"مذكرات فتوة" .. حكايات ونوادر يوسف أبو الحجاج فتوة الحِسَنيّة

2020-06-25 | منذ 2 شهر

محمد عبد الرحيم

«حضرة جناب مدير اللسان.. هل تسمح للعبد الفقير أن يكتب عندك في الجرنان مذكراته بصفته فتوة القرن العشرين، بيتهيأ لي إنك تقول: بكل ممنونية، لأن لابسي اللاسات أصبح لهم حيثية في البلد، ولو أنهم مش تلامذة زي حضراتكم، وحضروا الدراسة في المدارس، اللهم إلا إذا كانت صدفة في أيام صغرهم، واضطرت أهاليهم أن يحدفوهم في كُتّاب ولّا مدرسة بلا قافية، لأجل أن يريحوا أنفسهم من مجايب الشكل في الحارة… والآن وقد أردت أن أكتب تاريخ حياتي المملوءة بالجدعنة، ولكن للأسف يا خسارة مش بخط إيدي، لأني نسيت الكتابة والقراية، لذلك كلفت أحد معارفي إن أنا أمَلّي وهو يكتب، يعني أخوك كاتب باللسان فقط «. (من رسالة المعلم يوسف أبو الحجاج إلى مدير جريدة «لسان الشعب»).

يأتي كتاب «مذكرات فتوة» آخر ما حققه الكاتب الراحل صلاح عيسى، وصدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب العام الفائت، كاشفاً عن خبايا المجتمع المصري في عشرينيات القرن الماضي، خاصة أنه يعد من قبيل التاريخ الموازي، وقد سرد حكايته أحد فتوات مصر ــ فتوة حي الحِسَنيّة ــ بعيداً عن التاريخ الرسمي، الذي يكتبه الساسة والمؤرخون. من ناحية أخرى تتجلى أهمية الكتاب في كونه يمثل ما يشبه الراوية المكتوبة بالعامية المصرية، بعيداً عن الفصحى وتقعراتها في ذلك الوقت، اللهم إلا إفلات تجارب قليلة في الكتابات النثرية.

الصحافة الشعبية

تنتمي جريدة «لسان الشعب» إلى الصحافة الشعبية، المنتشرة تلك الأيام، والتي كانت تهتم بالترفيه أساساً، من خلال القصص والحكايات الفكاهية، التي تحمل العبرة والعظة، فلا يُفوّت الناشر الفرصة، فيخصص الصفحات الثلاث الأخيرة من الطبعة الأولى لكتاب مذكرات فتوة للدعاية عن كتاب سيهديه للقراء بعنوان (مذكرات نشال خطير يدعى «النُص») وهي المذكرات التى تتضمن جميع الأساليب التى كان يتبعها النشالون في وسائل المواصلات آنذاك وفي الشوارع لسرقة المواطنين الغافلين، وبقدر ما تزخر هذه القصص بالمواقف والمشاهد والمصطلحات الغريبة، تقدم توعية للقراء بكيفية الحذر من النص النشال وأمثاله، كما يروّج إلى كتاب آخر بعنوان «مذكرات متشرد»، يحكى عن هذه الطائفة وما يواجهونه من مصاعب الحياة.

أهمية الكتاب

جاء مذكرات فتوة في 527 صفحة، تتصدره دراسة لصلاح عيسى بعنوان (صعود وانهيار تشكيلات الفتونة)، إضافة إلى مقدمات الطبعات المختلفة لكل من.. خير الدين الزركلي ــ صاحب المطبعة ــ حسين شفيق المصري وحسني يوسف الناشر وصاحب جريدة «لسان الشعب». أما المتن فيتكون من ثلاثة أجزاء، تُشكل مجموع المذكرات، مع ملاحظة أن الجزء الثاني لم يعثر عليه عيسى، وقدّم ملخصاً لما يحتويه، حسب ما وجده في الدوريات والفهارس التي ذكرت الكتاب. وقد توسّع عيسى في شرح المفردات والأمثلة العامية ودلالاتها في حديث المعلم أبو حجاج، ورغم أن الصحيفة التي نُشر من خلالها الكتاب مُسلسلاً في بادئ الأمر أدبية في الأساس، تخلو من الأخبار السياسية والاجتماعية المباشرة، ويأتي العمل في لغته العامية للتسلية، كما يقول الناشر إنه.. «ألطف قصة مصرية فكاهية أدبية انتقادية ذات مواقف غريبة، وحوادث مدهشة مكتوبة باللغة الدارجة، وتوضح كيف تعيش طبقة العامة في مصر، وكيف تفكر، كل ذلك بأسلوب شيق يلذ للقارئ ويسترعي انتباهه». إلا أن المقدمة التي كتبها كل من الزركلي وشفيق المصري، توحي بمدى أهميته اللغوية والاجتماعية، حيث يكشف حياة العالم السُفلي، إن جاز التعبير لهذه الفئة من المصريين، ومدى إحساسها وارتباطها بما هو سياسي واجتماعي، خاصة ثورة 1919. وقد صدر الكتاب في طبعته الأولى عام 1927.

السجن للجدعان

يتباهى يوسف أبو الحجاج ــ الأغلب أنه اسم مستعار ــ بقوته الجسدية، وقد ورث مهنة الجزارة عن أبيه، إلا أنه هجرها، وتفرّغ للتسكّع وزيارة الخمارات وبيوت الهوى، واختلاق المشاكل، والإيقاع بالنساء، ومغامراته وجرأته مهما كلفه ذلك، وصولاً إلى وقوعه في الحب.. «رِكبنا الترامواي بتاع السكاكيني وفي المحطة اللي قبل آخر الخط نزلِت وأنا في كعبها، والحداقة ماشافتنيش، وتني وراها لحد ما دخلِت البيت. وقفت على بعد واتسلطن الغرام وبقيت يا خِلّي زي ما أنت راسي والحب كان صعب عليّه».

إضافة إلى أهم ملمح من ملامح حياته، وهو خوض المعارك التي تغلب فيها على الكثير من الفتوات، حتى أنه يفاخر بعدم هروبه من أي معركة، ودخوله السجن في قضايا الضرب والإصابات والعاهات المستديمة التي سببها للآخرين، معتبراً أن (الفتوة المَجْدَع) إذا لم ينل الصيت والاسم من دخول السجن، لا يكتمل سجله ولا تاريخه في الفتونة. من ناحية أخرى هناك حالة من اللامبالاة والتهوّر، ففي إحدى قضايا الخناقات وقد تورط فيها أبو الحجاج بالطبع.. يقول القاضي للمتهم: هنا الشهود واحد يهودي وواحد مسيحي واثنان مسلمان واثنان أروام فيرد المتهم «يعني سَكَلانس».

يحيا سعد

في فصل من الكتاب يحمل عنوان «يعيش سعد باشا زغلول العترة»، يذكر أبو الحجاج موقفه من المظاهرات، فيحكي صادقاً.. «التراميات ــ جمع ترام ــ مرشومة تلاموذ ــ تلاميذ ــ وعمالين يزعقوا: يحيا الوطن يعيش سعد باشا زغلول. تعيش مصر حرة، أقول لك الحق: أنا قلت إن القيامة لازم تكون قامت. لا خدت ولا إديت ودخلت الحِسَنيّة، لقيت مشايخ، مجاورين، وتلاموذ وأفندية، سألت واد أفندي: إيه سبب الهيصة دي؟ قال لي: الجماعة الإنكليز حبسوا سعد باشا وشعراوي باشا وعبد العزيز فهمي باشا، لأنهم قاموا كلهم يطالبوا بخروج الإنكليز من مصر، قاموا حبسوهم ونفوهم… ساعتها أنا قلت: هات يا جري، لأن أياميها كانت سلطة إنكليزية لا فيها محامي ولا كفالة ولا ضمانة، وحرام انسجن أوانطة عشان يحيا ويعيش. فالرجل رغم اعتياده الحبس، وكأنه من مُكملات الشخصية التي يرجوها ويعيشها، إلا أنه يهرب من تهمة (التظاهر)!

ربنا راضي عليه

إلا أن هذا الموقف سيتغير في ما بعد، ففي الجزء الأخير من المذكرات، نعرف أن المعلم يوسف أبو الحجاج، سيلتحق بفصول محو الأمية، وسيُطلق على ابنه اسم (سعد زغلول)، ويختتم قائلاً.. «اللي الناس ترضى عنه يرضى عليه ربنا». ويلاحظ صلاح عيسى أن الفتوة وإن كان يُملي ما يقوله على مدير تحرير الجريدة، إلا أن الجزء الأول من المذكرات، جاء عفوياً أكثر من الجزء الأخير، فهناك العديد من الحكايات والمعارك والشتائم والسباب في لغته العامية، إلا أنه بعد ذلك، أصبحت اللغة والحكاية تربوية بشكل ما، بمعنى اختلاق العبرة من الحكاية، وكأننا أمام رواية تبدأ ببطل شرير ــ وإن كان يمتلك حساً فكاهياً ــ وتنتهي برجل يقترب من الصلاح، في صيغة تعليمية، تساير حكايات ذلك العصر، على غرار عبارة (الجريمة لا تفيد) التي تسوّقها مؤسسات العقاب والتأديب. لكن الأهم والأبقى هو صوت الرجل الذي أُتيح له أن يسرد حياته، وفق وجهة نظره، ووفق مفرداته، بدون تنميق أو رقابة، بلا خجل أو خوف، وبدون ادعاء الفضيلة، أو افتعال فلسفة لحياة وأفعال الفئة التي ينتمي إليها. ربما في الكثير من المقاطع نستشعر بالفعل أن ربنا راضي عليه.

 

 

 

 



إقراء أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق






شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي