المساعدة يختلف اعتمادا على عدد الموجودين، حتى وإن تعرضوا أنفسهم للخطر؛ ففي إحدى التجارب تم تقسيم المبحوثين، البعض في غرف بمفردهم، أو مع مشاركين آخرين، أو مع اثنين من الذين تظاهروا بأنهم مبحوثين عاديين.

وعندما جلس المبحوثون لملء الاستبيانات، بدأ الدخان يملأ الغرف، فأبلغ 75% ممن كانوا بمفردهم عن الدخان، وفي المقابل، أبلغ 38% فقط من المبحوثين في غرفة مع شخصين آخرين عن الدخان، أما في المجموعة الأخيرة، فلاحظ الذين تظاهروا بأنهم مبحوثين أن المبحوثين الحقيقيين في التجربة شاهدوا الدخان ثم تجاهلوه، مما أدى إلى قيام 10% فقط من المشاركين بالإبلاغ عن الدخان.

لماذا يصيبنا التجمد؟

من الطبيعي أن يتجمد الناس أو يصابوا بصدمة عندما يرون شخصا يعاني من حالة طارئة أو يتعرض للهجوم، عادة ما يكون هذا استجابة للخوف من أنهم أضعف من التدخل، أو أساءوا فهم السياق، فيستسلمون لما يعرف باسم "الجهل التعددي"، وهو الميل إلى اتباع السلوك الهادئ للآخر، بوصفه علامة على عدم حدوث حالة طوارئ بالفعل.

هناك أعراف اجتماعية قوية تعزز الجهل التعددي، منها إصابتك بالإحراج إذا أصبحتَ الشخص الذي فقد أعصابه دون سبب حقيقي، ما يفسر احتمالية اختناقنا في غرفة مملوءة بالدخان، وهكذا فإن شهود مقتل كيتي جينوفيز ربما شاهدوا أضواء شقة أخرى تضيء، أو رأوا بعضهم البعض في النوافذ، وافترضوا أن شخصا آخر سيساعدها، والنتيجة النهائية هي وفاتها في صمت.

يؤثر عامل مهم آخر، وهو "خصائص الضحية"، فقد أظهرت الأبحاث أنه من المرجح أن يساعد الناس أولئك الذين يرون أنهم يشبهونهم، أو ينتمون إلى مجموعتهم العرقية أو الدينية، كذلك تتلقى النساء المساعدة أكثر من الرجال، لكن هذا يختلف باختلاف المظهر، فالنساء الأكثر جاذبية تتلقي مزيدا من المساعدة.

قد لا نرغب في اكتشاف أن ميلنا إلى المساعدة يعتمد على التحيز، أو أننا قد نعرض حياتنا للخطر بسبب صمت الآخرين، لكن تلك النتائج العلمية تجبرنا على التفكير في كيفية أدائنا تحت الضغط، وأن الاستسلام لتوزيع المسؤولية على عدد الحضور قد يجعل الأشخاص ذوي النوايا الحسنة متواطئين ومشاركين في أي حادث عنف بصمتهم، ليس بوصفهم مذنبين أخلاقيين فقط، بل أحيانا بوصفهم مذنبين أمام القانون.

شاهد اليوم هو ضحية الغد

تتبع بعض الدول والولايات في عالمنا قوانين تحمّل المارة المسؤولية إذا شهدوا حالة طارئة ولم يتدخلوا لإيقافها؛ فينص ميثاق حقوق الإنسان والحريات في كيبيك (كندا) على أنه "يجب على الشاهد مساعدة أي شخص تتعرض حياته للخطر، إما شخصيا أو بالاتصال بالشرطة، لو لم يكن في ذلك خطرا على حياته"، وكذلك يعد عدم إنقاذ المصابين أو الاتصال بالإسعاف جريمة في قانون العقوبات البرازيلي.

قد يتعرض المتفرج السلبي للمعاقبة في ألمانيا أيضا لو لم يساعد في إسعاف المصابين والمعرضين للمخاطر، أما في الولايات المتحدة فهناك قانون لحماية المتفرجين ذوي النية الحسنة، والذين تدخلوا لإيقاف عنف، كما تقدم العديد من المنظمات والجامعات تدريبا لتحسين مواقف المارة في حالات الاعتداء الجنسي والعنصري.

قد يعتبر البعض معاقبة المارة على سلبيتهم قسوة، لكن الضحايا لا يرونها كذلك؛ فوفقا لبيانات من "المسح الوطني الأميركي" لضحايا الجريمة (NCVS)، كان المارة شاهدون على 68% على حوادث الاعتداء الجسدي، و49% من حوادث السرقة، و28% من الاعتداءات الجنسية، وكانت أحكام الضحايا على تصرفات المارة تتراوح بين المؤذية والسلبية.

يقترح بعض علماء النفس أن مجرد إدراك "تأثير المتفرج" ربما يكون أفضل طريقة لكسر حلقة السلبية التي تحيط بسلوك المارة، فإن بعض الجرائم الجنسية والعنصرية تستمد شرعيتها من صمت الشهود رغم أن عبء تحمل المسؤولية قد يكون مرهقا للغاية.

تتمثل إحدى أساليب كسر حلقة السلبية في التصرف كما لو كان الشاهد هو الشخص الوحيد الذي يشهد الحادث، ويمكن أن يكون توجيه المارة الآخرين للمساعدة مشجعا لهم، ولكن ماذا لو كنت الشخص الذي يحتاج إلى المساعدة؟ كيف يمكنك إلهام الناس لتقديم يد المساعدة؟

غالبا ما تكون إحدى الأساليب الموصى بها هي استهداف أحد المتفرجين، والنظر في عينيه، وطلب المساعدة من هذا الشخص خصيصا، وتحديد شكل المساعدة، ما يضفي طابعا فرديا على طلبك، ويصبح من الصعب عليه رفضه.






كاريكاتير

إستطلاعات الرأي