لعنة الكتابة: شيرلوك هولمز يقتل مُبدعه آرثر دويل

2020-09-24 | منذ 1 شهر

سير آرثر كونان دويل

في 4 روايات و50 قصة قصيرة صاغ المؤف الطبيب آرثر كونان دويل شخصيته الشهيرة، والأشهر غالبًا في العالم البوليسي وعالم الجرائم الأدبية، شارلوك هولمز. شخصية خيالية شديدة النجاح والشهرة لكنّها لم تكن كذلك بالنسبة لصاحبها، لذا قرر قتلها في نهاية المطاف وبشكل مفاجئ، لا لتحتفظ الشخصية ببريقها وزخمها، بل ليحتفظ الكاتب بحياته.

قال دويل بشكل صريح إنّه كره هولمز، وحين سُئل عن السبب أجاب لأنه، يقصد هولمز، أخذ معه أفضل ما في ذهني. لم يكن الأمر مبالغةً من دويل، فحتى بعد وفاته سُئلت ابنته هل حقًا كره أبوها شخصية هولمز، فأجابت مؤكدةً ذلك، وأضافت أن أباها كره هولمز وكره النجاح الذي حققه هولمز، حتى فاق نجاح الشخصية الخيالية نجاح المؤلف الأصلي، وارتبط الناس بهولمز ونسيوا مؤلفه الأصلي.

لم يكن دويل ولا ابنته يبالغان فيما يقولان، ففي اللحظة التي فاض بها كيل دويل من حب الناس لهولمز قرر قتله بعد سبع سنواتٍ من ولادته في قصة المشكلة الأخيرة، القصة صدرت في ديسمبر/ كانون الأول عام 1893 وفيها سقط هولمز ميتًا من فوق شلّالات ريشنباخ خلال شجار مع شرير القصة البروفسيور موريارتي.

فور صدور تلك القصة ألغى 20 ألف قارئًا اشتراكهم في المجلة، ذا ستراند، التي كانت تنشر السلسلة، كما تظاهر الآلاف من القراء أمام مقر المجلة احتجاجًا على هذا الموت المفاجئ. لكن قد كان الغضب المتزايد والمستمر أكبر من قدرة دويل على التحمل.

من أين أتى هولمز؟

اُضطر دويل لإحياء هولمز مرة أخرى في قصة المنزل الخالي عام 1903، بعد قرابة السنوات العشر من التصميم من جانب دويل أنه لن يكتب هولمز مرة أخرى، والمحاولات الملتفة لجعل المجلات تزهد في قصص هولمز كرفع سعره حتى أصبح أغلى الكتاب سعرًا آنذاك، لكن كانت إرادة الجمهور قوية بما يكفي ليخضع لها دويل، لكنها لم تكن قوية بما يكفي لتجعل الكاتب يقع في غرام شخصيته.

بعد إعادة كتابته لهولمز ظل دويل 27 عامًا يكتب شخصيةً لا يحبها، حتى استراح منها دويل بالموت عام 1930، ولم ينس دويل ثأره مع هولمز فقال قبل وفاته إن هولمز قد استنزف كل طاقاته الأدبية والإبداعية.

لكن ما يخفى على قراء هولمز أن للشخصية الخيالية امتداد في الواقع، ربما كان هو الأصل الذي اسُتلهمت منه الشخصية، الأستاذ جوزيف بيل، أستاذ جامعي درّس لدويل في الجامعة، فدويّل طبيب اسكتلندي مرموق. لا يُنكر دويل ذلك حيث يقول في رسالة لأستاذه بأنه مدين له بشخصية شيرلوك هولمز، فقد صاغها من خلال المعلومات التي سمعها من أستاذه عن الاستنتاجات ودقة الملاحظات والاستدلالات.

كان الطب هو منطلق دويل نحو عالم الأدب، ففي سنوات الدراسة نشر أول قصصه، مزرعة جورسثوب، لكنها لم تلق نجاحًا إذ نُشرت في جريدة مغمورة. حاول دويل أن يتجاوز فشل عمله الأول وكتب لغز وادي ساسا التي تدور أحداثها في جنوب أفريقيا، لكنها لم تلق نجاحًا مُشجعًا.

طبيب فاشل ومؤمن بالأرواح

تخلى دويل عن الكتابة فترةً من الوقت وعمل كطبيب على مراكب صيد الحيتان عام 1880، ثم حين تخرّج عام 1881 عاد للعمل كطبيب على المراكب أيضًا، وظل يعمل في البحر حتى حصل على شهادة الدكتوراة فقرر العودة للبّر وممارسة الطب مع أصدقائة في بليموث، لكن لم يتوافق دويل جيدًا مع أصدقائه فقرر أن يفتتح عيادته الخاصة.

كانت عيادة دويل تمتاز بقلة مرضاها، كان الأمر ليكون محزنًا لولا أن دويل كان يشغل وقت انتظاره للمرضى بالكتابة، ومن هنا بدأت الشخصيات تتداعى على رأس دويل، وبدأت كتاباته تنضج وتصبح أكثر صبرًا وأشد عمقًا، وفي إحدى جلسات الانتظار تلك وُلد شيرلوك هولمز.

كانت حياة دويل خليطًا من التقلبَات، ففي البداية ظل يقاتل كي يُعترف به ككاتب، وحين بدأت شخصية هولمز في حصد الإعجاب وانتزعت له اعترافًا عالميًا بأنه كاتب مُجيد بدأ دويل في التململ من هولمز ومن أدب الجريمة كلّه، فقد كان دويل يرغب في كتابة الروحانيات أكثر، وأنفق 500 جنيه إسترليني على إنشاء معبد روحاني في كامدن، لندن.

كما نشر كتاب الثورة الجديدة عام 1918، وكتاب الرسالة الحيويّة عام 1919، وكتاب تأملّات روحاني عام 1921، وكتاب تاريخ الروحانيّة عام 1926، كلها كتب تدور حول فكرة الروحانيات والعوالم الخفيّة. كما كتب دويل سبع روايات تاريخية حازت على رضا النقاد وأُعتبرت من أفضل أعماله، لكنها لم تحظَ مثل أعماله الروحية بالشهرة الشعبية، ولا العالمية، الكافية، ما زاد حنق دويل على شخصية هولمز.

الواقع أكثر إثارة من الخيال

هذا الحنق يمكن فهمه من معرفة أن دويل ذاته كان روايةً تمشي على الأرض، حياته مليئة بالمغامرات المتنوعة، فقد كان الرجل ذاته مدافعًا شرسًا عن العدالة، وحقق شخصيًا في قضيتيّن وانتزع البراءة للمتهمين في كلتيّهما. القضية الأولى كانت لمحامٍ خجول ادعى عليه أنه شوّه حيوانات وعلّقها في أحد الشوارع وكتب رسائل تهديد للجيران والسكان، سُجن المحامي رغم أن أعمال التشوية والرسائل استمرتا بعد سجنه، لكن دويل ظل يبحث حتى قدّم الجاني للعدالة.

ولم يكتف بذلك بل ساعد في إنشاء هيئة كاملة لتصحيح الأحكام التي صدرت أو تصدر في حق متهمين دون ثبوت أدلة كافية، فأُنشئت فكرة محكمة الاستئناف الجنائية عام 1907 كناتج مباشر لمطالبات دويل وأفكاره.

أما القضيّة الثانية فعن مدير لحانة قمار أُتهم بضرب امرأة، لم يقتنع دويل بالقصة وشعر بالتناقضات تملأها، لكن لم يكن لديه الوقت للتحقيق شخصيًا، فتكفل ماليًا بتقديم الدعم لمدير الحانة وتواصل دويل مع محاميه وفتح أمامه أبوابًا كثيرة للتحقيق، وانتهى الأمر بخروج مدير الحانة وثبوت كذب المرأة.

بعيدًا عن الجرائم والأدب والطب فقد كان دويل مهندسًا معماريًا ممتازًا، صحيح أنه لم يحصل على شهادة رسمية بذلك، لكنّه صمم فندقًا ومطعمًا عام 1924 وظل صامدًا حتى عام 2004، إذ طالته يد التطوير.

هولمز يلعب الكريكيت مع بيتر بان

أما فندق ليندهرست الذي حلّ فيه دويل كمجرد نزيل فقد أرسل لمالك الفندق تصميمًا كاملًا لإضافة طابق ثالث للفندق، وتصميم كامل لواجهة جديدة للفندق، وبالفعل أُجريت التعديلات التي اقترحها دويل، وبات الفندق معروفًا بأنه من تصميم دويل لشدّة ما غيرته أفكار دويل.

وفي إحدى رحلاته العائلية في منتزه جاسبر الوطني في كندا، صممّ ملعبًا للجولف وعدة مبان أُلحق بالمنتزة، وبالفعل نُفذت التصميمات. وبجانب الهندسة المعمارية فقد لعب دويل كرة القدم كحارس مرمى في نادي بوتسموث لكرة القدم لمدة 8 سنوات، ولعب 10 مباريات في رياضة الكريكيت لصالح نادي ماريلبون، في ذلك النادي كان يلعب مع جيه إم باري مبتكر شخصية بيتر بان الشهيرة، وعام 1910 بات رئيسًا لنادي كراوبوروف للجولف.

بالطبع لا يُتوقع أن يكون دويل قد ترك مجال السياسة دون أن يدخله، لكنه دخله من باب أقل شرفًا، الدفاع عن جرائم بريطانيا في مستعمراتها. ففي حرب البوير في جنوب أفريقيا كان العالم قد وجه انتقادات واسعة لبريطانيا وإدانات متتابعة بسبب سلوك بريطانيا غير الإنساني في تلك الحرب، هنالك تطوّع دويل بكتابة الحرب في جنوب أفريقيا: أسبابها ومسارها، يشرح فيه ويبرر أفعال المملكة المتحدة بالكامل.

الجمهور يفرض رأيه للمرة الثانية

عملت المملكة المتحدة على ترجمة الكتاب للغات عدة وتوزيعه في أرجاء العالم، وبسببه حصل دويل على لقب فارس من الملك إدوارد السابع عام 1902.

 لم يكتف دويل بكتابه هذا فكتب عملًا آخر عن حرب البوير بعنوان حرب البوير الكبرى. وترشح مرتين للبرلمان ممثلًا عن الحزب الاتحادي، لكن الجمهور كان واعيًا بما يكفي ليعرف أن دخوله المجال السياسي سوف يحرمهم من محبوبهم هولمز، فلم يصوتوا له في المرتين، رغم شعبيته الجارفة.

لكن على النقيض كان مؤيدًا لحملة تحرر الكونغو، وكتب عام 1909 كتيبًا مطولًا بعنوان جريمة الكونغو، وأصبح صديقًا شخصيًا للرواد الثلاثة المطالبين بدولة الكونغو المستقلة، ويُقال إنه استلهم منهم عددًا من الشخصيات في روايته العالم الأخير الصادرة عام 1912.

رغم أن الجرائم المرتكبة في الكونغو تتشابه مع مثيلاتها المرتكبة في جنوب أفريقيا، إلا أن الفارق قد يكون في أن المُجرم في جنون أفريقيا كانت المملكة المتحدة، أما الكونغو فالمجرم فيها هو فرنسا.

يبدو الأمر متناقضًا، لكن كل شيء في حياة دويل كان متناقضًا، على سبيل المثال في حين أن شيرلوك هولمز متشكك في الجنيّات والعوالم الخفية إلا أن دويل يؤمن تمامًا بالجنيّات، بل ألف كتابًا عام 1921 بعنوان ظهور الجنيّات، وأنفق من ماله الخاص قرابة المليون دولار أمريكي للترويج للكتاب ولفكرة الجنيّات عامةً، وسلّط الضوء على كل من قال إنها حقيقية، وكل من يُقدّم أدلة، أي أدلة، يزعم بها أن الجنيّات حقيقية.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي