"الشمندر" لخالد الخميسي.. كاتب سريالي وبطل بوهيمي

2020-02-13 | منذ 6 يوم

رسام مهووس باللذة (لوحة للفنان سيروان باران)ممدوح فراج النابي

لا يقتصر سؤال “لماذا نكتب؟” على زمن بعينه، فهو يمكن وصفه بأنه سؤال كل الأزمنة. وقد راودني بل ألحّ علي السؤال بعد مطالعة رواية “الشمندر” لخالد الخميسي، الصادرة عن دار الشروق.

الرواية سيرة متخيّلة لشهاب الشمندر، ترصد حياته خلال حقبة زمنية كبيرة تبدأ من ثلاثينات القرن الماضي، وصولا إلى نهاية العقد الثاني من الألفية الثالثة، وهي فترة تاريخية حافلة بالأحداث المهمة على المستوى المحلي والعالمي، وهو ما أشار إليه المؤلف كومضات وإشارات، دون استغلال حقيقي لتنمية السرد، وإظهار أزمة البطل، الذي لا نرى له أزمة على الإطلاق. فقد جاء فقط كتحديد لزمنية الرواية، وليس فاعلا في الأحداث وتشكيل الشخصيات، باستثناء الفترة الأخيرة التي تغيّر فيها محب ابن شهاب وضحى، وصار من شباب الألتراس، وهو لا علاقة له بالكرة، ليشير بطرف خفي إلى النداهة التي جذبت الجميع عقب أحداث يناير 2011.

البناء الذي اعتمد عليه خالد الخميسي، غريب بعض الشيء، فهو لم يقدم محكية سيرية تعتمد زمنا كرنولوجيا في سرد حياة الشخصية السيرية، كما هو الغالب في كتابات السير الذاتية، أو حتى روايات التكوين. هنا يتعامل مع الزمن كلوحة البازل، زمن متناثر وليس له بداية ولا نهاية، وإنما متداخل، وثمة مراوحة بين الماضي والحاضر والمستقبل.

كثير من الأحداث يأتي ذكرها في وحدة سردية، لكن زمنها الحقيقي يعود إلى قرب نهاية الرواية. كما أن الشكل الكتابي والتسلسل الحكائي متصلان اتصالا وثيقا باللوحات التي رسمها شهاب الشمندر خلال سنين عمره المختلفة، وكل لوحة كانت بمثابة خيط الوحدة السردية أو المتتاليات القصصية. ففي كل لوحة رسمها ثمة حكاية تربط بين الراوي شهاب الشمندر، والمروي عنه/ عنها أو صاحب/ صاحبة الحضور في اللوحة المرسومة. فكما يقول “سيرتي شكّلت معرض لوحاتي”.

بطل الرواية شهاب الشمندر، الفنان السريالي كائن بوهيمي، بل هو في الأصل أبيقوري؛ يعيش من أجل اللذة فقط. ينصب رايته وخيامه في “منبت أصل العالم”، دون شفقة أو رحمة. دون أن يقدم لنا تفسيرا، لماذا هو هكذا شبقي؟ الشبقية لا تقتصر عليه هو فقط، بل تشمل خال أمه يوسف مراد كاظم، الذي يتفاخر بعلاقاته المتعددة، بل يفتح شقة لريري وصديقاتها من بنات الليل، وينتهي به الحال إلى الزواج من سوسن المومس، بعد أن أخبرته أنها حامل.

محكية سيرية تعتمد زمنا كرنولوجيا

أقام المؤلف روايته على نوع من التوازي بين المتن واللوحات؛ فالفصول جاءت جميعها بأسماء اللوحات التي رسمها، ومن ثم جاءت العناوين طويلة، على نحو “ليلة وملاك هتلر الفضي” و”جسد برلنتة الشفاف في حمام سعيد السعداء” و”انتحار سلفادور دالي في شاطئ جليم” و”داروين والجربوع وأصل الأنواع”.

ومنها عناوين تتسم بالسريالية كما طالبته روزمين بأن ينهج في رسوماته مثل “وجوه البطالحة المتطلعة للسأم الأعلى”، و“كشك الموسيقى الياباني يهتك عرض النسيج الوطني” و“منبت البشرية” و“عراقي كوني عاري الصدر أمام فوهة مدفع قومي” و“الهاربيز تطير فوق جزيرة الذهب” وغيرها.

سوق نخاسة
تبدأ الرواية بشهاب الشمندر الذي يرى في حلم العرافة خريستيانا أو ماما رفيعة، وكما هو معروف من تظهر له في الحلم فهو بمثابة نذير شؤم، هذا دليل على قرب موته، جاءت لتخبره بأن ساعته قربت وعليه أن يرتب أموره. مع هذا الحلم يبدأ شهاب الشمندر، المولود عام 1958 لأب من كفر طلحة، وأمه عايدة ابنة بستان مراد كاظم، في استرجاع شريط عمره بغية المراجعة؛ استعدادا للحظة المحاكمة الإلهية، فيبدأ بتقييم ذاته هل هو خيّر أم شرير؟ ومن هذه اللحظة المفصلية يدخل في معرض لوحات حياته.

الموت هو هاجس الشخصيات جميعا، وقد دفع الكثير منها إلى الاعتراف. فهاجس الموت والخوف منه دفع شهاب إلى اعترافات كشفت عن علاقات لا حصر لها مع النساء، وصلت إلى حد الهوس بكل ما هو أنثوي، فكل الشخصيات التي عرفها أو اقترب منها شهاب ارتبط بها بعلاقة مفتوحة وشبقية، أو من لم يقترب اشتهاها على نحو خالته برلنتة، بمراقبتها لحظة الاستحمام، ثم زوجة خال أمه يوسف مراد، سوسن، عندما راودته فكرة رسم امرأة حامل.

بطل الرواية شهاب الشمندر فنان سريالي وكائن بوهيمي، بل هو في الأصل أبيقوري؛ يعيش من أجل اللذة

رهبة الموت هي ما تدفع جليلة مهران إلى الاعتراف لبستان بقتلها لرتيبة هانم كامل، ثم خطتها للزواج من الدكتور رشاد شرف، وأيضا قتلها له عندما خانها مع الخادمة فريال، وأن سارة هي ابنة فريال ورشاد. وبالمثل تعترف فيرونا بقصة سرقتها، وأنها من أجل المتعة والفسح كانت تسرق أموال زوجها.

مع كل صيحات النسوية بتحرير جسد المرأة، وأن المرأة ليست سلعة أو متعة، يقدم الكاتب شخصياته النسائية بلا استثناء، وكأنهن سلعة وجسد مستباح للكل، سواء لشهاب أو أصدقاء شهاب على نحو ثورة صديقة حسام. فالمؤلف يقدم بطله شهاب، وكأنه شهريار جديد، الفارق أنه لا رادع له ليوقف غزواته الجنسية، سواء بحكم السن أو حتى بوجود حبيبة وزوجة، فأقام علاقات مع خطيبته نريمان وأختها جيهان. وقد قاده بحثه عن اللذة أو السعادة لأن يكون نفعيا لا يفكر إلا في مصلحته الشخصية فقط.

في كل لوحة رسمها ثمة حكاية تربط بين الراوي شهاب الشمندر

تعددت علاقات البطل التي كشفت خسّته، كتلك التي أقامها مع السورية رزوفين آسيا، التي جاءت لاستكمال مشروع الماجستير في القاهرة، وخذلها، ومرة ثانية مع بونا فبعد أن قضيا أسبوعيْن في الإسكندرية معا، وكانت “أرضا غير خصبة”، لكن حملت، ومع تمسكها بهذه البذرة التي أعادتْ لها أملا انتظرته لمدة عشرة أعوام، ورفضه، وادعى المرض والموت، حتى قبلتْ بونا، وتمّ إجهاضها. وجبْنه الذي ظهر به مع بونا تكرر سابقا عندما قتل رامي زكريا، ولم يفعل شيئا وهو يرى الجريمة توارى، بل لم تأخذه شفقة بأمه وهي تسأل عن ابنها.

الغريب أنه مع هذه الخِسة التي ظهر بها، إلا أن الرواية أظهرت المرأة بصورة سلبية، فهي المنقادة له وتتمسك به، وهو ما لم نفهم له تفسيرا، فما هي الكاريزما التي يتمتع بها؟ وفي نفس الوقت، لماذا جاءت صورة المرأة ضد طبيعتها المعروفة فهي ترفض أن تهان كرامتها؟ فمثلا بونا عندما مرض كانت تتوسل إليه بألا يموت الآن، ومرة أخرى تصرح له “لا تهمني حياتي، الأهم سلامتك”.

ونفس الشيء بعد أن أقام علاقة مع جيهان ابنة نهاد مهران، راح يخطب أختها نريمان، ثم بعد أن فسخ خطبته منها، جاءت له جيهان في الإسكندرية بعد طلاقها مباشرة وكانت تريد أن ترسم وجهها أو تسجل هذه اللحظة، فأقام علاقة معها، وكاد أن يموت حيث أصيب بجلطة.

النص طويل يتجاوز 400 صفحة. السؤال: ماذا يريد منه المؤلف، وما هي الرسالة التي يريد أن يرسلها لقارئه، بعد هذه المغامرات السريرية للبطل الأبيقوري؟

في الحقيقة يقدم لي النص جوابا عن سؤال الكتابة الذي طرحته في بداية المقالة. حيث الرواية خالية من أية أزمة حقيقية، ولا أسئلة وجودية يطرحها عبر شخصياته، وإنما هي “نثر لا يرى بوضوح، يرى بشكل مغبش وبفظاظة” بتعبير إبراهيم داود عن الفرق بين الكتابة واللاكتابة. وهو ما يستدعي سؤال تيري إيجلتون عن الماركسي: هل يقص علينا قصة مسلية، بل يقص علينا صراع البشر لتحرير أنفسهم من أنواع محددة من الاستغلال والقهر؟ وإذا أبدلنا الروائي بالماركسي، صدق القول، فهو لا يقص لنا قصة مسلية، أو مغامرات بورنو، وإنما يقدم لنا قضية! وهو ما ليس موجودا هنا!


* كاتب مصري



إقراء أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي