الفيلم الوثائقي Pelé .. ملك في جمهورية الموز

2021-03-08 | منذ 5 شهر

القاهرة ـ محمد عبد الرحيم

«… يركض لاهثاً على شفير الهاوية. في جانب تنتظره سماوات المجد، وفي الجانب الآخر هوّة الدمار. الحي الشعبي الذي خرج منه يجسده بأسره، فاللاعب المحترف قد نجا من العمل في المصنع، أو المكتب، إنهم يدفعون له من أجل توفير التسلية، لقد ربح اليانصيب.. يظهر في الصحف والتلفزيون. النساء يتنهّدن من أجله، والأطفال يريدون تقليده، أما هو الذي بدا يلعب من أجل متعة اللعب، في الشوارع الترابية للأحياء الهامشية، فقد صار يلعب الآن في الاستادات الكبرى من أجل واجب العمل، وهو مجبر على الربح». (إدواردو غاليانو.. كرة القدم بين الشمس والظل)

كرة القدم .. اللعبة التي تشجعها أغلبية سكان الكرة الأرضية، والتي تتخطى مجرد كونها لعبة رياضية إلى لعبة حياة ومصائر أمم وشعوب. العديد من المؤلفات تناولت كرة القدم، ولعل أشهرها كتاب غاليانو السابق ذكره، الذي لا ينسى أن يُضيف أن هذه اللعبة «التي توجّه، عادة، من قبل رجال أعمال وسياسيين يستخدمون كرة القدم كمنجنيق دعائي للوصول إلى الصدارة».

ورغم تعدد آلهة كرة القدم عبر تاريخها، إلا أن هناك قِلة منهم استطاعوا الاحتفاظ بمكانتهم، ربما يعود هذا الاحتفاظ بالمكانة للإعلام والاقتراب من السلطة أياً كانت، أو من خلال وعي الجماهير وذاكرتهم التي يورثونها أيضاً. ومن هؤلاء القِلة يأتي (بيليه)، الذي تم تناول قصة حياته مؤخراً في وثائقي عُرض منذ أيام من إنتاج نتفليكس، ومن إخراج بن نيكولاس وديفيد ترايهورن.

لم يكن هذا الفيلم هو الأول عن بيليه وعن حياته، وقد سبقه بسنوات فيلم آخر ـ دوكيودراما هذه المرّة ـ بعنوان «بيليه.. مولد أسطورة»، إنتاج عام 2016. الذي اكتفى باستعراض حياة النجم البرازيلي منذ طفولته، حتى مشاركته ببطولة كأس العالم عام 1958، كأصغر لاعب في العالم ـ 17 سنة ـ وحصول البرازيل على البطولة حينذاك.

بيليه

إديسون أرانتيس دو ناسيمنتو، مواليد أكتوبر/تشرين الأول 1940. يأتي الآن على كرسي متحرك ويجتلس مكاناً فسيحاً خالياً من أي أثاث، سوى كرسي وصندوق تلميع الأحذية، الذي لم يزل حتى الآن يعرف كيف يدق عليه بيديه إيقاعاً مميزاً لشد آذان الزبائن، والذي يذكّره دوماَ بما كان عليه وكيف أصبح. يتذكّر بيليه في ومضات سريعة رحلته من قريته المجهولة إلى نادي سانتوس عام 1956، وعن مشاركته في كأس العالم 1958، وكيف كانت خسارة البطولة عام 1950 والتي أقيمت في البرازيل تؤثر في الجميع. حتى قيل إنه، بعد ذلك العام لم يعد البرازيليون مجرد شعب هجين وسط البشر، أو دولة هجينة، أصبح هناك هوية وقوة.

ومن خلال لقاءات مع بعض اللاعبين والزملاء القدامى، إضافة إلى بعض المحللين السياسيين وساسة تلك الفترة، يتم التعرض للأجواء العامة لحياة البرازيليين، خاصة الحدث الأهم، وهو انقلاب عام 1964، حيث استولى العسكر على السلطة بصورة مباشرة بمساعدة المخابرات الأمريكية في عهد جون كينيدي، هذا الانقلاب الذي استمر حتى عام 1985

الأسطورة

كان بيليه يمثل أملاً كبيراً لشعبه، وبالطبع لم يكن بعيداً عن مرمى السياسة، فقد تم استغلاله جيداً كأداة في يد السلطة، فرئيس البرازيل في ذلك الوقت جانيو كوادروس علم باهتمام أندية أوروبا بضم بيليه، وكان يعلم جيداً أنه بلا أي دعم شعبي، خاصة أن رحيل بيليه عن البرازيل قد يسبب له عدة عواقب سياسة وخيمة، فلاعب الكرة أصبح رمزاً لهوية الشعب، الذي ينسى ما يعيشه ويحياه يومياً في لحظة تحقق، ولو عن طريق فريق ولاعب كرة قدم، لذا وخوفاً على مستقبله السياسي، قام كوادروس بجمع ائتلاف من الشركاء الذين قرروا جعل بيليه كنزاً وطنياً، وكان ذلك أشبه بقانون حكومي ليمنعه من الرحيل عن البرازيل. كان ذلك قبل الانقلاب العسكري، فما بال الأمر بعد ذلك. ويأتي السؤال لأحد نقاد الفيلم عن موقف بيليه من السلطة، ولماذا لم يتخذ موقفاً كما فعل محمد علي كلاي في حرب فيتنام؟ فكان الرد بأن بيليه كان يعيش في البرازيل وليس الولايات المتحدة الأمريكية. وفي البطولة الأخيرة التي شارك فيها بيليه في كأس العالم عام 1970، لم يغب أمره عن السلطة، فقد أجبرته حكومة الجنرال إميليو غاراستازو ميديسي على المشاركة رغماً عنه، بسبب إصابة لم يُشف منها أبداً، كذلك تم استبعاد مدرب المنتخب البرازيلي وقتها، الذي لم يكن يؤمن ببيليه، وحل محله زميله الأسبق ماريو زغالو.

وبسؤال بيليه عن العودة إلى كأس العالم ذلك العام، واللعب بعد قرار الاعتزال وهبوط مستواه الفني، يقول.. «لقد عدتُ من أجلي.. لا من أجل الشعب، وإلا سأكون كاذباً». وقتها .. كانت الصراعات لا تهدأ، جثث المعارضين في الشوارع، بخلاف السجناء والمختفين، ورغم توالي الحكومات وصراعاتها، والانقلابات الداخلية، إلا أنها اتفقت على عدم المساس بسياسة كرة القدم ولاعبها الأسطورة. فما يحدث خارج الملعب سيظل بعيداً. هذا ما يؤكده بيليه، بأن اللعبة لم تتأثر بما كان يحدث في البلاد، وهو مجرّد لاعب كرة، ولا دخل له بالسياسة، رغم محاولة إقحامه في هذا الحزب أو ذاك. ويعلق على الأمر قائلاً.. «لا أعتقد أنه كان بإمكاني فعل أي شيء مختلف.. لم أكن سوبرمان.. لم أكن أصنع المعجزات».

من النفط حتى فرشاة الأسنان

الأسطورة نفسها تم تضخيمها والتعامل من خلالها واستخدامها، كان التلفزيون وقتها ينتشر في أرجاء المعمورة، وأصبح اللاعب الشهير هو المرادف لدولته ومكانتها، فكان مروّجاً جيداً للماركات العالمية، ومروّجاً لأي شيء، حتى قيل إنه من الممكن تسويق أي شيء يظهر من خلاله بيليه، بداية من النفط وحتى فرشاة الأسنان. فقد وقّع على سبيل المثال، عقداً بقيمة 120 ألف دولار مع شركة )بوما( ليرتدي حذاءها خلال كأس العالم 1970، فكان دائماً يحاول ربط أحذيته أمام الكاميرات كجزء من الاتفاق. وفي الثمانينيات من القرن الفائت، أجريّ استفتاء في أوروبا أظهر أن بيليه كان ثاني أكبر علامة تجارية معروفة هناك بعد كوكاكولا. ولهذا لم يكن من المُستغرب أن يكون الرجل أول لاعب كرة مليونيرا في العالم.

وإن كان بيليه هو الظاهرة الأولى، إلا أنه لن يكون الأخير، خاصة في ظل نظم حكم وسلطة تعرف كيف تتحايل على فشلها وشعوبها، من خلال حلول وهمية، تمنحهم سعادة مؤقتة أشبه بالمخدرات، ناهيك من لاعبي هذه الأيام، الذين أصبحوا سلعة تجارية مضمونة لأصحاب المال والنفوذ.

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي