التخييل والإقناع في الخطابة: وجهة نظر الفلاسفة المسلمين

2020-02-24 | منذ 1 شهر

ياسين الشعري

لقد كشفت البلاغة العربية عن نظرة شمولية للمجال البلاغي، بحيث يتداخل فيها الشعري (التخييل) والخطابي (الإقناع) على نحو وظيفي، فلم تكن المسافة واسعة بين الفنين في تراثنا العربي القديم. ونظرا لهذا التداخل وقع هناك التباس ما بينهما، حاول الفلاسفة المسلمون تجاوزه في حديثهم عن الشعر والخطابة. وقد اتبعوا في تمييزهم للشعر عن الخطابة خطا أرسطو، فكانت ثنائية: الإقناع/ التخييل هي المعيار الذي عملوا من خلاله على النظر إلى الفنين ومحاولة تبين الفروق والحدود ما بينهما.

أشار الفارابي إلى أن الخطابة قد تستعمل أشياء من المحاكاة يسيرا، وهو ما كان قريبا جدا واضحا مشهورا عند الجميع. إن الخطابة حقا يتداخل فيها ما هو إقناعي بما هو تخييلي، ولكن يجب على الخطيب أن لا يفرط في استخدام الآليات التي هي في الأصل من خصائص الشعر، وإلا أدى ذلك إلى إفقاد الخطابة سمتها الجوهرية، المتمثلة في الإقناع، وأصبغها بطابع التخييل الشعري. ومثل هذا يقوله عن الشعر.

إن تصور الفارابي هذا لا ينفي أن تستعمل الخطابة التخييل، ولكنه تصور يقر بأن لغة الخطابة شيء ولغة الشعر شيء آخر، حتى إن استعملت الخطابة بعض الآليات الخاصة بالشعر كالتخييل، فالحدود بين الفنين واضحة، لهذا يبدو من خلال كلامه أنه يلح على ضرورة مراعاة الاعتدال، يثبت هذا قوله المأخوذ عن سيشرون: «وربما غلط كثير من الخطباء الذين لهم من طبائعهم قوة على الأقاويل الشعرية، فيستعمل المحاكاة أزيد مما شأن الخطابة أن تستعمله، غير أنه لا يوثق به، فيكون قوله ذلك خطابية بليغة، وإنما هو في الحقيقة قول شعري قد عدل به عن طريق الخطابة إلى طريق الشعر».

أما ابن سينا فأكد أن لغة الخطابة تعتمد الألفاظ الأصلية المناسبة، وإذا ما استعملت الاستعاراتِ أو بعضَ الألفاظ الغريبة فإنها كالأبازير. كما يؤكد على أنه ينبغي للخطيب أن يتجنب كل ما هو شعري، لتبقى غاية الشعر هي التخييل، وغاية الخطابة هي الإقناع، فاستعمال الاستعارات والمجازات في الأقوال الموزونة أليقُ من استعمالها في الأقوال المنثورة، ومناسبتها للكلام النثري المرسل أقلُّ من مناسبتها للشعر. بيد أنه لا ينفي دور التخييل في الخطابة، فهو مقرون في نظره بمساعدة الخطيب على استمالة سامعيه.

  أسقط حازم القرطاجني الحدود التي أقامها أرسطو بين فن الشعر والخطابة، فوصل ما بين التخييل والإقناع. ورأى أن المعاني هي المنطقة المركزية للتقاطع بين الشعري والخطابي، ومركزَ المركز في هذا التقاطع هو التأثير في النفوس ودفعُها نحو اعتقاد أو فعل

إن الخطيب كما يرى في حاجة ماسة إلى التخييل للتأثير في السامعي،ن خاصة إن كانوا جمهورا وعامة. ويرى ابن رشد أن الخطيب يجوز له أن يستخدم لغة الشعر في الخطابة، ولكن ينصحه بضرورة تجنب الغموض والغرابة ليؤدي المعنى بطريق أسهل. وأشار إلى أن «الألفاظ المغيرة تتفاضل بالأقل والأكثر، فيما تخيل في المعنى الواحد بعينه من الرفعة والخسة، لتفاضلها في الغرابة»، كما أشار إلى أن الأكثر تخييلا من هذه الألفاظ هي المناسبة للشعر، والأقل تخييلا تصلح للخطابة، التي تستعمل من ذلك ما هو أقل وبمقدار ما يليق بها، وذلك هو القدر الذي يفيد وقوع الإقناع في الشيء المتكلم فيه. إن الوسائل الشعرية تستخدم في الخطابة بقدر حاجة الإقناع إلى التخييل تبعا للنوع الخطابي، لذلك يرى ألا بأس في أن يخلط الخطيب الألفاظ المشهورة بالألفاظ المستعارة والغريبة، لأن مثل هذا الفعل يمنح للأقوال طابع التخييل، قصد تحريك الهمم للإقناع والتصديق، أما إذا أتى بها من جنس واحد فإنها آنذاك لن تفيد غرابة ولا تعجبا يحرك النفس.

أما حازم القرطاجني فيعد مشروعه البلاغي حلقة وصل في البلاغة العربية بين الإقناع والتخييل، وبالتالي ما بين الخطابة والشعرية، وهو الوصل الذي رفضه أرسطو، وتبنته البلاغة العربية منذ الجاحظ بشكل ضمني، ليبلغ أوجه مع حازم، الذي تحددت عنده البلاغة بوصفها علما كليا، يتناول صناعتي الشعر والخطابة على حد سواء، باعتبارهما صناعتين تقومان على الاحتمال.

لقد أسقط حازم القرطاجني الحدود التي أقامها أرسطو بين فن الشعر والخطابة، فوصل ما بين التخييل والإقناع. ورأى أن المعاني هي المنطقة المركزية للتقاطع بين الشعري والخطابي، ومركزَ المركز في هذا التقاطع هو التأثير في النفوس ودفعُها نحو اعتقاد أو فعل. ولكن على الرغم من هذا التداخل الوظيفي بين الشعري والخطابي، فإن كل واحد منهما يحتفظ بخصوصياته. يقول حازم في هذا الصدد: «ينبغي أن تكون الأقاويل المقنعة، الواقعة في الشعر، تابعة لأقاويل مخيلةٍ، مؤكدةً لمعانيها، مناسبةً لها في ما قُصِد بها من الأغراض، وأن تكون المخيلةُ هي العمدةَ. وكذلك الخطابة ينبغي أن تكون الأقاويلُ المخيلةُ الواقعةُ فيها تابعةً لأقاويلَ مقنعةٍ، مناسبةً لها، مؤكدةً لمعانيها، وأن تكون الأقاويلُ المقنعةُ هي العمدةَ».

يتضح من كلام حازم هذا أن هناك تقاطعا ما بين التخييل والإقناع، وأن الخطابة تتعدى الإقناع لتستلهم ما هو في الأصل جوهرُ الشعر، وأن الشعر بدوره يستلهم ما هو في الأصل قوامُ الخطابة، ولكن مع هذا يبقى الإقناع جوهرا أصليا في الخطابة، بينما يبقى التخييل شيئا ثانويا فيها وتابعا للإقناع، والتخييل جوهرا أصليا في الشعر والإقناع تابعا له، وبالإضافة إلى ذلك ألح حازم على ضرورة مراعاة الاعتدال والمراوحة، إذ ينبغي «ألا يُستكثر في كلتا الصناعتين، مما ليس أصيلا فيها كالتخييل في الخطابة، والإقناع في الشعر، بل يؤتى في كلتيهما باليسير من ذلك على سبيل الإلماع».

وقد أجاز للخطيب أن يستعمل التخييلات، وللشاعر أن يستعمل الإقناعات، إذا كان ذلك على جهة الإلماع في الموضع بعد الموضع، وأرجع سبب ذلك إلى كون الصناعتين معا تشتركان في غرض واحد، وهو «إعمالُ الحيلة في إلقاء الكلامِ من النفوس بمحلِ القبولِ لتتأثر لمقتضاه. فكانت الصناعتان متآخيتين لأجل اتفاق المقصد والغرض فيهما. فلذلك ساغ للشاعر أن يخطب لكن في الأقل من كلامه، وللخطيب أن يشعر لكن في الأقل من كلامه».

 



إقراء أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق






شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي