الشاعر اليمني صدام الزيدي : القصيدة التي تتغلّب على الحرب

2021-03-07 | منذ 5 شهر

بيروت: ليندا نصار - كيف يمكن للشاعر أن يكتب قصيدة يتخطى بها مشاهد الحرب والدماء وهو في وسط ميدانها؟ وهل يمكن أن تحافظ القصيدة على نوافذ الأمل بالرغم من كل هذا السواد، فتنشرها للعالم؟
سنوات مرّت على اليمن، لم تشبع فيها الحرب من مشاهد الجثث ولم ترتوِ من دماء الشهداء، هذه الحرب التي باتت تشكِّل عبئًا على أقلام الشعراء، صارت شكلًا من أشكال الدمار الجسدي والروحي الذي يحصي ضحاياه، بلا ندم، كلّما عاد بذاكرته إلى الوراء.
وسط كلّ هذا الركام، كان لا بُدّ من لحظة يعيشها الشاعر خارج الزمن ليتنفس ويناقش ويحاور ويكتب.
ضيفنا في هذا العدد من مجلة "الحصاد" هو الشاعر والصحافي اليمني صدام الزيدي، إنه المستشار الإعلامي لمحافظة المحويت وهو عضو نقابة الصحافيين اليمنيين وعضو اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين.
"الحصاد" التقت الشاعر والصحافي صدام الزيدي وكان لها معه الحوار التالي:

* هل تستطيع الحرب أن تخنق الشعر؟ وكيف تتنفّس القصيدة في ظلّ ظروف الحرب؟
- لا يمكن لشيء في هذا العالم أن يخنق الشعر؛ الإكسير الفعلي لكل الأدخنة والنيران التي تعج بها الحياة. حتى الحرب ليس بوسعها أن تخنق الشعر، في تقديري، لأنها لو كانت قادرة على النيل منه، لكانت آخر قصيدة كُتِبت عشية ارتكاب أحد ابني آدم جريمة قتل مُلطِّخًا سِفْر الحياة بدم القبح والانفعال المحمول على بذرة حرب خفية في أقاصي رغبة الشيطان.
قد تتمكن الحرب من قصف الشعر إما بصاروخ أو قذيفة أو رصاصة مباشرة من على بُعد أمتار، أو لنقل: من على بُعد أكوان مشتبكةً مع الحكمة والنزاهة، غير أن المكان يتبعثر والأصبوحات تنقرض والأضواء تفقد جهوزيتها. وفي المقابل، ينبت الشعر من بين أنياب الفاجعة. هذه هي وظيفته حينما تفقد الدروب حِكمتها تحت تأثير الانجراف مع القبح والوضاعة وانكماش نافذة الأفق الانسانيّ... الشعر في أعمق انفعالاته، يتخذ من نار الحرب ميدانًا لكتابة النور، فهو وحده من يلوِّن عتمة ليلنا، ووحده من يحرس جماجمنا من أدخنة الجنون والاحتراب. بعبارة ناجزة: لا الحرب ولا الجوع ولا المرض ولا شيء بوسعه أن يخنق الشعر، لأن الشعر نافذة مفتوحة -في سماء مجهولة _ على النسيان، ولأن ست سنوات من الحرب في اليمن، جاءت لتحفر عميقًا في مدونة الكتابة الشعرية المندلعة على رصيف الحلم/ الوجع الكبير.
القصيدة تتنفّس في كل الطقوس والظروف والفضاءات والزنازين والميادين والجماجم. قد ينكسر الشعر (الشاعر) تحت وطأة حرب هنا أو هناك، ولربما يغيب برهةً أو يوغل في التلاشي ساعةً من ظهيرة محتربة، غير أن الحرب -كما رأيناها وشهدنا نزالات مجنزراتها وتجاعيد أهوالها- خنقت كل شيء في البلاد، ونكلت بكل شيء في البراري، وأصابت الجميع بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. اختنقت الأرض بجبالها وبحارها وصحرائها، وبينما الجميع في حالة من التبلد والتمزق؛ من بين هذه الكومة من الانسحاق؛ شهقت قصيدة وأفاضت حمى نص جديد أراد إلا البقاء على حافة التحدي.
قد تكون الحرب بداية غير متوقعة لشعرٍ جديد لم يكن ليكتب على نحو مغاير ومجروح لولاها وليس ثمة حزن يتدفق على امتداد الجغرافيا في أقاصي الانسان.

*  لماذا يكتب صدام الزيدي وكيف يعيش راهن الشعر اليوم؟
- أكتب لأنني أكره الحرب. أكتب لأن فصيلة دمي كالتالي: كتابة أمل ضد الفوبيا. أكتب كي أفتح جرحًا جديدًا في صدر الأيام منتعلًا بقايا حطام سفينة مفقودة في أسفل محيط متجمد. أكتب لأن نوتة زرقاء في موبايلي تمنحني شرفةً واسعةً للاختباء من نار الضغينة. ولأن ابنتي الصغيرة ضحكت البارحة وهي نائمة. ولأن الشمس لم تطلع بعد من تنزانيا. ولأن الثلج يغازلني من آخر العالم بينما أتعلق بنجمةٍ يمانية متوعدًا المنفى بحزمة قصائد ما زالت في الغيب. أكتب لأن 16 صاروخا مزلزلا نزل بجبروته على معكسر للأمن المركزي في مدينة كنت أقيم بها، ولم يكن يفصل بين بيتنا ودائرة القصف سوى مئتين وسبعين مترًا: حينها اشتعلت مدائن الشعر واستيقظ قلمي في طريقه إلى البياض المرعب والأسطوريّ. أكتب لأن أغنيةً واحدةً للسيدة فيروز بمقدورها أن تطير بي مباشرةً إلى المستقبل ولأن لا شيء آخر يمكنني ممارسته عندما تنام المدينة وتصمت كلابها ودراجاتها النارية قبل الثالثة فجرًا وبعد العاشرة والتسعين نصًا وتدوينةً...
ينبغي عليّ أن أضاعف من عزلتي وقراءاتي وكفاحي، وأن أنظر للعالم من نافذة/ بأجنحة ملاك تائه وحزين، فيما أذهب وحيدًا إلى الغابات.
*  كيف يمكن للشعر أن يستفيد من الهزائم العاطفية والاجتماعية وتحويلها إلى قوة حياة لبناء الممكن والاستجابة لشروط اللحظة التاريخية؟
- تجربتي الشعرية ما زالت في بواكيرها. لا هزائم طالتني. أمارس طقوس متشرد وحيد بأعالي جبال الهملايا. أهرب مني في الصباح وحين أعثر عليّ قبل الثانية عشرة ليلًا أهرب مني ثانيةً إلى الكيمياء أو الفيزياء أو أنضمّ خلسةً إلى قافلة رُعاة رُحّل في منغوليا البعيدة.
الشعر لا يمكنه فعل شيء لو أنه نبت في أرض قاحلة، ولو أن صاحبه أصيب برهاب المرتفات والمنخفضات. الشاعر المخلص في معركته مع ذاته ومع العالم يمكنه أن ينتصر على الهزيمة، ولا إمكانية لأن ينكسر عند أول منعطف للغيوم. المساحة التي تخلقها في أغوار جمجمتك السحيقة هي استجابة بطريقة ما لورطة حياة أو لجدلية منطق أو لعبوس أرصفة.
اللحظة التاريخية بالنسبة إليّ هي ما أكتبه بوعي أو بغيبوبة تامة ولاوعي. أعيش بداية الخلق ونهايات التكوير. الشعر لا يستجيب للتاريخ؛ يستجيب لصوت أعماقه ولا تقيده شروط هزيمة أو نشوة نصر. الشاعر يذهب إلى الأمام ولا يلتفت. أكبر هزيمة عاطفية وتاريخية (وانسانية) في رأيي، أن يهبط وحي الشعر إلى رأسك فيما أنت مشغول بغرائزك وحروبك وبالرفاهية المطلقة زاهدًا عن التحديق في غابات الفضاء التي لمعت في رأسك توًّا.

* ما هو دور التخييل في تعبير الشاعر عن مساحاته الداخلية وهل سبق أن عشت صراعًا مع اللغة في قول ذاتك؟
- يمكنني هنا الحديث مجازًا -ومجازفةً _ عن "جموح أحصنة بيضاء" تجوب أرض قريحتي اللانهائية. لا مساحات داخلية تكتبني أو أكتبها؛ مساحاتي الكبرى تبدأ من رؤوس أناملي وتمضي مسرعةً إلى ما بعد الحافة الكونية التي ينبغي لمجنون بجناحين إلكترونيين أن يبتكرها.
لربما عشت صراعًا مع اللغة، عندما أنهمك في كتابة مواضيع صحفية وهي ضرورة أنا من يصنعها ثم أخوض حروبها المريرة معي، لأن كاتبًا في داخلي يسحبني إلى حلبة مصارعة (ترفيهية وعنيدة في آن) مع اللغة؛ يقول لي: لا تقلِّد غيرك ولا تكن نمطيًا فتصبح منسيًّا. ويضيف: كن جديدًا أو أبعد قليلًا عمّا تكون.
أما حين أكتب نصوصي (الشعرية) فالحال أنني خارج سيطرتي تمامًا: لا أصارع اللغة كما أفعل في أثناء الاشتغال على كتابات ومواضيع صحفية. في حالة الشعر، ما أنا إلا وسيط بيني وبين "رسولة إلهام" تعانقني فجأةً متحدةً مع أنفاسي، تأتي من جبل مهجور أو من بحر قزوين أو من "خليج ملقة" أو من بحر الصين، أو من كوستاريكا أو من أدغال جزيرة في الفيليبين، أو من غابات أستراليا أو من براري أفريقيا أو من أرض في السماء أو من صهيل جياد نافرة هجرت العشب على ربوة خضراء وسط أرض متعرجة في المملكة المتحدة، أو من طقس خرافيّ لا أرض تتصل بها جذوره ولا سماء تبعثه أو نتوء أحجيات... هكذا بغتةً يصعد من زاوية مهملة في "لا مكان" و"لا زمان".
في حالة الشعر، مساحاتي كونيّة مترامية وما بعد مجرّات. أترك لإصبع إبهام يدي اليمني كامل حريته وبيدي اليسرى أرتب انهيارات تتلاحق على صدر نوتة الموبايل: ثمة التحام باللغة واتحاد بها، لا صراع ولا نزاع ولا مندوبين من "الأمم المتحدة".

*  نلت عدة جوائز من بينها جائزة رئيس الجمهورية، وسبق أن كرّمت من قبل عدّة جهات. ما هي أهمّيّة هذه الجوائز والتكريمات بالنسبة إليك؟ وما هو تأثيرها في القصيدة؟
- الحق أنني فزت بجائزة رئيس الجمهورية للشباب في سنةٍ مضت لم أعد أتذكّر الآن متى وفي أي عام؟ كان الفوز في إحدى دورات الجائزة على مستوى محافظتي "المحويت" (شمال غرب صنعاء). فزت أيضا بجوائز شعرية وإبداعية متفرقة كانت أدنى قليلًا من جائزة تحمل اسم رئيس جمهورية لم أكن لأصطفّ في ميادينه عندما اندلعت ثورة 11 فبراير/ شباط 2011، التي تكالبت عليها قوى الظلام فألجمت صوتها ونكّلت بأغنيتها (وما زالت تجتزّها لولا المخبوء من جذوةٍ لا تمّحى ومن شعلةٍ لا تنطفئ هكذا بضربة رصاصةٍ عمياء).!
لست ممن يفكرون في الجوائز أو يسعون إليها. أفكر بشغف كيف سأنجز فعلًا مضيئًا يطلع من بين ركام هذه الحرب التي طالت فأنهكت فينا جبالًا وأوديةً إلى درجة الاستسلام للنزوح مكانًا وروحًا لولا فسحة غريبة وعنيدة من الأمل والمكابدة والسهر والأغنيات والقراءة والكتابة والارتطام بنيزك يشرق يتيمًا من آخر غيمة ضوء في المستقبل.
حتى لو مُنِحتُ جائزةً هبطت فجأةً فأشعلت في طقوسي اليومية نزوة جنون مضاعفة، فلا أظن أن شيئا من جودة وأفضلية سينعكس على نصوصي؛ نصوصي التي كتبتها قبل مجيئي إلى الحياة بملايين السنين.

*  ماذا عن التجارب اليمنيّة الشبابيّة اليوم؟ في رأيك من أكثر من يلتفت إليها؟
- إنها الرابعة وثمان، فجرًا، الآن. كنت قررت أن أختصر إجابة سؤالك الأخير في سطرين من دون أن أقرأه ثانيةً، في سياق أمسية جميلة وعظيمة أثثتها بدمي أو إنها أثثتني بفضاء دهشتها بعد أن كنت على وشك التراجع، وصوت مأهول بانكسارات اليمن كلها، كان يهمس لي: أنت تحاور الناس وتكتب عنهم، ها أنت عاجز عن إفادة ضمن حوار لطالما ترددت في الالتزام به: ليل صنعاء مسقوف بأنين مقبرة، الدروب هنا مشيدة بالفاقة والخذلان، لا بصيص ضوء أو رصيف موسيقى. لا نجمةً تهتدي بها كلما أظلم الليل، ولا ضحكةً مكتملة مئة في المئة استطعت أن تبعثها على شفاه ابنتك الصغيرة التي حملت إليك عصر أمس قصاصة من كتابة نثرية جميلة أنجزتها مخيلتها البريئة فأعادتك إلى الأمل والابتسام -والتحدي _ مجددًا.
لنعد إلى سؤالك الختامي: أعتقد أننا في اليمن نشهد منذ عام 2000 فصاعدًا، ومنذ 2011 فما بعد، على نحو خاص، كتابة شعرية استطاعت أن تقف بعناد جميل في وجه الانتكاسة والصراع والمجاعات والمتاهات. كتابة تتمرد، تحفر في الصخر، تؤنسن حربًا فادحةً قبالة ضلال ساسة حمقى ونزيف دم بريء لا صوت كونيّ ينحاز له جادًا، "ولا أرض تقيه ولا سماء".
أكثر من يلتفت إلى هذا الجيل المحاصر بالطوابير والمتشرد بلا نهاية، الربوات العليا لجمال النص المحتشد، فلا أحد، عدا الشعراء أنفسهم يوغلون في تدمير يباس شبكة الانترنت كي يشرقوا مع آخر نجمة في فجر وسائط الاتصال الممدودة أليافها حتى آخر عظمة في قبر جنكيزخان المفقود، يبحثون عن عشبة (سبئية، مفقودة) معلقة في أذن ديناصور منقرض.!
الشبيبة اليمنيون ممن لاذوا بالشعر وطنًا ونافذةً، ينجزون اليوم كتابة (نص جديد) مقروءة ومقبولة في سياق المشهد العربي العام، خذي مثالًا: قيس عبد المغني؛ جلال الأحمدي؛ أحمد العرامي؛ أحمد النجار؛ ضياف البرّاق؛ مها عبد الرحيم؛ ميسون الإرياني؛ وثمة أصوات كثيرة، تنجز مدونةً قاحلةً في طلوعها، ناجزةً في اجتراحها الفضاء الخاص والأجدّ. ثمة بواكير تكفي لأن نتحدث عن "قصيدة حرب" في اليمن، لولا أن الرأي النقدي -وهو غائب بالمناسبة إلا من تلويحات لا يمكننا اعتبارها فعلًا نقديًا مُواكِبًا _ قد يقول إنه من المبكر الحديث عن هذه القصيدة/ النار الطالعة من قرائح الشعراء ما بعد عام 2000، تحت سماء من صواريخ، وفي درب الكلاشينكوف.
نراهن على التجديد والمغايرة: قصيدة تكبر فوق جراحات زمانها، لا تزيدها طقوس تعبئة الكراهية والعنصرية ونشرات الدم المتلفزة إلا "عُتُوًّا ونفورا".


الشاعر صدام الزيدي في سطور:
* ينتمي إلى هيئة تحرير مجلة "نصوص من خارج اللغة" الصادرة عن شبكة أطياف الثقافية في المملكة المغربية، كما أنه مشرف على موقع "فضاءات الدهشة" الأدبي التابع لمجلة نصوص من خارج اللغة.
* يكتب الشاعر قصيدة النثر وقد عرف باهتمامه بمشهدية كتابة قصيدة النثر يمنيًا وعربيًا أيضا.
* شارك كإعلامي وشاعر في "ملتقى الرباط- بغداد" الذي نظمته "الجامعة المغربية للشعر" من 28 نوفمبر إلى 2 ديسمبر 2014 في مدينة الرباط المغربية.
* فاز الزيدي بجائزة رئيس الجمهورية في الشعر بمحافظة المحويت، اليمن، 2010.
* صدرت له باكورة شعرية بعنوان "صوب نخّالة المطر"، ضمن سلسلة "إبداعات يمانية"- عبادي للنشر، صنعاء، 2010.
* يكتب حاليًا في الصحافة الثقافية اليمنية والعربية: "ضفة ثالثة/ الجزيرة نت/ نصوص من خارج اللغة/ نزوى/ بين نهرين/ مواقع ومجلات يمنية وعربية أخرى.

مجلة "الحصاد" اللندنية
العدد 114، آذار 2021

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي