أورهان باموق: الخوف من كورونا يسعدني والحل في حكومة عالمية قوية

2020-06-02 | منذ 1 سنة

 

أجرى الحوار/ خوان كروز 

 ترجمه/ المحفوظ فضيلي

منذ عدة سنوات بدأ الكاتب التركي أورهان باموق -الحائز على جائزة نوبل عام 2006- في تأليف رواية عن الأوبئة، وفجأة تفشى في العالم -بما فيه إسطنبول- فيروس كورونا الذي يعتبر التهديد الأفظع في القرن الحادي والعشرين.

قبالة مضيق البوسفور الذي يسكن أفضل صفحات الرواية التي ألفها عن مدينته الأثيرة، رأى باموق المرض بينما كانت الرواية تختمر في رأسه، والآن أصبح ذلك أمرا ملموسا. ومن هناك كتب مقالا نشرته "بابليا" سرد فيه جميع الآثار التاريخية والأدبية للأوبئة المتتالية، ولم يتحدث فقط عن الخوف الذي عانى منه هو نفسه، بل أيضا عن الخوف الذي استبد بالجميع بسبب أسوأ تهديد عانى منه الإنسان في هذا القرن.

– هل تشعر حاليا بالخوف على صحتك؟

– لم أعش الكثير من المشاكل الصحية في حياتي، وما عاينته هي المتاعب الصحية لأطفالي، كما رويت ذلك في كتاب "إسطنبول". وفيما يتعلق بكورونا، أشعر بالخوف ولا أخرج من البيت.. نعم أشعر بالخوف.. الخوف شعور جيد.. الخوف يدفعك للالتزام بشروط العزل وغسل اليدين.. أنا سعيد لشعوري بالخوف.. المشكل أنك أحيانا لا يمكنك التحكم فيه، وفي بعض الأحيان يتفاقم ذلك.

هناك أوقات سيئة عندما تعتقد أن هذا لن يزول، على عكس (الرئيس الأميركي دونالد) ترامب الذي يعتقد أنه سيختفي.. وهذا يخيفني.. خوف غير منطقي. بشكل عام أنا لا أخاف، لكنني أخشى الموت والوحدة والحياة التي لا معنى لها.. كل هذا مرتبط بالخوف من الموت.. أشعر بذلك، لكنه ليس شعورًا قويًّا جدًّا.. الحمد لله.

لا أشعر بالذعر.. عقلي تحت السيطرة.. أعتقد اعتقادا راسخا أنه يجب أن نخاف، ولكن هذا يجب ألا يجعلنا غير عقلانيين.. يجب ألا ندع الخوف يسيطر علينا، لكننا نحتاج الخوف. هناك أناس لا يهتمون.. أعتقد أن جميع وحدات الحجر الصحي ستعمل إذا كان الناس خائفين.. تعاون الناس ضروري للتعايش مع معايير الحجر الصحي، مهما كانت. والحجر الصحي يعطي مفعوله إذا كان الناس خائفين، إذا كانوا يعتقدون أن قواعد الحجر الصحي وضعها أشخاص عادلون وعقلانيون.

– في كتابك عن إسطنبول تلتقط من منزلك بطلين حقيقيين هما أصوات المدينة وروائحها.. كيف هما؟

– أعتقد أن جميع المدن لها أصواتها وروائحها.. كل صوت يترسخ في الذاكرة، لكننا لا نتحدث أبدًا عن هذه الأشياء.. أعتقد أن مهمة الكاتب هي اكتشاف هذه الأصوات بالتحديد.

في الكتاب الذي ذكرته هناك أمثلة.. هناك سفن البوسفور وهياكلها الخشبية وعجلاتها.. لديها أصوات معينة، فكل عجلة لها صوتها الخاص.. أو أصوات المترو.. المترو في لندن له صوت مختلف.. أو الحافلات والشاحنات والشوارع.. كل الأصوات مختلفة.

أصوات الإعلانات.. في مدن الموانئ هناك صفارات الإنذار للسفن، وهي تختلف من مدينة إلى أخرى.. هناك أصوات السفن المحلية.

والشيء نفسه مع الرائحة.. أستطيع أن أتحدث عن رائحة البوسفور عندما تهب رياح جنوبية.. تشعر بالرطوبة، وتشعر برائحة البحر.

– وإسطنبول في حالة صمت، ما هو صوتها؟ وما هي رائحتها؟

– ليسا مختلفين في الواقع.. أشياء كثيرة لا تتغير.. ما يثير الدهشة هنا أن كل شيء هو نفسه بطريقة ما، باستثناء أننا نعيش في الداخل.. لم يتغير شيء.. لا توجد زلازل ولا حرائق، ولكن بالطبع هناك أناس يموتون في المستشفيات.

نسمع أصوات سيارات الإسعاف وغيرها كما هو الحال في نيويورك أو مدريد أو إيطاليا.. كل صوت سيارة إسعاف مختلف.. في مدينتي كان الأمر كما لو أن هناك حظر تجول، وهنا أحيانًا هناك حظر تجول حقيقي.

هنا، الآن، أثناء الحجر الصحي، كل المساحة التي أسكنها هي فضائي الخاص، فهي تحدّني وأنا أحدّها.. إنه أمر مدهش، إنها حياة جديدة.. إذا سألتني إذا كانت تشبه السجن، فسأقول: لا.. إنه قفص جميل.. أنا في منزل به 20 ألف كتاب، يمكنني مشاهدة الأفلام وقراءتها طوال الوقت.

بهذا المعنى، أنا محظوظ.. ولكن هناك مواطنون يُطلب منهم العمل من أجل الحفاظ على الاقتصاد.. مقارنة معهم فإن مشاكلي محدودة، لكن هذا الوضع سبّب الكثير من المشاكل.

– في كتاب "المرأة ذات الشعر الأحمر"، تقول إن القصص القديمة التي يقرؤها المرء تتحقق في الواقع.. كنت تكتب رواية عن الآفات وتفشى كورونا.. كيف كان شعورك عندما تحققت استعارتك الخاصة؟

– كان عميقا جدا.. أول شيء شعرت به هو "يا إلهي، لقد كتبت كتابًا عن الآفات خلال هذه السنوات الأربع ونرى ما سيحدث"، ولكن يصعبُ قول هذا عندما يعاني الناس.. بالنسبة لكتبي، أبحث كثيرًا، وبالتالي سيجد القارئ معلومات قيمة للغاية.. أجد كل هذه المعلومات القيمة الآن في الصحف.. كل الأشياء التي تخيلتها موجودة الآن في الصحف أيضًا! إنه أمر صادم ومفاجئ.

يسألني الكثيرون عن هذا.. شعرت بالذنب لفترة من الوقت، لأنني كنت أعرف ذلك من قبل.. عرفت عن مقالات بيل غيتس التي توقّعت أن هناك وباء وشيكا.. كنت على استعداد لذلك. وعلى الرغم من أنني كنت جاهزًا، فقد تفاجأت أيضا.. شعرت أن ما كنت أتخيله حصل في الواقع، وفهمت خطورة حقيقة ما كنت أفعله مع ظهور الوباء.

وأمام قساوة الموقف، لم أكن أستطيع التجول دون أن ينتابني شعور بالخجل وأنا أردد في نفسي "كنت أكتب ذلك، كنت أكتب ذلك".. أشعر بالحرج لقول ذلك.. يمكنني فقط أن أخبر شخصًا واحدًا من خلال لغة الأدب، ولكن لا يمكنني إخبار الأشخاص العاديين الذين يموتون، أو الذين يخافون من الموت، بأني توقعت ما جرى.

– ماذا تعلمت من الواقع في هذا الشأن؟

– أتعلّم المزيد عن هذا الوضع، أتعلّم المزيد عن الخوف، عن خوفي الخاص.. أتعلم المزيد عن الناس، سواء كانوا مصابين بالفيروس أم لا.. عندما حدث كل هذا كنت في نيويورك ألقي درسا في جامعة كولومبيا، كان كل شيء على ما يرام، وتبع ذلك حالة من الذعر المفاجئ، وعدت إلى تركيا.

في الأسبوعين الأولين شعرت أن جميع الأعراض تظهر علي.. هل أصابني الفيروس؟ لقد عانيت في بعض الأيام من هذه المخاوف، لدرجة أنني اعتقدت في بعض الأحيان أن هذا سيصيبنا. والذعر جعلني أشعر بالخوف من حقيقة أنني سأغض الطرف عن الكثير من الأمور.

– في مكان ما، استشهدت بالشاعر الفرنسي ستيفان مالارميه قائلا إن "كل شيء موجود في العالم لتأليف كتاب"، وقد حدث لك شيء من هذا القبيل.

– في البداية، كان كل شيء في كتابي، وسينتقل ذلك لاحقًا إلى الواقع، إلى القراء.. لقد تغير التسلسل: لقد كتبت الكتاب لمدة أربع سنوات، وفجأة بدأ الكتاب يتحقق في الواقع.

 – لأن هناك شيئا تنبُّئيا في الأدب، عن استشراف المستقبل حتى عندما يكون الماضي مهمًّا..

– يقول أصدقائي الآن إن كتابة كتاب عن الأوبئة لمدة أربع سنوات هو نبوءة.. لا.. هذا يحدث في كثير من الأحيان، وبالتالي فإن ما يثير الدهشة هو وجود عدد قليل جدًّا من الكتب التي توقعت تفشي الأوبئة.

الأهم في هذا المعنى هو "يوميات عام الطاعون" لدانيال ديفو، ورواية "المخطوبون" للإيطالي أليساندرو مانزونيي، لكنها روايات تاريخية أو خيالية لم يكتبها أشخاص عاشوا أيام الطاعون.

– تستشهد بجان جاك روسو كمبدع للحداثة.. لنفترض أن هذه الحقبة طالت، فهل نكون في نهاية الحداثة؟ أين نحن الآن في هذا العالم الكوني؟

– بالنسبة لي روسو مفكر عظيم تأثرتُ به، ليس لنظرياته السياسية، ولكن بشكل أكثر من خلال اعترافاته وسيرته الذاتية.. إنه أمر رائع.. أنا مندهش وأتعجب كيف كان شخص مثله ممكنا، وكيف انقلبت شخصيته في العالم الحديث.

أعتقد أن روسو هو الوحيد في العالم الحديث الذي يقرأ الكتب بنفسه ويفكر بنفسه.. لكنني لست عالم اجتماع. بالنسبة لي، الحداثة حالة ذهنية أو حرية الحكم على العالم بوسائلك المحدودة. يوجد الآن أناس من الطبقة المتوسطة يقرؤون الكتب واكتسبوا القدرة على رؤية العالم والحكم عليه.. أعتقد أن هذه هي الحداثة.

 – عدت من الولايات المتحدة، وتعيش حاليا في إسطنبول، من هنا تنظر إلى العالم الحديث.. كيف ترى هذه الأزمة العالمية؟

– بودي أن أقترح حلا سياسيا، وهو بلا شك مدينة فاضلة: حكومة عالمية ضرورية وقادرة على القول: أغلقوا العالم لمدة أسبوعين.. وهكذا تنتهي كل العدوى.. نحن نضيع الوقت، لأن كل دولة أغلقت عندما رأت ذلك مناسبًا، بينما كان الفيروس موجودًا بالفعل على أراضيها، أو في الهواء.

ستظهر فيروسات جديدة، ستكون هناك طفرات، وهذا لا يمكن السيطرة عليه إذا لم تكن هناك حكومة قوية تهتم بها.. في النهاية، الفيروس انتشر نتيجة الرحلات الجوية، ويجب التحكم في ذلك.. لا توجد طريقة أخرى.

وسيحدث ذلك مرة أخرى، لذلك يجب علينا تنظيم أنفسنا.. أحيانًا أشعر بالتفاؤل، وأعتقد أن لدى الإنسانية ذكاء لحل هذه المشاكل.. وبشكل ما فإن الناس تموت لأنه لا توجد حكومة عالمية يمكنها التعامل مع هذا الوضع.

– هل انفتحت الرواية الآن على الواقع؟

– أطرح على نفسي طوال الوقت السؤال الأبدي حول العلاقة بين الواقعية والرموز، بعد كل هذه الأحداث.. والسؤال الآخر: هل مهمة الكاتب حقًًّ أن يكون واقعيًّا ومرآة، أم أن وظيفته هي إظهار الشياطين بداخله، وليس أن يكون نسخة لما تنشره الصحف؟ الجواب سيظهر في الرواية.

 – تقول عن مدينتك في مرحلة ما: "التعب والضعف والوجه الإنساني للفقر".. ما شعورك إزاء إسطنبول اليوم؟

– الآن لا أرى أي شخص في الشارع.. لقد غابت عني الوجوه، ولكن، انظر.. ها أنا ذا.. هذه طاولتي.. كانت هناك عملية بناء، توقفت.. أرى أشياء كثيرة من نافذتي.. هناك مسجد كان مزدحما يوم الجمعة.. أرى الباب من هنا.. هناك لافتة تقول "ممنوع".. أرى إسطنبول بدون سفن، بدون طائرات، وبدون مروحيات تحلق.. هذا نادر.

– قلت في البداية إنك تشعر بالخوف..

– حاليا أتعلم احترام خوفي.. لقد علمني خوفي أن أكون متواضعًا، وقادني إلى التفكير في الآخرين، والشعور بالتضامن وبأنني جزء من محيطي.

وباء مثل هذا يثير حفيظة الناس الذين يعبّرون عن غضبهم القومي.. أنا لست مثلهم.. روح التضامن ضرورية.. أحيانًا أعتقد أنني آخذ هذه الأشياء على محمل الجد لدرجة أنني ربما أفقد حس الفكاهة وينتابني القلق.. من الصعب جدًا الحفاظ على روح الفكاهة والسخرية بينما يواجه الكثير من الناس بعض المشاكل.. هذه أيضا هي التحديات التي تواجه الكاتب.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي