أصابع الريح

2021-03-17 | منذ 2 شهر

ريم حبيب

الكون كبير جدًّا. صغير جدًّا. الموت لغز. أهمُّ لغزٍ في العالم. والموتى أيضًا يتحدّثون. هناك مَن يخبرُكَ عن الموت تفاصيلَ كثيرةً تُحرِّك مخاوفَك ومشاعرَك؛ أمّا العقول فلا مكانَ فيها لكلِّ ما يُروى.

الضمان الوحيد لكلِّ ما تسمعه هو أن تجرِّبَ الموتَ بنفسك. كلُّ الأديان تتحدّث عن يوم الحساب الكبير، عن حياةٍ عشناها، عن ميزانٍ للحسنات والسيّئات، حيث كلُّ شيءٍ بمثقال، وبعد ذلك تنعَم بالجنّة أو تُشوى بالنار.

في الثقافة الشعبيّة، لا هاوية، لا سعير، لا جحيم، لا سَقَر، ولا حُطَمَة، ولا لَظَى، ولا جَهنّمَ وبئسَ المصير.

في الثقافة الشعبيّة، الرحمةُ واسعة، والفرصُ تتكرّر سبعَ مرّات. وفي كلّ مرّةٍ يتكرّر الأملُ أن تتخلّص من كلِّ ما علق بكَ من آثام .

بعد وفاة أخي محمّد، انصبّ اهتمامي على كلّ تلك التفاصيل التي تأتي بعد الموت. أمّي كانت تهدأ لسماعها قصصَ مَن ماتوا وعادوا إلى الحياة، وتطمئنّ لأنّ ابنَها، مثلَ كلّ الأموات، سيعود إلى الحياة بجسدٍ جديدٍ واسمٍ جديد. لكنّها كانت تريد أن ترى ذلك بعينها، لذا كانت تنغمس بأسئلةٍ لامتناهية عن التقمّص.

لازمتُ أمّي كلَّ فترة الحداد. لم تذرفْ دمعةً واحدةً أمام الناس في العزاء. كانت فقط تنتظر أن تسمعَ من المعزِّيات خبرَ إنجاب طفلٍ جديدٍ.

يؤلمني حبلُ الأمل الذي تشبّثتْ به كي لا تسقطَ في ظلام بئر الموت. انتابتْني رغبةٌ في أن أبدِّدَ لها هذا الأمل؛ فهذا أرحمُ لها ألفَ مرّة. لكنّي لم أستطع. كنتُ أكتفي بالنظر إليها، ثمّ أنخرطُ في بكاءٍ يائس.

بعد مرور أربعين يومًا على وفاتِكَ صودف أنّ كنّةَ جارتنا، أمّ أسعد، أنجبتْ طفلًا، فلم تنم أمّي طوال الليل. ومع انبلاج الفجر كانت في غرفة الكنّة تحمل الطفلَ بين يديها وتناديه باسمِكَ. كانت تشهق وتضمُّه إلى صدرها وتبكي. خافت أمُّه فأسرعتْ وانتزعتْه من حضن أمِّك.

سجّلنا قائمةً بالمواليد الذكور الذين تزامنتْ ولادتُهم مع موتك. كان استقبالُ الأمّهات الجدد لفكرةِ أن تزورَهنّ أمُّكَ وتحتضنَ أطفالهنّ يتفاوت بحسب رقّةِ طبائعهنّ وقوّةِ إيمانهنّ، لكن أغلبهنّ كنّ يُغلقن أبوابَهنّ في وجهنا. تتابعت الخيباتُ حتى غارت عينا أمّك ويبستْ روحُها وأصابها تعبٌ شديد.

كلّما ازددتُ انخراطًا مع أمّكَ في تتبُّع روحِكَ تيقّنتُ أنّ كلّ ما نفعله لهوٌ دنيويّ. فغصّةُ فقْدِكَ باتت تنشب في حلقي وتقتلني. وفكرةُ التقمّص، وما فيها من احتمال إرجاعك، إلى الحياة تثقلني. أريد أن تتلاشى تلك الفكرةُ من رأس أمّك، فتسلِّمَ بأنّك متَّ، وبأنّك تمشي على صراطٍ مستقيمٍ، فتحاول ضبطَ إيقاع خطوتك كي لا تهوي.

أتخيّل المشهدَ بمتعة. يتراءى لي وجهُك وأحسُّ باللهفة لاجتيازك الامتحانَ الربّانيَّ بظَفرٍ كبير. تُربكني حكايا الناس عن الموت، واستسهالُهم لفكرةِ أن تموتَ ثم تحيا ثم تموتَ ثم تحيا. بِتُّ أتمنّى أن أنام من دون أن أشغلَ نفسي بالسؤال عنك. أين أنت الآن؟

ما أثقلَ أن تقضي حياتَكَ معلّقًا بين السماء والأرض. وجهُ أمِّك الشاحبُ غيّبني عن المنطق، وملأني كما لم يملأْني شيءٌ من قبلُ في هذا العالم. في الليلة الفائتة، بعد أن تأكّدتُ من نومها ، تسلّلتُ إلى غرفتك. رأيتُكَ أمامي، تحكي لي عن عشيقاتك وتنسى أسماءهنّ. أضحكُ، وأطلبُ منك أن لا تراوغَ وأن تخبرَني عن تلك التي تحتلّ القلبَ. تغرق عيناك في الحبّ وأنت تحدّثني عن امرأةٍ قصيرةِ الشعر، واسعةِ العينيْن، وكيف التقيتَها على البحر وتعارفتما بعد شجارٍ بسبب استعمالك منشفتَها التي تركتْها على كرسيٍّ كنت تضع عليه أغراضَكَ ظنًّا منكَ أنّها لك.

طلبتْ منكَ بانفعال أن تعيدَ إليها منشفتَها التي كنتَ في تلك اللحظة تجفِّف بها ظهرَك. ولكي تقلِّلَ من حدّة شعورها نحوك، قدّمتَ إليها اعتذارًا على طريقتك، فغطّيْتَ وجهَكَ بالمنشفة، فتغلغلتْ رائحتُها العالقةُ بها، وأصابتك بخدرٍ لذيذٍ كأنّكَ شربتَ برميلَ عرق. ثمّ رفضتَ أن تعيدَ إليها المنشفة، ورحتَ تنظر إليها بذلك الوهن الذي يكتسح العينيْن لحظةَ بدء الرغبة.

أقاطعُكَ لأقولَ لكَ إنّ هذا ليس حبًّا بل رغبة. تسألني ما الفرق، فأقول إنّ الحبّ هو أن تكون جائعًا لكلّ تفاصيلِ مَن تحبّ، لكنّك لا تأكل، أقصد أنّكَ تشبع من دون أن تأكل؛ بينما الشهوة هي أن تأكل من دون أن تكون جائعًا. كعادتك لا تجادلُني، وتؤكّد لي أنّ تلك الفتاة حكايةٌ أخرى؛ فقد أحببتَها من رائحتها، ونحن نحبُّ حين نصدّق، وأنتَ صدّقتَ رائحتها.

تسألني إنْ عرفتُ الحبّ. تذبل عيناي وتبحثان عن مكانٍ تستقرّان فيه هربًا من سؤالك. لا أدري إنْ كان الشعورُ بالخذلان الذي انتابني من علاقةٍ قديمةٍ لم تستمرَّ طويلًا يستحقّ أن يُروى. لم يكن "حبًّا"؛ لذا بقيت المسألةُ غامضةً في ذهني. وصوتي، حين أحكي لكَ، كان يتقطّع بكاءً، فأحجبُ دموعي خلف نظّارتيَّ السميكتيْن. تهزّ رأسَكَ تفهّمًا، وتطلب مني أن أجرّبَ الحبَّ ثانيةً، فأخبرُكَ عن قلبي الذي وضعتُه جانبًا وأقفلتُ بابَه بالمفتاح.

تنام أمّي طويلًا قبل أن تستيقظ. تفتح عينيها بحذرٍ كأنّها لا تريد أن تكون على قيد الحياة. مزيجٌ من شططٍ وفجيعةٍ وانكسار. هدوء البيت يخيفُها. لا صوتُك، لا رائحتك، لا أنت تنام في سريرك، ولا هي تمسح وجهَكَ بيدها.

أخذتُها اليوم صباحًا إلى المكان الذي اصطدمتْ به سيّارتُك بسيّارةٍ أخرى في حادثٍ مروِّع على الطريق الدوليّ قبالة شطّ بحريّ. طوال الطريق لم تنبسْ ببنت شفة. لونُ وجهها أصفر. وفي عينيها نظرةُ إنسانٍ انزلق إلى غورٍ عميق، إلى مكانٍ لا يمكن الوصولُ إليه لإنقاذها وإعادتِها إلى الحياة.

أخبرتُها قصصًا كثيرةً عن شبابٍ خطفهم الموتُ. حاولتُ أن أخفِّفَ عنها بأن أحكي لها عن مصائب الآخرين؛ فالمصائب حين تُروى تختلط وتتحوّل إلى مزيج، إلى مصيبة واحدة يشترك فيها كلُّ الناس. لكنّها لم تكن معي لتسمعَني. ولو نطقتْ لقالت لي، كما تقول لوالدنا كلّما أراد التخفيفَ عنها: "مصيبتي غيرُ مصيبة العالم!"

"أبونا الذي في الأرض،" كما كنتَ تتندّرُ عليه، لم يدخلْ غرفتَكَ منذ وفاتك. وحين كان ينسى نفسَه ويقترب منها سهوًا، يتذكّر، فيبتعد عنها، كمن يبتعد من رصاص قنّاصٍ غادر قبل أن تصيبَه الذكرياتُ والشجونُ فترديه قتيلًا.

راسلتُ صديقي الطبيبَ النفسيّ وطلبتُ منه المساعدة. زارنا غيرَ مرّةٍ في البيت واطّلع على حال أمِّك. أخبرني أنْ لا شفاءَ لأمٍّ من عذاب فقْدِها لفلذة كبدها. يومَها فقدتُ أعصابي. كنتُ أريد أن أضعَ حدًّا لعذابها، فقلتُ لها إنّك متَّ ولن تعودَ إلى الحياة مهما فعلنا وبكينا. شهقتْ شهقةً حزينةً أصابتها بنشافٍ في الحنجرة والفم.

أردتُ أن أكفّرَ عن ذنبي معها. فصرتُ أجمعُ لها المعلومات عمّن يحضِّرون الأرواح. ورحتُ أمشي معها إلى حيث تريد.

مَن قال إنّني لم أخشى الغرق؟

كنتُ أخاف فراغَ اللحظات التي أقضيها بصحبة أمّي ونحن ننتظر دورَنا عند مَن يدّعي معرفةَ الغيب. وكان ينتابني شعورٌ بأنّنا كلّما أوغلنا في البحث عن روحك زاد ضياعُها عنّا. مجموعة افتراضات ولا يقين من أيٍّ منها. بقينا على هذه الحال أشهرًا قليلة، وحالةُ أمّك تسوء. إلى أن جاءها رجلُ دينٍ في المنام. استيقظتْ من دون بكاءٍ أو عويل. "رأيتُ وليًّا من أولياء الله الصالحين في منامي،" قالت. أجابها أبي: "خير إنْ شاء الله."

صعدْنا السيّارة وهي تقودُنا إلى المكان الذي طلب منها الوليُّ الصالحُ أن تصعدَ إليه. خرجنا من المدينة باتجاه الريف إلى قريةٍ جبليّةٍ ولا أجمل، بينما كانت أمّي تصرخ بدهشةٍ كلّما رأت شجرةً أو مشهدًا يؤكّد لها أنّ ما رأته في المنام حقيقة، وأنّها تسلك الطريقَ الصحيح.

صعدنا جبلًا عاليًا. تقدّمنا نحو مقامٍ بُنِي فوق تلّةٍ مرتفعة، حيث الرخامُ الأبيض، وقبرٌ مغطًّى بقماشٍ أخضر. رائحةُ بخور تتصاعد. لا أدري إنْ كان مجرّدَ بناءٍ يسحرنا بطلاسمه، أمْ هي هالةُ الروح الصالحة التي تخرج من الجسد وتبقى في الأرض.

"هذا هو المكان!" صرختْ أمي.

راحت تقرأ الشهادتيْن وتبكي وتصلّي، ويدُها في يدي. أحسستُ بيدها دافئةً على غير عادتها. دخلنا حرمَ المزار. ركعتْ على ركبتيْها. كان رجلُ الدين يعتمر لفّةً سوداء، ويرتدي عباءةً سوداء، وفوقها مشلحٌ أخضر. بين يديه كتابُ الله يقرأه بنظراته متأمّلًا.

سألتْه وهي تبكي إنْ كان يؤمن بتحضير الأرواح.

هزّ رأسه: نعم.

سألتْه إنْ كان يجيد تحضيرَ الأرواح. فهزّ رأسَه ثانيةً. توسّلتْ إليه، زاحفةً على ركبتيْها، أن يحضِّر روحَكَ. وسط عويلها كانت تناديك: "اشتقتلك يا أمّي!" وتتوسّل إليكَ، على مرأًى من الناس الذين تجمّعوا حولها، أن يجعلها تراك ولو مرّةً واحدة. لم أكن أفكّر. كنتُ أمشي وراءها. تبكي فأبكي معها، تتوسّل فأتوسّل مثلها. أمّا أبي فكان مثلَ تمثالٍ صامت، كلّما سمع بكاءنا ازداد تحطّمًا.

سألها رجلُ الدين إنْ كانت تعرف ماذا تعني بطلبها؟ هزّت رأسَها راجيةً.

أغلق كتابَ الله الذي كان بين يديه، واستلّ سكّينًا كانت بجانبه، ومدّها نحوها. قال لها:

- اتّفقنا. سأحضِّر لك روحَ ابنك. لكنْ قبل ذلك أريدُ منكِ شيئًا.

نهض من مكانه واقترب منها طالبًا أن تذهب وتنبشَ قبرَكَ بهذه السكّين. ترنّحتْ كأنّها تمشي حافيةً على حصًى ساخنة، فيما روحُها كانت تتلاشى. سارت ببطء، ثم رمت من يدها السكّين وراحت تصرخ وهي تخبره بأنّها لا تستطيع أن تفعل ذلك. انتفض الرجل أمامها وقال: "إذًا، كيف تريدين لي أن أنبشَ روحَه؟ هذه أمانةٌ وعادت إلى صاحبها!"

مدّ الرجل يدَه ومسّد رأسَها لتطمئنّ. عدنا إلى البيت.

تلك الليلة توقّفتْ أمُّكَ عن الصياح ونامت. أسندتْ رأسها إلى رحمة ربّها وأغمضت عينيْها.

صارت تزور قبرَكَ كلَّ يوم. تمشي بصمتٍ وكأنّها لا تمشي. تسمع صوتَكَ فتستريح. تراك في منامها وكأنّكَ متّ ولم تمت.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي