بيتر هاندكه يكاد ينتصب تمثالاً ﻟ "الكراهية"

2020-09-05 | منذ 9 شهر

بيتر هاندكه

سعيد خطيبي*

أعلن صرب البوسنة عن نيتهم في نصب تمثال لبيتر هاندكه، وعادت أشباح التسعينيات إلى البوسنة والهرسك. منذ تسلمه جائزة نوبل للأدب العام الماضي، قاطع هاندكه الصحافة، بدا مضطرباً في الندوة الصحافية التي سبقت حفل الجائزة، وعنيفاً كلما طرأ سؤال عن مواقفه السياسية مما وقع بين 1992 و1995، امتنع بعدها عن الرد على الحوارات، أو الإدلاء بأي تصريح، لكنه عاد إلى الإعلام، في الأيام الماضية، قصد الترويج لكتابين جديدين سيصدرهما هذا الخريف، وعاد معه الجدل عن انحيازه للصرب في حرب البلقان الأخيرة، ومع اقتراب رفع الستار عن تمثال مخلِّد له، في مدينة (بانيا لوكا) ثاني أكبر مدن البلاد ذات الغالبية الصربية، التي لا تبعد عن سراييفو سوى ثلاث ساعات بالسيارة.

صرب البوسنة يرون في الكاتب رمزاً لهم (على الرغم من جنسيته النمساوية) نصيراً لهم في حربهم، ويستحق الاحتفاء، كونه برّأ الصرب من الكثير مما نُسب إليهم، من مجازر ضد البوسنيين، كما وثّق علاقة ودية مع سلوبودان ميلوشوفيتش، الذي مثل أمام المحكمة الدولية بتهم تتعلق بجرائم ضد الإنسانية، قبل أن يلفظ أنفاسه في سجن في لاهاي، بينما البوسنيون المسلمون ومعهم الكاثوليك يرون فيه رمزاً ﻟ«الكراهية» أنه استغل شعبيته في تقسيم أبناء البلد الواحد إلى قسمين متخاصمين، وأحيا تراجيديا ظنوا أنهم قد طمروها.

لم يكن اسم بيتر هاندكه (1942) مؤثراً طوال سنوات الحرب، لم يرد ولا مرة واحدة حينذاك، لكنه سطع بعدها، حين أصدر واحداً من أكثر كتبه إثارة للجدل: «رحلة شتوية، إلى الدانوب، سافا، مورافا ودرينا» (1996) هو أقرب ما يكون إلى استطلاع صحافي، يظهر من صفحاته الأولى كما لو أنه كتاب رحلة، أراد منه المؤلف العودة إلى مناطق البلقان، التي شهدت حرباً، بتتبع قصص الأمكنة والأنهار، لكن شيئاً فشيئاً، يهمل الشق الأدبي من عمله، وينشغل بطرح وجهات نظر سياسية، يتحول من كاتب إلى مُنظر، ومن بين المواضيع التي أصر عليها في كتابه أن (جرائم الصرب) في البوسنة والهرسك ليست سوى صنيع وسائل الإعلام، إن الجهة الوحيدة التي وجهت لهم التهم ليست سوى التلفزيونات، هي التي ضغطت على الرأي العام الدولي قصد شيطنة الصرب.

 

 

أفصح بيتر هاندكه في «رحلة شتوية» عن موقفه من حرب البلقان، انحاز إلى الصرب ودافع عنهم، لكن حين دعاه سلوبودان ميلوشوفتيش كي يقف شاهداً في المحكمة الدولية رفض التلبية.

في الكتاب ذاته يشكك في ما يُطلق عليه «حرب عشرة أيام» وهي حرب انفصال سلوفينيا عن يوغسلافيا (1991) التي مهدت للتفكك الأعظم، حيث يتساءل هاندكه: «هل يعقل أن تدوم حرب عشرة أيام فقط؟». في نظره أن تلك الحرب، مفتعلة إعلامياً، وهي إهانة لدولة يوغسلافيا، لا تساوي شيئاً إزاء الحروب الأخرى التي سوف تندلع ـ لاحقاً ـ في كرواتيا ثم البوسنة والهرسك. ويواصل تشكيكه في سيناريو سقوط يوغسلافيا، متسائلاً: «هل نصدق أن حرباً لم تدم أكثر من عشرة أيام، خلفت ما يقرب من سبعين ضحية، كلهم لم يكونوا سوى من الجيش الشعبي اليوغسلافي؟».

بيتر هاندكه الذي وُلد على الحدود بين سلوفينيا والنمسا، من أم سلوفينية ارتبط بذكراها طويلاً، كتب عنها في «حزن غير محتمل» مستشعراً انتماء إلى بلدها، يسخر من فكرة استقلال بلد أمه، وظنه أنها لم تكن سوى قصة محبوكة قصد الإساءة إلى يوغسلافيا، ثم التمهيد لتقسيمها. لا يشعر الكاتب بالحرج قائلاً ما معناه لو كان شاباً تلك الأيام لدافع عن صربيا في حربها، ويدين الأوروبيين الذين باتوا ينظرون إلى الصرب كما لو أنهم (قابيل) في حروب الأخوة التي اندلعت في البلقان نهاية القرن الماضي.

يواصل هاندكه في الكتاب ذاته تبرئته للصرب، مما أدانتهم به محكمة العدل الدولية ـ لاحقاً ـ ويضيف: «لقد تم من البداية تحديد من هو المعتدي ومن هو الضحية» في تلميح واضح إلى أن البوسنيين تقمصوا دوراً، ولم يكونوا فعلاً ضحايا، ونقرأ أيضاً: «جزء مني لا يصدق هذه الحرب أو بالأحرى كل الاستطلاعات الصحافية التي تعرض عن تلك الحرب». كما لا يمنع نفسه من إثارة شك حول تفجيرات ومجازر وقعت، ويردد كل مرة متلازمة: «هل فعلاً تورط فيها صرب؟».

أفصح بيتر هاندكه في «رحلة شتوية» عن موقفه من حرب البلقان، انحاز إلى الصرب ودافع عنهم، لكن حين دعاه سلوبودان ميلوشوفتيش كي يقف شاهداً في المحكمة الدولية رفض التلبية، أدانت المحكمة متسببين في تلك الحرب من جانبين، بما في ذلك من بين البوسنيين، لكن يبدو أن الكاتب غير متقبل لقراراتها، حيث لا يزال ثابتاً على مواقفه السابقة، فمن بين أسباب امتناعه عن الظهور في الصحافة في الأشهر الماضية هو انزعاجه من تردد سؤال: «هل تعتذر عن مواقفك في التسعينيات؟» لا يود أن يعتذر لأحد، وكانت له الشجاعة أن اتخذ رأياً مخالفاً لما ذهبت إليه الغالبية، وكان بإمكان صرب البوسنة، أن يحتفوا به كاتباً ومُسانداً لهم في وقت سابق، لكنهم آثروا نصب تمثال له الآن، في هذا الجو المضطرب، الذي تفوح منه رائحة «كراهية» من طرفين، حيث لا يمكن أن نغفل أن مشروع نصب تمثال له، ليس يعني اعترافاً به، بقدر ما يعني كسب معركة معنوية لطالما سعى إليها صرب البوسنة، ويعلمون في الوقت ذاته أن هذا التمثال سوف يثير حساسيات بين مسلمي البلد وكاثوليكيه، لكنهم مصرون على خطوتــــهم، فقد اكتمل التمثال، الذي يعلو بمترين وزيادة عن الأرض، يجري الإعداد لتدشينه هذا الشهر، ما يوحي بأن الأمر يتعلق بتصفية حسابات قديمة، فقد اعتزمت مدينة (بانيا لوكا) على تمثال آخر لكاتب آخر حائز جائزة نوبل للأدب هو إيفو أندريتش، وللغرابة فقد عاد الضجيج والخلاف بشأنه، رغم أنه توفي قبل أكثر من أربعة عقود، فقد شاعت نظرية في السنوات الأخيرة، تفيد بأن أندريتش كان معادياً للإسلام، ما حرك تعاطف بعض المتعصبين، الذين يودون تخليده أيضاً نكاية في إخوتهم في سراييفو.

 

  • كاتب جزائري

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي