على عتبة ما يحدث.. قراءة في رواية «الأغنية

2020-01-29

 عبدالحفيظ بن جلولي*

تعتبر القراءة في الرواية متعة، من حيث إنها تقدم حدثا تتداخل فيه مسارات الشخوص لتنجز في النهاية مخرجا للصراع الحدثي. تعتبر رواية «الأغنية المبتورة» لمراد بوكرزازة من حيث الشكل رواية بوليسية، إذ تأخذ تصنيفها من التعريف: «الرواية البوليسية هي اكتشاف رجل البوليس أو التحري جريمة تبدو أنها كاملة».

ملخص الرواية:

يعود الطبيب زكي ماضي بعد ليلة مناوبة من المستشفى صباحا ليجد زوجته «صابرينا» مخنوقة تسبح في بركة دم، اتصل بعائلته وعائلة زوجته والشرطة، بعد المعاينة طلب منه المحقق أن يغادر منزله لأيام باعتباره مسرحا للجريمة. ابنته، كانت الضحية قد تركتها مع أمه بعد زيارتها لها، ولهذا نجت من القتل. تتوالى الأحداث. بعد انتهاء مهمة التحقيق وعودته إلى بيته، تعثر أمه عند القيام بالتنظيف على قرط، ليس لزوجته. يهاتف التحري إبراهيم ويخبره بالقرط، يسلمه له، لتنعطف مجريات القضية حول إمكانية قيام امرأة بالجريمة، وبعد بحث مكثف يصلون إلى الجانية، التي كانت على علاقة سابقة بزوج الضحية، الذي تنكر لها بعد أن حملت منه وتركها، فقررت الانتقام منه.

 العنوان والدلالة:

يعتبر جاك دريدا العنوان مثل ثريا باعتباره معلقا على سقف النص. يحاكي عنوان «الأغنية المبتورة» أحداث النص ويرافق شخوصه بمعناه المكرس فيهم، فمسار حياة «زكي ماضي» بُتر بقتل زوجته، وحياة سهيلة عبد الوهاب المكناة بغنية بُترت بتخلي زكي عنها، بعد أن وهبته جسدها، وبدخولها عالم الهامش وأيضا بنهايتها في السجن. الحياة في المستشفى عبارة عن بتر متواصل إذ يعترف «زكي» بأن أغلب المرضى لم يكونوا كذلك وإنما كانوا ضحايا مشاكل اجتماعية.

 الأسماء.. التاريخ والدلالة:

استطاع الروائي أن يحكم منظومة اختيار الأسماء، إذ جعل في حامليها من الشخصيات الرئيسة ما يدل على انبثاق التاريخ فيها، فاسم الشخصية الرئيسة «زكي ماضي» ليست في حاجة إلى بيان دلالتها على التاريخ بل وجثومه بكل ثقله على الحاضر، لما يجعل الاسم زكي، من الزكاة أي النماء والتكثير، ولعل الاسم يدل على استمرار التاريخ بعناصره الشخصية في الحاضر، وهو ما أزم الراهن.

اسم المستشفى الشهيد «زيغود يوسف»، ولعل الشهادة هنا تمنح فعل الحياة تركيزه ومعناه، إذ الشهادة حياة، والمستشفى إنما هو دلالة على المحاولات المكثفة لإنقاذ الوضع الراهن من إسار التاريخ، وهو ما يجعل القراءة السياسية للرواية قائمة باعتبار التفاعل الإسمي بين حالات الشخوص الرئيسة، فزكي ماضي، يتوازن عند اسمية «صابرينا»، تسمية حداثية لكن لا تستمر حدثيا، إذ قتلها يعتبر اغتيالا معنويا لمسار الحداثة، التي تنشد الديمقراطية والعدالة والمساواة، وهو ما يشهده الواقع، إلا أن الأمل عند السارد قوي إلى درجة أن جعل الابنة «لينا» التي تحمل اسما حداثيا تستمر حدثيا، فنجاتها من القتل، وطفولتها تعنيان المستقبل والاستمرار. هذا التفاعل الإسمي ينزاح بالرواية من إطارها البوليسي الذي اعتبره مجرد غطاء فني للتصنيف إلى معناها السياسي، ولهذا فالرواية «تضعنا على عتبة ما يحدث» راهنا.

 

يتناوب السرد بين استمراره في راهن زمن الرواية وتقنية الفلاش باك، إذ سار مسار الرواية بين حوار في الراهن تقطعه رؤية ارتجاعية نحو الخلف

 البداية والنهاية:

 

تلعب البداية والنهاية دورا مهما في فك بعض شيفرات الرواية، لأنهما تعتبران المدخل والقفلة. تحيل جملة البداية إلى المستشفى: «عندما غادرت المستشفى بعد نهاية المناوبة»، لكن الخروج من المستشفى على المستوى الدلالي وليس الوظيفي في الجملة، يحيل إلى التماثل إلى الشفاء، لكن «المناوبة في الجملة» أحالت المعنى إلى التعب والإعياء، وهو ما يكشف استمرارية الداء الاجتماعي الذي تشير إليه الرواية في أكثر من موضع، «حالات لا يعاني أصحابها من مرض، قدر معاناتهم من عدم الاتصال بمحيطهم الأسري»، «كما العادة بلد مريض.. صحة مريضة وشعب يعاني من كل الأزمات»، «بعد المريضة الأولى، التي لم تكن تعاني مرضا عضويا قدر معاناتها من معضلات اجتماعية».

جملة النهاية: «لو تعلمين كم أخجل من ابتساماتك هذا المساء وكل عمري الآتي»، تجعل استمرار الإعياء والتعب في خجل «زكي» لأنه مسؤول بطريقة ما عن قتل زوجته، وبالتالي هذا الإعياء المستمر والذي ينبثق من المستشفى كحالة للمعالجة وينتهي في ابتسامة الزوجة/المرأة/الوطن يجعلنا في علاقة روائية مع ما يحدث.

المواجهة بين موتين:

عودة «زكي» إلى البيت واكتشافه «موت» زوجته، تضعه بين موقفين متضادين، إذ يُعتبر المستشفى من حيث هو مكان للعلاج كيان مانح للحياة، لكن موضوع الموت فيه متداولة. يصبح الموت بالنسبة للعاملين في المؤسسة الاستشفائية وضعا طبيعيا يتعاملون معه كما أي موضوع على حافة العاطفة، فالمستشفى كما هو منتج للحياة، هو منتج أيضا للموت، مثلما الحالة التي تلتحق فيها الحامل من أجل الإجهاض. مواجهة الطبيب «زكي» موت زوجته «صابرينا» هي حالة صراع داخل الكينونة، التي من جهة دخلت في وضع تطبيع مع الموت، ومن جهة أخرى لا يمكن أن تتعامل مع الموت بتجرد حينما يلمس القريبين من وجدانها، هذه الحالة الصراعية، هي كشف للصراع داخل الواقع بين وقائع لا نظنها تعنينا لكن نكتشف أهميتها، حين تحدث في محيطنا، وهي الانتباهة التي تضع القارئ للرواية على عتبة ما يحدث.

التناوب السردي وصراعية المسار:

يتناوب السرد بين استمراره في راهن زمن الرواية وتقنية الفلاش باك، إذ سار مسار الرواية بين حوار في الراهن تقطعه رؤية ارتجاعية نحو الخلف، كعودة زكي نحو ذكرياته مع صابرينا زوجته، وهذه التقنية ساهمت في إذكاء الصراع على مستوى القارئ، خصوصا حينما عرضت الرواية في تواز خلاق بين انهمام «زكي» بحياته مع ابنته وذكرياته مع زوجته، ومحاولة توافقه في الوضع الجديد مع ذاته، ثم يقطع هذا المسار الحدثي اعترافات «سهيلة عبد الوهاب» أو غنية بما حدث بينها وبين «زكي» من علاقة انتهت بتخليه عنها وعن حملها منه بكل برودة، هذا التنويع في السرد أو في التقابل بين الراهن والذاكرة، أو بين سلوكين متنافرين للشخصية الرئيسة، إنما يثوّر بؤرة الصراع على مستوى القارئ، وعلى مستوى الحدث ذاته بما يكشف عن الواقع الذي يحكم مسار المجتمع برمته، ويضع القارئ على عتبة ما يحدث.

 

  • كاتب جزائري







كاريكاتير

إستطلاعات الرأي