الشاعر الأمريكي راسل إدسن في مختاراته من الشعر الأمريكي: يتقصّى اللا شعرية ولا يحاول الاستنباط

2021-02-27 | منذ 5 شهر

هاشم شفيق


تعتبر الترجمة عبر تاريخ طويل من تطوّرها، الوسيلة الناقلة لفكر الآخر، معارفه، أفكاره، رؤاه، فنّه، تصوّراته، وجماليات التعبير في لغته.
وكانت الترجمة ضمن هذا المفهوم العامل الجمالي الذي استطاع أن يقرّب لنا الآخر، المستتر، البعيد والغائب. وفي سياق الشعر شهدت حركة الترجمة، منذ بزوغ حركة مجلتي «شعر» و«الآداب» تطوّراً ملحوظاً في النشاط الترجمي، فبرزتْ حينها أسماء كثيرة في سماء ترجمة الشعر الأجنبي إلى العربية. وكان كلّ مترجم تظهر من خلال ترجماته سماته الفنية، والتعبيرية، والتكنيكية، وتظهر كذلك المقدرة اللغوية في نقل هذا الشاعر أو ذاك، فهناك من وجدناه يتحلى بالسلاسة، والشفافية، والجلاء اللغوي، في تنقية النص وغربلته فنيّاً، ومن ثم نقله ببراعته إلى العربية، ووجدنا أيضاً من قدّم ترجمة عصية على القراءة، تنقصها الطلاوة، وحُسْن الصّوغ، وأخرى فيها عسر في العربية لدى المترجم الناقل للنص الشعري، من اللغة الأجنبية إلى العربية، وثمة شواهد لا تحصى على ذلك، ليس مكانها هذا المقال الوجيز.


وفي السياق ذاته، قدّم المترجم سامر أبو هواش تراجم كثيرة في هذا المضمار، فهناك بعض الترجمات الشعرية من حالفها الحظ في الترجمة إلى العربية، وهناك ترجمات تعثّرت في إيصال المعنى العام للقصيدة، وهواش شاعر ومترجم بارع، ومتمكن من اللغتين، ولكن هناك بعض الترجمات التي قدّمها ضمن مشاريعه الكثيرة والمتنوعة، قد وقعت في نطاق أو زاوية، العسر المفهومي، واللغوي، والوعورة الفنية، في تقديم نص جلي، والسبب يعود في رأيي، إما لدى الشاعر المراد ترجمته، أو لدى المترجم في تقديم ما ينحاز إليه من شعر قد يتعارض مع التبليغ والإيصال والتناغم مع القارئ، ومن بينها على سبيل المثال الشاعر الأمريكي الذي بين أيدينا راسل إدسن، الذي قدّمه المترجم بعبارة «عرّاب قصيدة النثر الأمريكية»، فالمترجم يقول عن قصائد هذا الشاعر: «بطل قصيدة إدسُن، مثلما سيتبيّن القارئ من خلال هذه المختارات هو، رجل، أو امرأة، زوج، أو زوجة، شيخ، أو عجوز، ابن، أو ابنة … الخ وهذه الصفة الوظيفية، في سياقها الاجتماعي التمثيلي، تشكل المدخل السردي لراسل إدسُن، قبل أن يقع الانزياح وتمضي ـ القصة ـ في مسارات ومعارج غرائبية، تنزع ـ الشخصية ـ من اعتياديتها ويوميّتها وتمنحها بعداً حكائياً، خرافياً، تخضع خلاله البنى التقليدية للسرد، بما في ذلك، من حيث الشكل، السرد القصير جداً، لعملية بتر حادة، وإعادة توزيع وقلب للمعاني والدلالات، تتحدى غالباً أي نمط معروف، أو متوقع، أو محاولة لاستنباط «معنى»، أو دلالة رمزية، فقصائد ـ قصص إدسُن ليست أداة رمزية ولا تعليقاً اجتماعياً أو سياسياً مباشراً، بل أنها في الأغلب، تعمل ضد النسق الدلالي والرمزي المتوقّع، لتصل إلى مستوى غير مسبوق من العبث الخالص واللا معنى الصافي».
ما نخلص إليه من هذه الاجتزاءة من المقدّمة التي وفّرت إلى حدّ ما إلينا فَهماً معيّناً، هو أن الشاعر غير معني بالدلالة مطلقاً، ولا يقدّم أي محاولة لاستنباط معنى ما، فالشاعر مهمّته هنا وكما وضّح، إلغاء الوظيفة الدلالية التي تميّز بها الشعر على مرّ العصور، وعلى حذف المعنى، ومحوه، والتنكيل به من أجل الوصول إلى العبث الخالص، إذ ثمة بتر حاد لكل مغزى يظهر في القصيدة ـ التي تحوّلتْ إلى قصة وحكاية، لتحتل مكانة فنّ معروف، وثمة حديث عن السرد والحكاية الخرافية، ولكأننا أمام نص هجين، متكوّن من القص والسرد، والحكاية، وبعض التوريات الشعرية، إن وجدت بطبيعة الحال، وهي جدّ قليلة، ولا تنمّ عن موهبة بارعة ومتميزة، كون النص خالياً من المعاني، والدلالات، وحتى الغموض الجميل، هو غير متوافر في النصوص التي قرأناها، وكل قارئ حاذق، وناقد لبيب يعرف أن المعاني الكبيرة هي من خلّدت شعر والت ويتمان وت . س إليوت، وجاك بريفير ويانيس ريتسوس، وكذلك في العربية، كأبي العلاء المعري وأبي الطيب المتنبي، وبدر شاكر السياب ومحمود درويش وغيرهم من شعراء العربية الكبار. ولكي تكون لدينا شواهد دالة على ما تقدّمنا به، لنأخذ بعض النماذج التي توافرت في الكتاب، وهي كثيرة ومتعدّدة في فن ركل المعنى، وحذف الدلالة، ورماها في سلال المهملات، وهنا قصيدة «محاولة» نقدّمها كاملة، وهي من أوائل ما تسمى بقصائد المختارات الشعرية التي تحمل عنوان «شمس تدخل من النافذة، وتوقظ رجلاً يسكب القهوة على رأسه»، وبالمناسبة هذا العنوان الواضح والجلي، يكشف دون عناء محتويات الكتاب:
«كانت امرأة وجهها جراب بقرة، تبرز منه أربع حَلمات،
يأتي رجلٌ ومعه كرسيٌّ صغير ثلاثيّ القوائم مختص بالحلب،
تنحني هي وهو يشرع في حلب وجهها».
وهنا النص الثاني الذي تلى النص الآنف هو بعنوان «ولدي العزيز»، ونحن هنا لا نعرف هل هو شعر، أم حكاية، أم نتفة من مشهد شكسبيري، أم غائط؟:
«رجل قرأ مسرحية إغريقية، افتعل شجاراً مع أبيه، وانتهى به الأمر إلى أن يطلب يد أمّه للزواج.
أوه لا، يا ولدي العزيز، لا يمكن الأم الزواج من شيء خرج من جسدها، سيكون هذا أشبه بالزواج من غائط، وماذا عن أبي فلقد تزوّجته، ألم يكن غائطاً؟
نحن جميعاً غائط، ولكن حين نتزوج نصبح غائطاً منقولاً، لقد كان غائط جدّتك قبل أن يكون غائطي، حين تتزوج ستصبح غائط أحدهم المنقول … «.
يقول المترجم أن نصوص الشاعر إدسن متاثّرة بالفن السريالي، والرسوم الكاريكاتيرية والصحافية، ويستدرج مثالين لذلك هما ماكس جاكوب وهنري ميشو، وهما في رأينا الحلقة الأضعف في الحركة السريالية الكبيرة والواسعة التي كان يكتب في ظلها وتحت رؤاها شعراء عظام مثل لويس أراغون وبول إيلوار وجاك بريفير ومؤسّسها أندريه بريتون وأكتافيو باث، ولكن ما جاء به الشاعر الأمريكي «عرّاب قصيدة النثر!» هو نوع من التهويمات الدادائية، والهلوسات الذهنية والدعابة غير السوداء، بل الدعابة المسخ، والمضحكة بطريقة كئيبة، كقوله في قصيدة إدمان التي سأسطرها كلها: «على ظهري قردان، أحدهما حقيقي، والثاني لا، أيّهما الحقيقي وأيّهما ليس كذلك، يصعب القول، وإذن ثمّة قردان …أحياناً أكاد أميّز الفارق، لكنهما حينئذ يتحرّكان، القرد الحقيقي يعرف، بالطبع من هو، لكنه يُخفي هُويته من خلال خلط حقيقته مع لا حقيقة القرد الآخر، وهكذا هي الحال، قردان اثنان، أحدهما غير حقيقي، لكنه يزعم أنه حقيقي، والثاني حقيقي، ويزعم أنه ليس كذلك، لماذا إذن، لا نكون أفطن من الحقيقي، فنتشبّث بالأقل حقيقية، ونسميه حقيقياً؟ حتى وإن غدا الحقيقي أكثر حقيقيةً، زاعماً أنه ليس كذلك».
هكذا يخلط الشاعر النصوص، والأشكال، والجمل، والمقاطع ليرينا براعته الفنية في اللا فن، فالقصة أيضاً تسللت لتأخذ مكان الشعر الذي كانت له مكانته، ما قبل هجوم رواد قصيدة النثر في العالم، والسطو على الممتلكات الجمالية، الإبداعية الأخرى، كالمسرح وفن الحوار، والقصة القصيرة جداً، والسرد الكتابي النثري، والسرد الروائي، وما شابه من مقتربات معرفية وكتابية قريبة، كأدب الرحلة، وأدب الرسائل.
إذأ لنقرأ معاً هذا النص للشاعر إدسُن ونفك لغزه، فهل هو قصة قصيرة جداً، أم حوارية، أم رسالة ما، موجّهة لشخص ما ويعنونه بـ»المتقدّم إلى وظيفة»، فلنقرأ معاً فحوى النص:
«رجل يبحث عن وظيفة، يكتب: عزيزي ربّ العمل، أودّ العمل لديك، لستُ بارعاً في أيّ شيء، لكنني أستطيع الجلوس بغبطة على أيّ أثاث مريح مرتشفاً أيّ شراب قابل للرشف، أتساءل إن كانت لديك رَدْهة؟
ربّ العمل يردّ عليه: عزيزي المتقدّم إلى الوظيفة، أخشى أنك تتمتّع بخبرات تفوق الحاجة، لن نتمكّن من أن ندفع لك الراتب المجزي الذي من الجلي أنّك تستحقّه. الرجل يكاتبه مجدّداً: عزيزي ربّ العمل كلّ ما أطلبه هو بعض الأثاث المريح، وشيء ما قابل للرشف، وسيكون من دواعي سروري ترك المكتب لبضع ساعات يوميّاً، ربّ العمل يردّ : عُد نفسك من الآن فصاعداً موظفاً لدينا».
والآن نتساءل ما الذي سوف يقدّمه شعر بهذه المواصفات والسمات لشاعر شاب مبتدئ، متطلع إلى الجديد في الشعر العالمي، وهو لا يمتلك سوى العربية؟ وليس ثمة من تواصل له سوى الاطلاع على التجارب العالمية المنقولة، ولا سيّما حين يقع الشاعر المبتدئ، على هذا التوصيف للشاعر الأمريكي إدسن على أنه «عرّاب قصيدة النثر الأمريكية!»؟ وهل سيفيده أن يقرأ سطوراً، وجملاً، وتشاكيل على هيئة قيء؟: «ثمة رجل مُسن يتقيّأ معدناً، اليوم تقيّأ زنبرك سرير، أمس مقصلة نورمبرغ الحديدية … فجأة تقيّأ الرجل كتيبة من الجنود الرصاصيّين، أما زوجته فتقيّأت حزمة من الحفّاضات المتسخة». وفي قصيدة أخرى يقول: «امرأة ولدت فيلاً زهرياً صغيراً، سألت الطبيب لماذا فيلاً وليس ببغاءً؟» إلى آخر ما تحفل به المختارات من أفانين تعبيرية، ترمي إلى التغريب.

راسل إدسن، مختارات من الشعر الأمريكي
ترجمة: سامر أبو هواش
دار المتوسط، ميلانو 2019
145 صفحة.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي