العنصرية والمرض ووهج الإبداع في «الألبوم البني»

2020-09-24

 الكتاب مصدراً مهماً من مصادر التوثيق والأرشفة لتاريخ المرض

نادية هناوي*

تحتل الكتابة الأتوبوغرافية بكل أنواعها مذكراتٍ وسيراً ذاتية ويومياتٍ، مكانة مرموقة عند غالبية القراء، نظراً لما فيها من وقائع وأحداث، وما يعلن فيها من خفايا وإسرار، يكاشف بها كاتبوها قراءهم مستعرضين محطات من تاريخهم الشخصي، مناقشين موضوعات حياتية عامة لها صلة بالسياسة والمجتمع والدين والأدب والتاريخ والاقتصاد، متخذين مواقف إزاء بعض منها أو كلها.

ولا شأن للعمر في كتابة المذكرات، أو السير بعكس ما يراه بعضهم من أن الكتابة الأتوبوغرافية لا تكتب إلا وصاحبها مشهور وعلى أعتاب النهاية. ومن القائلين بهذا الرأي الفرنسي جورج ماي في كتابه «السيرة الذاتية» وفيه يقول: «لابد إذن أن يكون المرء قد قطع على الأقل منتصف الطريق» محتجاً بمقولة دانتي «ها أنا ذا في مرحلة الحيرة في حياة الإنسان، حيث يشعر المرء في لحظة ما وقد انتصف به العمر».

ويستعرض ماي سيراً ومذكراتٍ نشرها أصحابها بعد سن الستين، مثل غوته وجون ستيوارت ميل وداروين وهنري آدمز، ليس ذلك وحسب، بل يذهب إلى أن ليست بين المذكرات والسير الذاتية حدود فاصلة، وهي وإن كانت موجودة فهي غائمة زئبقية ووهمية. ولعل السبب وراء تمسك ماي بآراء عفا عليها الزمن هو رغبته في مخالفة مواطنيْه أندريه موروا وفيليب لوجون، اللذين عاد إليهما في أكثر من موضع من كتابه أعلاه.

والمهم هنا هو أن كتابة المذكرات صارت أكثر أنواع الكتابة الأوتوبوغرافية انتشارا، ولاسيما تلك المذكرات التي موضوعها ساخن وطري، كموضوع الأمراض بأنواعها الوبائية والمزمنة وموضوع العنصرية العرقية. وما كان لنوع كهذا من المذكرات أن تصير بهذه الأهمية، لولا الجائحة الكورونية التي هزت عالمنا اليوم، فتضاعف خوفنا أضعافاً مضاعفة.

وما عادت مسائل كونية كالهدر المائي وعدم الاكتفاء الغذائي والتلوث البيئي والبحث عن الطاقة المتجددة، والاحتباس الحراري، وكيفية نزع الأسلحة الشاملة، تلقى اهتماما مثل ما تلقاه مسائل التلامس والتباعد جسدياً واجتماعياً من أهمية، بسببها صار عالمنا مخيفاً وهو يحتمي بالكمامات والكفوف والنظارات، من فيروس مستجد رهيب، وغدت الأزمة الصحية الحالية هي الأولى من نوعها في تاريخنا الحديث والمعاصر.

وإلى اليوم والعلم يقف عاجزاً عن إيجاد مخرج لهذه الأزمة، سواء في شكل حلول آنية تحد من انتشار الفيروس، أو في شكل حل مستقبلي ناجع وأكيد، يجعل أمر الجائحة في خبر كان.

وإذا صادف ووجدنا كاتبا يهتم في مذكراته بموضوع المرض، جنباً إلى جنب موضوع آخر أثير هو، التفرقة العنصرية التي هي موضوع قديم جديد؛ فإن تلك المذكرات ستلقى اهتماماً كبيراً من قبل قطاعات شتى من القراء، بسبب فاعلية هذه المزاوجة الثيماتية، التي تجمع ما هو صحي أو وبائي بما هو جينالوجي وتاريخي. وإذا كانت المذكرات تعود لكاتبة فذلك يعني إثارة أكثر، لأن المرأة بكتابتها لمذكراتها، إنما تكتب تاريخها الفردي الذي سيشكل مع تاريخ غيرها التاريخ النسوي، الذي ينبغي أن يكون له حضوره في التاريخ العام بوصفه جزءاً لا يتجزأ منه.

وعادة ما تشتمل المذكرات ذات المزاوجة الثيماتية بين المرض والتمييز العنصري على كثير من السخونة والحيوية، لحساسيتها المجتمعية وأهميتها الثقافية، لاسيما حين تثار في زمن يشهد نزاعاً عرقياً، أو تتألب فيه العدائية ضد الأقليات. ومن الكتب التي ينطبق عليها ما تقدم كتاب «الألبوم البني مقالات في المنفى والهوية» المنشور مطلع هذا العام 2020 لمؤلفته الروائية والكاتبة الأمريكية الإيرانية بورشيستا خاكبور.

والكتاب عبارة عن مذكرات تنطوي على وقائع ومشاهدات، مع مجموعة مقالات تؤرخ لحياة المهاجرين الأمريكيين من أصل إيراني، ومكتوبة في إطارين بعضه سردي سيري، وبعضه الآخر مقالي، مستعملة ضمير الأنا بكل ما يعنيه صوت الأنا من التحدي والمكاشفة والإدلاء والمواجهة. وفيها تتناول الكاتبة موضوعات عدة لها صلة بمرضها الذي عانت منه شخصياً، والعنصرية التي واجهتها ونقلتها إلينا من وجهة نظر امرأة تشعر بأن هويتها متشظية وهي تحاول التعايش مع وطن هو المنفى.

وقد لاقى هذا الكتاب ـ الذي نشر بطبعة نيويورك مطلع هذا العام، ولم يترجم إلى العربية بعد ـ اهتماما كبيرا حتى تصدر قائمة الكتب الأكثر مبيعاً.

والمؤلفة بورشيستا خاكبور المولودة في طهران عام 1978 ليست جديدة على عالم التأليف والكتابة، أولا لتخصصها الأكاديمي في الأدب بدرجة ماجستير من جامعة جونز هوبكنز، وثانيا لأعمالها الروائية وأولها رواية «أبناء وأشياء أخرى» 2007 التي أدرجت في القائمة القصيرة لجائزة ويليام سارويان الدولية للكتاب. وثانيها رواية «الوهم الأخير» 2014 وفازت بالجائزة السنوية السابعة والسبعين للكتاب في كاليفورنيا وثالثها رواية «الجزر الأبيض في الحب» والمنشورة عام 2018 وقد حازت فيها الكاتبة إعجاب كثير من النقاد.

وبسبب معاناة بورشيستا مع مرض لايم الذي شُخصت إصابتها به في عام 2012 صارت تعرف باسم (كاتبة المرض) لكونها عايشت الاضطرابات الصحية والأعراض الجسدية والنفسية، التي ترافق المصــــاب بهذا المرض.

وصرحت في مقابلة أجراها معها الصحافي أليكس كلارك، والمنشورة في جريدة «الغارديان» في يوليو/تموز 2018 أن من الأنسب معاملة المرضى على أنهم مجانين، واصفة أعمالها بأنها قصة انتصار المرأة على المرض.

ومعروف أن مرض لايم عبارة عن عدوى بكتيرية منقولة بالقراد تصيب آلاف الأمريكيين كل عام. ومن أعراضه الطفح الجلدي وآلام المفاصل والحمى والتعب. وعادة ما يعالج المرض بالمضادات الحيوية؛ بيد أن الخطير في هذا المرض أنه يمكن أن يتحول إلى حالة مزمنة، لا يمكن فهمها، مسببا المزيد من الأذى للجلد والجسم والعقل، وهو ما عانت منه بورشيستا، فمرت بفترات مزمنة من النوبات المتشنجة والأرق، وانتكست حالتها مرات قبل أن تتعافى منه تماما.

 

يتضح تبرم بورشيستا من التشظي والنفي في المقدمة التي حملت عنوان «الإمبراطورية الفارسية الجديدة» وفيها تناقش ما تعانيه من انقسام بين أصلها الفارسي، منتمية إلى تاريخ من الأساطير والحكايات الخرافية، وهويتها كمواطنة أمريكية منتمية إلى حضارة جديدة ومتقدمة.

وبسبب ما تورده بورشيستا من مذكرات يغدو هذا الكتاب مصدراً مهماً من مصادر التوثيق والأرشفة، لواحد من أنواع التواريخ وهو، تاريخ المرض وفيه تسجل وقائع وممارسات تشيع وقت الأمراض والأوبئة.

ومما تذكره بورشيستا حول مرضها ظهور أعراض غامضة تجعل المرء يبحث عن علاجات روحية عند بعض الدجالين، وهو ما وجدت فيه بورشيستا أفقاً جديداً في الكتابة السردية خارجة بهذا اللون من الكتابة عن المعتاد. الأمر الذي جعل الآخرين من الأصول الأمريكية الأخرى يتصورونها كاتبة بدوية (تركب الجمل في لوس أنجلس) والسبب أصولها الشرق أوسطية.

وهو ما زاد قلقها وجعلها أكثر تشظياً، وأشعرها بالمهانة كشخص يطاله التمييز وتمارس ضده العنصرية. ويبدو أن الصدمة التي تعرضت لها بورشيستا وحملتها على التأليف كانت في الحقيقة صدمتين: صدمة الحيرة التي سببت لها عصبيةً وتعباً وألماً إزاء هذا المرض، الذي لا علاج شافٍ منه مع أنه مشخص وأعراضه معروفة، وصدمة الإحساس بالحيف والتشظي في بلاد يفترض فيها أنها تحترم حقوق الإنسان وتراعي مختلف القوميات والأعراق من دون تمييز أو اضطهاد.

وتتساءل الكاتبة بحرقة كيف يكون هذا المرض إلى جانب أمراض الأيدز والسرطان غامضا، ولا علاج له في وقت بلغت فيه الولايات المتحدة الأمريكية قمة التفوق العلمي بمخابرها المتقدمة، ومصانعها الدوائية عالية الجودة ومنتقدة في إثناء ذلك النظام الصحي الأمريكي، الذي فيه تتحدد درجة الاهتمام بالمرضى وكيفيات رعايتهم على أساس عنصري، يميز بين الألوان والأعراق والأجناس واللغات.

وقد عايشت بورشيستا خاكبور هذا الواقع، فهي إلى جانب كونها مصابة بمرض مزمن، هي أيضا امرأة مهاجرة، تعاني التمييز العنصري كغيرها من الأفراد الذين يبقى الوطن بالنسبة إليهم منفى دائما، والمكان في نظرهم غير دائم ولا مستقر.

وقد اتخذت بورشيستا من المشفى رمزا للوطن/ المنفى راسمة صورته (كمكان عليك أن تتعرف عليه، وفي الوقت نفسه أن تكون حذرا في هذا التعرف).

ومن مشاهداتها ما تذكره عن الرعاية الصحية، التي أصبحت في عهد ترامب محدودة، وفيها يظل المرضى الأمريكيون من أصول شرقية يطاردون الأطباء والأدوية، ونظرات التعصب والرهاب، تلاحقهم بوصفهم أجانب.

وقد أدركت بورشيستا التي ولدت في طهران وعاشت في لوس أنجلس وتعيش اليوم في نيويورك، أن المرض والعنصرية سيان، وبسببهما يصبح (الجسد هشا، والعافية غير متيسر الحصول عليها على الإطلاق). وقد عبرت بورشيستا في مذكراتها عن تجربتها الشخصية مع المرض في بلد يقابلها بعنصرية، مظهرة حنقها من هذا الوضع بهذه العبارة الاستهلالية (المعرفة تماما مثل العصور القديمة) التي استلتها من رواية «جين إير» لشارلوت برونتي، والعبارة موفقة في اختزال مقصد الكتاب والتدليل على فحواه.

ويتضح تبرم بورشيستا من التشظي والنفي في المقدمة التي حملت عنوان «الإمبراطورية الفارسية الجديدة» وفيها تناقش ما تعانيه من انقسام بين أصلها الفارسي، منتمية إلى تاريخ من الأساطير والحكايات الخرافية، وهويتها كمواطنة أمريكية منتمية إلى حضارة جديدة ومتقدمة. ومن ذكرياتها أنها كانت في طفولتها تتساءل: من أكون؟ وسؤال الكينونة هذا متأت من أنها لا تستطيع من الناحية النفسية تناسي جذورها الشرقية، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع أن تتحمل تســــميتها فارسية بمعنى إيرانية، وكل أمريكي إيراني لا يرى نفسه فارسيا لكن الآخرين يرونه واحداً من سكان بلاد فارس القديمة.

وتعود بذاكرتها إلى مرحلة الطفولة التي فيها كانت تختبئ حين يتحدث معها أحد بالفارسية، حتى أنها ما كانت تتكلم بها إلا حين تجد نفسها مضطرة لذلك. ومما تذكره أيضا الحادثة التي فيها سألتها إحدى زميلات صفها ما الفارسية؟ أليست من إيران؟

واحتارت ولم تعرف كيف تجيب فكانت كمن تدور في رأسه عجلة، وبدت الأشياء ليست كالأشياء وصارت شرقيتها تضغط عليها بشكل بشع. وتؤدي هذه الإشكالية في التضاد بين الماضي والحاضر إلى مأزق هوياتي فهي أمريكية وإيرانية، حيث البلد الثاني الذي تنتمي إليه عرقيا، يشكل خطرا على البلد الأول الذي تنتمي إليه وطنيا، بدءا من احتجاز الرهائن إلى سقوط برجي التجارة في أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 التي معها تصاعد التخوف من المسلمين في الغرب وغدا الوضع سيئا عليهم جميعا.

وعلى الرغم من أنها تمرنت على قواعد الحياة الأمريكية فإنها ظلت تشعر بأنها المراة ذات العيون البنية بين الشقراوات، وهو ما أشعرها باستمرار أنها مهاجرة أكثر منها مواطنة. هذا واشتمل الكتاب على موضوعات أخرى تتعلق بالهوية والمسلمين ومدينة نيويورك أواخر التسعينيات.

 

  • كاتبة عراقية







كاريكاتير

إستطلاعات الرأي