فورين أفيرز: إيران نسيت دروس الماضي في السيطرة على الأوبئة وقيادتها غلّبت السياسة والدين على كل شيء

2020-03-03 | منذ 9 شهر

ناقش الباحث في الصحة النفسية والعامة والتاريخ بجامعة جورج واشنطن، أمير أفخمي، الحالة الإيرانية وتعاملها مع انتشار فيروس كورونا المستجد، قائلا إن إيران تعودت على مواجهة كوارث وأوبئة قبل فترة طويلة من الوضع الجديد ولكنها لم تتعلم من دروس الأمس.

وفي مقاله الذي نشره موقع مجلة “فورين أفيرز” كتب: “في الوقت الذي انتشر فيه فيروس كورونا المستجد في أنحاء إيران كان رد الحكومة غامضا وقاصرا بشكل يثير الدهشة وأعطى الأولوية للمصالح الدينية والسياسية على سياسات المنع البراغماتية.

وعندما بدأ الفيروس بالانتشار في مدينة ووهان بالصين، حضرت دول أخرى نفسها ضد المرض أما إيران فلم تكن جاهزة. وبدلا من ذلك واصلت تصدير الأقنعة إلى الصين بشكل تسبب بأزمة وطنية عندما احتاجت إليها المستشفيات في شباط (فبراير). ورفضت إيران فرض قيود على المسافرين إلى الصين، التي تعد أكبر شريك تجاري لها، مما كان سيمنع الآثار المؤذية على اقتصادها المترنح والذي ضربته العقوبات الأمريكية”.

  في الوقت الذي انتشر فيه فيروس كورونا المستجد في أنحاء إيران كان رد الحكومة غامضا وقاصرا بشكل يثير الدهشة وأعطى الأولوية للمصالح الدينية والسياسية

ويضيف أن الجيش الإيراني قبل شهر من تسجيل أول حالات فيروس كورونا، قام وبطريق الخطأ بإسقاط طائرة ركاب أوكرانية. وتحولت الطريقة التي تعاملت فيها الحكومة مع الحادث إلى مشهد مخجل. وعندما واجهت القيادة التي عانت أزمة ثقة مع الجماهير بسبب تلك الكارثة والأوضاع الاقتصادية والسياسية المتردية بسبب العقوبات الأمريكية، قررت بدلا من طلب المساعدة الخارجية لمواجهة انتشار الفيروس، تبني إستراتيجية تعمل على حماية النظام بدلا من حماية الرفاه العام.

ومع أن الظروف مختلفة إلا أن أشكال الرد تشبه إلى حد كبير رد الحكومة الإيرانية على النوبات المتكررة لوباء الكوليرا التي ضربت إيران بداية القرن العشرين. وكان فشل إيران في منع موجات الكوليرا المتكررة سببا في تدمير اقتصادها وتآكل سيادتها واندلاع احتجاجات شعبية أجبرت عائلة القاجار الحاكمة في ذلك الوقت على القيام بتغييرات جذرية. وأدى اندلاع فيروس كورونا إلى سلسلة من الأحداث المتشابهة: توسع مدى منع السفر العالمي على إيران، وتراجع العملة الإيرانية التي تعاني ضعفا في الأصل وزيادة مظاهر عدم الثقة بين الشعب والحكومة. وعلى نفس المنوال فإن الإصلاحات الصحية التي أدت لوقف موجات الكوليرا المتكررة في القرن الماضي تحمل مفتاح مواجهة انتشار فيروس كورونا اليوم.

ويقول الكاتب إن إيران التزمت بالإنكار والرفض في تعاملها مع المرض، فقد بدأت الحالات تظهر في 19 شباط (فبراير) بمدينة قم، وتم الكشف عن إصابة مسافرين إلى كندا ولبنان بالفيروس، مما عنى انتشارا واسعا للفيروس أكثر من ذلك الذي اعترفت به طهران، ومما دفع الدول الجارة، تركيا وأفغانستان وأرمينيا وباكستان، لإغلاق حدودها مع إيران.

وفي الوقت الذي قلل فيه الرئيس حسن روحاني مظاهر القلق المحلية من الوباء -على أنها هستيريا لا أساس لها- إلا أن نائبا في البرلمان عن مدينة قم اتهم الحكومة بالتستر على الأزمة وزعم أن 50 من أبناء منطقته الانتخابية أصيبوا بالفيروس. وتعرضت مصداقية الحكومة لضربة جديدة الأسبوع الماضي عندما أجبر نائب وزير الصحة والمسؤول عن لجنة المهام الخاصة لمكافحة كورونا على الاعتراف أنه مصاب بالفيروس، وذلك بعد ظهوره أمام الصحافيين والمرض باد عليه، يسعل ويتصبب عرقا. وبحلول الخميس كشف عن إصابة نائبين في البرلمان ونائبة للرئيس بالمرض.

وأعلنت الحكومة عن الحصيلة الرسمية لضحايا الوباء وهي 54 شخصا من بين 978 حالة، وهو أكبر عدد إصابات خارج الصين، مما يقترح أن الوضع في إيران قد يكون أوسع مما اعترفت به الحكومة سابقا أو أنه قاتل بدرجة غير عادية. كما أثار رد فعل الحكومة في طهران على الوباء القلق نظرا لغياب الشفافية. فمنذ الإعلان عن حالات في قم، رفضت وزارة الصحة فرض حجر في داخل وحول المدينة واعتبرت إجراء كهذا بأنه لم يعد مهما وعفا عليه الزمن.

  فشلت السلطات في تحديد وعزل ومعالجة الذين أصابهم الفيروس وانتشرت العدوى نتيجة لذلك إلى أجزاء أخرى من البلاد

وفشلت السلطات في تحديد وعزل ومعالجة الذين أصابهم الفيروس. وانتشرت العدوى نتيجة لذلك إلى أجزاء أخرى من البلاد. وطلبت وزارة الصحة إغلاق المعالم الدينية في قم مثل مزار فاطمة معصومة ولكن القيادات الدينية رفضت. وقال أحد المقربين من المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران إن أي قرار بإغلاق المزارات الدينية يعد محاولة خبيثة من الولايات المتحدة لتصوير المدينة المقدسة بغير الآمنة. ويزدحم الزوار يوميا جنبا إلى جنب في المزار مما يسمح بانتشار الفيروس.

ومع أن كورونا المستجد يعد أمرا جديدا على إيران إلا أن رد البلد على الوباء مشابه لردها على حالات سابقة. ففي عام 1904 وصلت موجة كوليرا إلى إيران مع الحجاج الشيعة من العراق. وحاولت طهران احتواء المرض أولا من خلال تقييد الزيارة للمناطق الدينية. إلا أن المرجع الديني في حينه رفض الجهود واتهم المسؤولين بدعم جهود “الكفار” الغربيين الهادفة لمنع الشيعة من القيام بواجباتهم الدينية.

وكما هو حال روحاني وحكومته اليوم، فلم يكن رئيس الوزراء في حينه يملك القوة لمواجهة المؤسسة الدينية. ولهذا سمحوا لقوافل الحجاج بنقل العدوى وتجنب الحجر الصحي الذي فرضته الحكومة. وأخفت الحكومة حالة اندلاع الكوليرا عن السكان في البلاد وعن الشاه حتى لم تعد قادرة على التستر بسبب زيادة حالات الموتى. وكان إخفاء وباء الكوليرا وعدم فعل ما يجب لاحتوائه سببا في الصدمة السكانية والاقتصادية التي تسبب بها المرض.

وكان وباء الكوليرا سببا في ارتفاع معدلات التضخم وقاد إلى تظاهرات شعبية تدعو للإصلاح. والنتيجة لكل هذا هي ما عرفت بالثورة الدستورية التي أدت لنظام برلماني وعطلت لفترة قصيرة الحكم المطلق في البلاد. وكان فشل الحكومة بمعالجة وباء الكوليرا والتستر عليه وما تبع ذلك من انهيار اقتصادي سببا بفقدان إيران السيطرة على جبهتيها الشرقية والجنوبية للروس والإمبراطورية البريطانية اللتين أصبحتا سيدتين على حركة العبور البرية والبحرية.

وفي العقد الثاني من القرن العشرين بدأت إيران بتبني نظام علماني في الحكم وإدارة صحة عامة حاولت السيطرة على انتشار وباء الكوليرا. ومن الأمور المهمة لوقف خطورة انتشار وعودة الأوبئة هو تبني فهم ميكروبيولوجي للأمراض المعدية، وبالتالي تراجع المعوقات السياسية والدينية وتأثيرها على المنهج العملي للسيطرة على الأمراض، منعها ومعالجتها.

ويبدو أن القيادة الحالية في إيران نسيت الدروس الصعبة بما فيها النهج العلماني للطب الذي أدى لتحول في مشهد الأمراض المعدية في البلاد خلال القرن الماضي. وحتى تتبنى إيران نهجا شفافا وقويا لمنع انتشار الأمراض المعدية فالتاريخ سيعيد نفسه. وستؤدي أزمة فيروس كورونا لتآكل شرعية الحكم الديني.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي