إيرنان ريبيرا ليتيليير في “الرجل الذي حدّق في السماء”: نثر يتسم بشفافية الفضاء

2021-01-17 | منذ 5 شهر

هاشم شفيق

يثير أدب كتاب أمريكا اللاتينية الاهتمام، في الغالب الأعم، ولا سيما على الصعيد النثري، كالقصص والرواية والمذكرات والسير الشخصية لكبار كتابها، لما تنطوي عليه تلك الكتابات من حمولات فنية، على مستوى المتخيّل، والسرد الرؤيوي، ذي السمة السحرية، في تناول التفاصيل، والمَشاهد، وسرد الحكاية، الملتمة على عناصر الإبهار والإثارة والتشوّق، المصحوب باختراق حواس القارئ، في محاولة للسيطرة عليها، من أجل إتمام القراءة إلى آخرها، والأخذ بلبابه، وهو مستغرق في تضاعيف وفصول رواية ما من هذه الروايات. ولكننا قليلا ما نرى عملاً قليل الأهمية، قد نجد عملاً متوسط الجودة، ودون مستوى الشرط الفني المرتجى والمطلوب، ولكن في النهاية هناك مستوى فني للنشر، مستوى يدعو إلى إثارة القارئ، وعبر محاولات عدة وألاعيب كثيرة تبذل من أجل استدراجه إلى خزينة الكتاب، ومحتواها الذهبي، وعلى سبيل المثال في الرواية التي بين أيدينا الآن، وهي لأحد كتاب أمريكا اللاتينية، يدعى إيرنان ريبيرا ليتيليير، شاعر وروائي من تشيلي، ثمة حِيل وحبكات فنية، بوليسية تارة، وأخرى فانتازية سُطرتْ من أجل رمي الطُّعم للقارئ، فالكتاب برمته وعلى صغره في عديد صفحاته، يمتثل لهذه التقنيات، في ترتيب التوليفة، والحبكة، ورسم السياق العام للرواية القصيرة، تلك التي تعد بنظرنا قصة طويلة، أو نوفيلا مختصرة، في عدة مشاهد ومواقف ورؤى تكتيكية، بغية صياغة النص المختصر الملائم لقارئ اليوم، هذا القارئ الذي يبحث عن الإثارة، والكثافة، والصفحات القليلة، تلك التي سيلج صفحاتها ضمن سفرة قصيرة في طائرة، أو قطار، وحافلة.

 

تتحدّث الرواية وعبر أبطال معدودين لا يتعدون الثلاثة، عن رجل يقف كل يوم في الشارع يرفع رأسه إلى السماء ويحدّق فيها، وحين يرى المارة هذا الفعل يقفون ويروحون بدورهم ينظرون إلى السماء، ولكنهم لا يرون شيئاً البتة، ثم يمضون في طريقهم متمتمين، وهو ليس لديه عمل سوى رفع رأسه والنظر إلى السماء، بينما هناك على الناصية، يُرى إلى جانبه شاب يرسم على الأرض رسوماً ويلوّنها، ثمّ يتلقى من المارة نقوداً على مجهوده الفني، كشحاذ ولكن بطريقة فنية، هذا الفنان المتشرّد له صديقة متشرّدة، تقوم بألعاب أكروبات للمارة من أجل جمع بعض النقود، فهما يعيشان معاً عيشة بوهيمية، رغم حلمه بالكتابة، وتحقيق رغبته في كتابة رواية يأمل أن تصل إلى العالم كله، بينما الرجل الذي يراقب السماء يواصل تأمله، ومن شدة الاستغراب لفعله اليومي، ومواصلته لمهمته التأملية هذه، سماه الناس العابرون كل يوم للرصيف والساحة بالرجل الرائي.

“أن ما يفعله الرجل في كل ركن هو أن ينظر إلى أعلى، وهو بذلك يدعونا أن ننظر إلى ما هو أبعد من الشرفات، ومن المعمار الخرساني، ومن الحمام الذي يحلق فوق رؤوسنا، إنه بذلك يود أن يعيد إلينا رؤوسنا المشلولة كرؤوس الخنازير … أراد لنا الرجل أن نرى لون السماء الأزرق الذي نسيناه”.

كان هذا الحديث يدور بين البهلوانة والفنان المتشرد، وكان يحدث للمرة الأولى، بعد أن تعارفا وتبادلا اسميهما، وقضّيا ليلتهما الأولى على شاطئ البحر، في خيمته المنصوبة هناك، حيث كان يفكر بالرجل الرائي.

كان الاثنان يمارسان عملهما، فهو يواصل رسمه على الرصيف بالطباشير، وهي “كانت ترقص وتلعب بكرة مخروطية، وأحياناً كانت تمتطي دراجة أحادية العجلة واضعة أنف مهرج، لاعبة بأربعة مفاتيح، لقد كانت تمارس عملها على نحو جيد، وكان قائدو السيارات إن لم يتركوا لها نقوداً لعملها، فلجمالها، كانت خمرية تحبس الأنفاس”.

وبما أن الفنان كان يحلم بالكتابة، فلقد اقترحت عليه البهلوانة صديقته أن يكون الرجل الرائي بطل روايته التي يحلم بكتابتها، وأضافت “أن ذلك الرجل لا يفعل شيئاً وفي الوقت نفسه يفعل كل شيء، يكفي أنه يجعل الناس يرفعون رؤوسهم صوب السماء، حتى ولو لحظة، وهو يفعل ذلك دون أن يحرك لسانه”.

يمنح المؤلف تسميات لأيام الأسبوع، فالخميس هو من الفولاذ، والجمعة من النيكل، يمنحها أسماء معدنية، متسلياً هو وصديقته بهذا الأمر، وهما أمام البحر أو في الخيمة، يسردان لبعضهما مسار حياتهما، فهي حين كانت طفلة، كانت أمها تغني لها أغنية لمغنية روك أرجنتينية مشهورة، وهذه الأغنية تذكرها بالرجل الرائي الذي ينظر إلى السماء ومطلعها يقول:

“مالك السماء الزرقاء

طلب أن أمنحه يدي

وبكى قلبي حبّاً”.

وتذكرها أيضاً بحبيبها الأول، وهو لاعب أكروبات كان يلعب عند ناصية منزلهما، عشقته وهربت معه وهي في الرابعة عشرة، ولكن حبيبها توفي في حادث سيارة، وهو رباه جده، وجدته بعد أن فقد أباه في حادث حريق وهو في الثالثة، وحين شبّ في بيت الأجداد، وترعرع وصار فتى، أحب فتاة يصفها على أنها تشبه المطر ولقد غزا قلبها ببيت شعر لشاعر تيشلي يقول فيه:

“هل أُصاب بالعمى

حين وهبك الله تلك العينين؟

هل أُصاب بالخرس

أن منحك الله ذلك الفم”.

حين تعرّف الفنان المتشرد والبهلوانة على الرجل الرائي أخذاه إلى خيمتهما، واكتشفا كلام الرجل الموجز والمختصر، ليتبيّن لهما فيما بعد أن الرجل الرائي حنجرته معطوبة، وهو يتكلم من خلال مايكرفون صغير يحمله، يعمل على البطارية، وهو لا يريد أن تنفد البطارية لكي يبقى محافظاً على بعض ما تبقى من كلام. وبقي الرجل الرائي، في الأيام التي أقبلت، مثل لغز بالنسبة لهما، فماضيه جد غامض، وهو يتحدر من قرية تشيلوي، وقد جاء إلى هذه المدينة عابراً باتجاه مدينة أخرى، ولديه رسالة يود أن يوصلها لصديق في قرية أتاكاما، وهو لا يعرف عنها شيئاً سوى أنها قرية تتمتع بسماء هي الأكثر صفاء في العالم، ويودّ أن يقضي بقية حياته ويموت هناك.

بعد ثلاثة أسابيع من معرفتهما بالرجل الرائي، يقرّران عدم التخلي عنه، والذهاب معه إلى تلك القرية التي يموت فيها عشاق السماء، وبينما هم في الطريق يريانه يفكر كثيراً بالموت فيحزنان عليه، ولكنه كان متماسكاً رغم إصابته بالسرطان وأيامه معدودة، ليقول لهما إنه يُحب وإن الحب يخفف عنه الحزن والألم. ربما كان الرجل الرائي، حسب الفنان المتشرد، قد عشق ابتسامة لوريدانا أي البهلوانة، فهي لها ضحكة لا تنسى، وغير طبيعية لسر جمالها، وكل من يسمع ضحكتها يعشقها. يقول الرائي للفنان إن أجمل ثاني شيء في الحياة بعد النظر إلى السماء، هو الاستماع إلى صوت الصمت، وبعد أن ينتقلوا من سيارة إلى أخرى، ومن أجل تزجية الوقت يُفصح الرائي عن أنه كان سجيناً وقد أُفرج عنه مؤخراً، من دون أن يفصح عن سبب سجنه، وأن الرسالة التي يحملها هي من صديق في الزنزانة. بعد ذلك أقلتهم شاحنة إلى قرية ماريا إيلينا. كانت الشمس فيها حارقة، والأشجار بلا ظلال، باتوا ليلتهم تلك عند عائلة عمالية، دعتهم للمبيت عندها، في نهار اليوم التالي واصلوا سيرهم باتجاه مدينة سان بدرو، وحين مرّوا على حاجز شرطة سألهم الرقيب عن هوياتهم، فوقع عندها الرائي بين يدي الشرطة من أجل استجوابه لمدة من الزمن، وعاد بعد أن أخلي سبيله، ثم يخبر الرقيب الفنان والبهلوانة بأن رفيقهم العجوز الرائي قاتل، وقد قتل شخصين قبل فترة.

في الطريق تعطلت السيارة، وكانت تحتاج إلى قطع غيار، فكان الثلاثة يقضون أوقاتهم بقص الحكايات، وعندما ذهب السائق ليبحث عن قطع غيار للسيارة، بعد أن أعيته الحيلة في تصليح العطل في المحرك، نطق الرائي أخيرا، واعترف بقتل اثنين من القتلة الذين قتلوا أفراد عائلته، وهم زوجته الجميلة، وابنتاه الجميلتان كأمهما. لقد اغتصبوا زوجته قبل القتل وكانوا ثلاثة، أخلت العدالة سبيلهم لعدم كفاية الأدلة، فنفذ هو حكم العدالة في اثنين منهم، وها هو مسافر إلى حيث يقيم الثالث، لكي ينتقم منه، فهو كان الأشرس بينهم حين قتلوا العائلة، يوم كان الرائي حينذاك قد تأخر في حانة قريبة من البيت، فجاء القتلة ليسرقوا مالاً ظنوا أنه قد حصل عليه من بيع عقار له، وأن نقود البيع هي في المنزل، ولكنهم لم يعثروا على شيء حينها، فقتلوا الجميع وفرّوا إلى أماكن مجهولة.

عن أجواء هذه الرواية تحدث الروائي إلى إحدى الصحف التشيلية، من خلال حوار أجري معه، ذيّل في نهاية الرواية، حيث قال:

“جاء تأليف هذه الرواية على نحو مختلف عما كنت أكتب من قبل، أردت بهذا الكتاب أنْ أقدّم ترنيمة لسماوات شمال تشيلي، وهي السماوات الأكثر صفاء في الكون، عندما شرعت في الكتابة أردت أن أكتب نثراً يتسم بشفافية تلك السماوات، ولعلي قد حققت أكثر من ذلك”.

إيرنان ريبيرا ليتيليير: “الرجل الذي حدّق في السماء”

ترجمة: محمد مصطفى

دار الساقي، بيروت 2019

110 صفحات.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي