داعش في قلب السويد: مسلسل مبهر عن هجرة خمس فتيات إلى أرض الخلافة الزائفة

2020-03-31 | منذ 4 شهر

مصطفى عبيد*

استقطبت دراما سويدية عن اختراق تنظيم داعش للمهاجرين، المشاهد السويدي كما الجالية المسلمة في شمال أوروبا، مثيرةً المزيد من الجدل بعد أن حُظيت بمشاهدة غير مسبوقة.

وحقق مسلسل “الخلافة” بحلقاته الثماني عند عرضه للمرة الأولى في السويد، نجاحا كبيرا، دفع منتجه توماس ميتشالس إلى الموافقة على عرضه على شبكة نتفليكس.

    العمل الدرامي يسلّط الضوء على تفاصيل الصراع بين الإرهاب "الإسلامي" والمجتمع الأوروبي

ورسم المسلسل الذي كتبه الصحافي السويدي ويلهلم بيهرمان، وشاركه الكتابة نيوكلاس روك ستروم، وأخرجه غوران كابيتانوفيك، من خلال خمس فتيات تفاصيل الصراع بين الإرهاب “الإسلامي” والمجتمع الأوروبي في دراما جذابة ومشوقة، تُقدم حكايات لأناس اختاروا الهجرة من دول عربية وإسلامية إلى السويد، في مقابل آخرين اختاروا الهجرة من السويد إلى مقر الخلافة الزائفة في مدينة الرقة.

 نصف الحقيقة

وتعمل فاطيما، التي تُجسد دورها الممثلة السويدية آلييت أوفهاييم، ضابطا بجهاز الأمن السويدي وتتلقى اتصالا من فتاة سويدية تُدعى برفين، تُجسد شخصيتها الممثلة جيزيم أردوغان، تطلب فيه مساعدتها على العودة إلى السويد.

وتعيش برفين في مدينة الرقة السورية بعد أن هاجرت مع زوجها حسام (حميد بوزان) إلى هناك طلبا لأرض العدل تحت حكم الخلافة التي أعلنها تنظيم داعش، ثُم اكتشفت زيف الواقع وعانت من قسوة رجال التنظيم ودمويتهم واحتقارهم الشديد للمرأة.

تسعى فاطيما إلى الاستفادة من برفين بالتجسس على زوجها المُجبر على المشاركة في عمليات إرهابية، نظير مساعدتها على الخروج هي وابنتها لطيفة من الجحيم.

وتعيش فتاتان من مهاجري العرب في السويد حياة بائسة في ظل الشعور بالاختلاف عن المجتمع المحيط، فالأولى سولي، وتؤدي دورها الممثلة نورا ريوس، فتاة من أسرة عربية حيث يَمْتَهِن الأب عملا بسيطا بأجر زهيد، وتعاني الأسرة من غموض المستقبل والشعور بالاضطهاد، والثانية كريمة، تقوم بدورها الممثلة آماندا سهرابي، وتعيش في كنف أب سكير، لاه، يضربها كثيرا.

وتلتقي الفتاتان في المدرسة بإبراهيم أو آبي كما يناديه الجميع، ويؤدي دوره الممثل ذو الأصول الأفريقية لانسيلوت نوكوبي، ويمد لهما يد المساعدة، ويبث فيهما أفكار التنفير من المجتمع، والتأكيد على هويتهما الأصلية كمسلمتين قبل أن يجذبهما تدريجيا نحو العنف.

وتنتقل المعلومات من الرقة، حيث تعيش برفين، إلى ستوكهولم لتؤكد وجود خلية إرهابية يقودها شخص غير معروف يُدعى “المسافر” لتجنيد مسلمين للقيام بعمليات إرهابية، وبالفعل نكتشف أن آبي هو ذلك “المسافر” الذي نجح في اصطياد شباب سويديين يعانون الملل ويبحثون عن التغيير، مثل جاكوب وشقيقه، مُقنعا إياهم بالنسخة الداعشية من الإسلام، وضرورة المشاركة في العمليات الانتحارية للدخول إلى الجنة.

تبدو الواقعية منهجا أصيلا لدى كاتبي المسلسل ويلهلم بيهرمان، ونيوكلاس روك ستروم عندما تدفع برفين في نهاية المسلسل حياتها ثمنا لإنقاذ عشرات الضحايا من الإرهاب، إذ تتعرض لإطلاق النار عند هروبها من الرقة، كما ينجح آبي “المسافر” في الإفلات من رجال الأمن السويديين بعد توصلهم إلى مكانه، ما يعني أن الإرهاب باق، ومستمر، وهناك كثير من النبلاء على استعداد للتضحية بأنفسهم لمنع العنف.

وظهر حرص الكاتبين واضحا في التفرقة بين الإرهاب والإسلام، من خلال محاورات بين الفتاة سولي وأمها التي تؤكد لها مرارا أن داعش لا يمكن أن يعبّر عن جوهر الإسلام، فضلا عن تقديم نماذج لمسلمين محبين للحياة، مثل رجل الأمن السويدي نادر.

وأكد بيهرمان في حوار مع مجلة “فارايتي”الأميركية أنه وزميله ستروم اطلعا على عشرات الكُتب والدراسات والوثائق، وشاهدا الكثير من الأفلام الوثائقية حول داعش قبل كتابة العمل، وعرضا المعالجة التفصيلية على خبيرين متخصصين في الإرهاب قبل اعتمادها للتأكد من صدقية التعبير عن الواقع.

وقال إن فكرة كتابة المسلسل واتته عندما قرأ في إحدى الصحف الأوروبية سنة 2016 قصة ثلاث فتيات بريطانيات هربن من عائلاتهن إلى داعش بحثا عن الحياة المثالية، وكن في عمر ابنته، ما دفعه إلى التفكير في ما وراء ذلك والبحث عن دراما إنسانية تعكس ما يحدث بصورة فجائية في مجتمعات أوروبا، وهنا عرض الفكرة على الكاتب التلفزيوني ستروم الذي شاركه الحماس وقررا بدء التجربة معا.

ويبدو المخرج غوران كابيتانوفيك موفقا في اختيار أماكن التصوير بين السويد والأردن، حيث حرص على اختيار أحياء أردنية بسيطة تشبه مدينة الرقة المُتخيلة، واستفاد من خبرات سابقة في مشاهد التفجير وإطلاق النار في مسلسلين تولى إخراجهما، هما “خالتي في سراييفو” و”لعبة الحرب”.

ويُمكن القول إنه استطاع الإمساك بتلابيب المشاهد مبكرا منذ المشهد الأول الذي يظهر فيه رجال داعش وهُم ينادون المارة في شوارع الرقة للاحتشاد لمشاهدة تنفيذ حكم بقطع يد أحد اللصوص، ما يدفع الناس ومنهم برفين إلى الاشمئزاز.

ويقترب المشاهد من المجتمع الداعشي بصورة واضحة ليجده يضم من يعتقدون أن الإسلام يحضّ على القتل والجهاد ضد غير المؤمنين به.

وبدا أداء الممثلين معبرا بصدق عن قدرات احترافية مبهرة، خاصة لانسيلوت نوكوبي، الذي أدى دور “المسافر”، وهو شخصية إرهابي حاد الذكاء قادر على التأثير في من حوله، يظهر بوجه شخص معتدل متحضر ومتعايش مع المجتمع الأوروبي، وفي الوقت ذاته يُخفي شخصية رجل دموي يستعذب القتل ولا يكترث لموت الناس.

وبدت نورا ريوس، بملامحها العربية ووجهها الطفولي وعينيها الزائغتين، مقنعة في التعبيرعن فتاة حائرة لا يعجبها المجتمع الغربي الذي تشعر فيه بالاغتراب وتبحث عن قصة حب خيالية تخرجها من روتين الحياة، فلا تجد أمامها سوى آبي ليستغل شرودها ورومانسيتها في غرس أفكاره.

أما جيزيم أردوغان فقد بدا تعبيرها مناسبا لفتاة سويدية باردة دفعتها اختيارات الحب إلى الذهاب مع زوجها حسام إلى الجحيم. ولم يكن صعبا أن تستثمر نجاحها السابق، في مسلسل “أليكس”، في لفت الأنظار بدور برفين، الهادئة الذكية ذات الإرادة والتصميم.

الأمر نفسه تكرر مع آلييت أوفهايم التي قدّمت دور فاطيما، فقد سبق أن حققت أدوارها في مسلسلي “أسمك من الماء” و”باتريوت” نجاحا لفت إليها الأنظار وجعلها جديرة بثقة ومحبة المشاهد، وهي هنا تمثل نموذجا للمرأة الجميلة، الصلبة، قوية الأعصاب، المستغرقة في عملها لإنقاذ حيوات بشر.

وكان حميد بوزان، الذي قدم دور حسام، قادرا على توظيف ملامحه الشرق أوسطية للتعبير عن عربي حائر بين الإسلام الباحث فيه عن العدل والجمال، والإرهاب والعنف المجبر عليهما تحت لافتة داعش.

  • كاتب مصري


إقراء أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق






شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي