أسير اللحظة

2021-03-25 | منذ 1 شهر

أوس الحربش*

أحد أيام صيف الرياض اللاهبة انتهت بي في منزله. ارتدَّت إلى عقلي تلك الخرافة بعد سبات، خرافة أسير اللحظة العاجز عن استدراك الماضي أو تلقي المستقبل. أفكار تلقفها عقل الطفل الإسفنجي كحقائق، حتى وافاني الكبر وانساقت معه الشكوك والتساؤلات. جاءت بعض التعليلات بمنطق مقبول، وبقيت الرواية الأبعد عن التصديق هي المحفورة في ذهن الصبي الذي شب تاركًا مخيلته وراءه. رواية لعل عجوزي ابتغت تهويلها لتخويف عيالها وحثهم على النوم.

ينقصني اليقين بأصالتها حينما أستذكرها الآن وبما قد زاده خيال الطفل عليها من أساطير الصبى وحكاياته. أسهب المعللون بنظريات عن البهجة الغامضة في فقدان كل شيء، حينما يتعطل الطموح وينتهي الأمل ليصل الإنسان إلى الحرية المطلقة.

ذهب البعض الى أبعد من ذلك، فوصفوا جمال الانعتاق الكامل من المسؤولية عند الارتباط التام باللحظة الزمنية، فلا همّ مضى ولا تعهد دنا. ساهم واقع عمي الغريب بنشوء تلك التفاسير، فالفرح ارتبط بمحياه والبهجة تلبست خاطره. من الخطأ ترجمة هذا الواقع باللامبالاة، فهو مشهود له بحرارة العاطفة وطيب المعشر. حتى عند استقبال ما يسيء أو يجرح الذوق، ينتقل مزاجه برهة إلى غضب عابر سرعان ما يعود إلى المآل. علاوة على قدراته المنطقية والتحليلية، فيذكر له إفحام محاوريه دون استدلال أو مراجع.

أخذتني التساؤلات قبيل زيارته بأيام إلى تكون «الذكريات» ومنشئها، مما حدا بي للإقدام على زيارة تأجلت مرارًا. تساءلت: إن كان سر منبت «الذكرى» يكمن في ماهيتها أم في حال العقل عند استقبالها. قضيت بنقض الخيارين لإدراكي بسهوي عن وقائع في غاية الجمال ووقائع استقبلها ذهني بصفاء تام. انهالت علي فجأة فكرة أرعبتني، ماذا لو كان للعقل تدبير لا إرادي خارج نطاق سيطرة الإنسان بما يسكن في ذاكرة الأيام أو يتوارى عن محور الزمن.

عند الساعة الخامسة مساءً كان باب بيتهم مشرعًا كما جرت العادة في حي تساوى قاطنوه عوزًا. رغم تأخر المساء واقتراب الغروب، توهجت الحرارة المحتبسة في الأثاث والجدران خانقة لكل ما هو حيّ. زاد اختناقي عند مروري بالردهة المؤدية إلى غرفة الضيافة؛ بسبب نوافذها الكبيرة العاكسة لأشعة الغروب. خلق أزيز مكيف عقيم تزامن مع صمت المنزل المُطْبِق جوًّا موحشًا.

انكفأتُ في زاوية متكئًا على ما تيسر من الوسائد مقابل تياره الفاتر طالبًا عونَ من لا حيلة له. أصابني اليأس حين أقبلت عليّ عجوزي بمفردها تحمل ثقلها بصعوبة مع كل خطوة. أمرتني بسلطان الأم على ابنها ألا أستخبر عن عمي في يومنا هذا. جلست أمامي مُتَلَفّفة بجلابيبها وكأن حرارة الصيف لا تعنيها.

بعد ابتسامة الجدة الساخرة من طيش ابنها، تساءلت عن اهتمامي بأحداث سلفت. أخبرتها أن عقل الطفل شب ومنطقه نضج. جاء الرد هازئًا بأن حدس اليافع صائب وفهم الكبير غافل. اخترت مجاراتها ووضع كرامتي جانبًا لتجنب استطراد قد يعطل سبب قدومي. رجوتها أن تعيد قصة عمي المنكوب وتعفو عن رعونة ابنها. تغير صوتها فجأة إلى بحة مخيفة حينما بدأت بالسرد. جاءت روايتها كالتالي:

بدت مصايبنا مع سويلم النحس خوي صويلح. تراه أكبر منه بعشر سنين لكنه مقيت، فما حصل أحد يصاحبه إلا السذج من أمثال عمك. سويلم وافاه الحظ وطاح على زينة البنات ليلى. جاها وأهلها بوقت حاجة ولا ما هو بكفو لها. طبعًا كان العشق من طرف واحد لكن ليلى القرمة حشمت رجلها من باب العرف وطيب الأصل. فرحة سالم ما طولت، البنت جتها منيتها بعد ما أنجبت وليد ميت، والأعمار بيد الله. إلي صار يا وليدي أن سالم غرق بأحزانه، واختفى له شهر، وبعدين ظهر علينا بحال محيوس ووجه مسبوه.

رغم تحذيري لعمك، أقنعه راعي الخرافة والدجل يخاويه لبدوية في الصحراء، يقولون: عندها كرامات، أحدها أخذ الناس لماضيهم. عمك طبعًا ما صدق ها الكلام لكن لعل تعشم خويه فيه أثار حميته، أو أن المجهول شوقه، وحب يستكشف بنفسه. تراي داخلني خرف يا وليدي، ويمكن نسيت التفاصيل، أو أضفت أشياء من عندي. عمك قص لي الحدث كاملًا بعد رجوعه، وبعدها بكم من يوم انطمست ذاكرته.

بقي سر ذا الحدث الجلل مع عجوز مخرفة. إلي أخبر روعني وقتها أن عمك يوم رجع قال: إن طاري ذا السالفة بيمرضه. قد سمعني أحكي جزءًا منها، ومرض له حول أسبوع، حسبناه بيودع. الوكاد أن العجوز عطتهم عرض مشؤوم والأغرار قبلوه، ولا حول ولا قوة إلا بالله. قالت بتاخذهم بالوقت وراء لكن بدون تدبير لمسار الزمن، يعني سكتهم ممكن تقاطع أي فترة من تاريخ الأولين.

حذرتهم العجوز من أهوال قد ارتكبها الأولين ومن مغبة استكشافها. علمتهم أن إلي سبقوهم بذا الرحلة قليلين، ويا فطسوا أو جنوا من هول المشاهد. أتفهم موقف سويلم وتعشمه بفرصة لقيا الراحلة حتى لو الثمن حياته، لكن ما أفهم تهور عمك إلى يومك.

رغم انهماكي برواية جدتي، تهيأ لي لحظتها أن خيالًا ظهر عند الردهة فأدرت وجهي. بدا لي أن أشعة الغروب عكست ظل جسم على جدار الردهة، لم أتيقن بماهيته من مكاني. انتابني رعب دفين، ربما أججته حكاية جدتي وطريقتها في السرد، وكأن خوف الطفل الفطري عاد من الماضي فزارني.

أكملت جدتي:

على كل حال، سلم المنكوبين للعجوز ويوم صحوا بدت الأهوال. سالم انهبل، وقام يزاعق مثل الممسوس ويصقع راسه بالجدران، يصارخ: ليش؟ ليش؟ صالح كان عكسه، مسبوه ومندقم ما يتحرك. يوم رجع له وعيه، لقي سالم تحت رجليه يترجاه يلطف به وينهي عناه. صويلح يا وليدي حبيب، ولا يقدر يوذي ذبانة… إنا لله وإنا إليه راجعون، على كل حال سالم ودع، لعله من هول ما شاهد. عمك قعد مخذرف ومريض بعد رجوعه حتى لطف بنا الله ومسحت ذكراه، وصار على ها الحال إلي أنت تشوف.

بعد انتهاء الرواية، التفت إلى الردهة باحثًا عما تبدى لي قبل برهة، فلم أجد غير السكون ووميض الغروب الهادئ. انتابني شك أن ما ظهر لي لم يكن إلا من وحي خيالي. ارتحت وعدت بالنظر إلى جدتي لأجد التعب تلبّسها وكأن القصة امتصت كل قواها. حملتها إلى سريرها وأخذت الإذن بالانصراف.

حين هممت بالمغادرة، تريّثت للحظة في الردهة وقد فترت حرارتها أخيرًا أتفكر في أسطورة عمي وصاحبه. ماذا لو أُسري بأحدهم حقًّا في عبور لحظي لِحِقَبٍ من تاريخ البشرية؟ ماذا سيكون حاله؟ إنما هي كارثة خارج نطاق الخيال. العبور من فناء السومريين إلى مجازر قرطاج والرومان، ثم الحروب الصليبية ومذابح المغول، فسقوط الأندلس، مرورًا باستعمار الإسبان لهنود الأميركيتين حتى الحربين العالميتين وما شهدتاه من إبادات عرقية وقنابل نووية، وما بعدهما من مجاعات الشيوعيين وحروب القرن العشرين. توقف حبل خيالي فجأة لفكرة أثارتني: لكن التاريخ هو الآخر يحمل ذاكرة عشوائية، أوردت لنا من محور الزمن وقائع يعتريها الغلو والخلل.

قبل خروجي من باب الدار، قطع سهوي قبضة يد عنيفة اهتز لها جسدي وكادت أن تخلع كتفي. تمالكت نفسي وهدَّأتُ رُهَابِي حين التفت فرأيت وجه عمي ساكنًا منشرحًا. ارتدى ثوبًا أبيضَ وشمّر عن ساعديه كمن همَّ بمهمة عسيرة.

تداركت حالي ولملمت أفكاري فسألت: ماذا كان مقام البشر وحالهم؟ ما إن عبرت كلماتي إلى مسمعه، حتى امتقع وجهه فغدا كصحيفة بيضاء. تأتأ بكلمات متشنجة خرجت كل منها على حدة وكأنها جملة بذاتها: لو قدر الله وشهدت، لرجوت منيتك. رغم تعجيل الخطى هربًا من دارهم، تناهت إلى مسمعي بعد إغلاق الباب كلمات مبحوحة لم أفهمها، إلا آخرها وصلت كالصاعقة بوضوح نابسة باسم «ليلى».

هذا ما بقي من ذكرى يوم صيف حار انقضى تحرّيًا في أثر عمي، تغبشت ذكراه تدريجيًّا، وطُمِسَ عارض ما دار في آخره، فغاب عن ذاكرة الأيام، وتوارى عن محور الزمن.

 

  • طبيب وكاتب سعودي


إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي