الشاعر اليمني محمد اللوزي في «قهقهات الفتى الأخرس»: قصائد على قارعة الوطن المنكوب

2020-01-19 | منذ 8 شهر

أحمد الأغبري*

ماتزال قصيدة النثر العربية على امتداد تاريخها، تتكرس في نسقها النوعي، من خلال تجارب ضمن أجيال أجادتْ الاشتغال عليها، بوعي يُدرك ماهية وخصوصية هذا الوعاء الشعري. وقد استطاعتْ أجيالُ هذه القصيدة أن تُقدمَ نتاجاً تجاوز بها جدلية شعريتها، إذ أثبتوا أن الشعر يبقى في ما يأتي به الوحي على لسان الشاعر، أيا كان الوعاء، بل إن هذه القصيدة تبقى أكثر الأوعية امتحاناً لمهارة الشاعر وجمال الشعر، إذ تواجه التحدي بدون أوزان وقوافٍ وإيقاع موسيقي.

قد يكون هناك ثمة استسهال في التعامل مع هذه القصيدة لدى بعض الشعراء الشباب، لكن هذا لا يُقلل أو يُلغي ما تجلى واقعاً، بل إن من بين هذه التجارب ما يؤكد عبقرية وخصوبة هذه القصيدة. واليمن مثل بقية البلدان العربية مرّت فيها هذه القصيدة بمحطاتٍ ويتعاقب عليها أجيالٌ، وبرز ويبرز في كل جيلٍ أسماء عَززَت من حضورها، بمن فيهم جيل الشعراء الشباب، ومن بين هؤلاء يبرزُ الشاعرُ محمد محمد اللوزي في ديوانه الرابع الصادر حديثاً عن «دار ميارة» في تونس بعنوان «قهقهات الفتى الأخرس»، صاحب تجربة مغايرة نقرأ فيها قصيدة النثر بروحٍ جديدة جداً تحمل توقيع صاحبها، إذ لا يشبه فيها أحدا.

على عتبة عنوان الديوان نقف على أبرز ملامح رؤيته، فهو لم يختر عنوان أحد النصوص عنواناً للديوان، بل اختاره من سياق أحد النصوص، وأراد به التعبير عن محتوى الديوان كاملاً، فالديوان يبدو كأنه بوح ساخر لفتى لا تتاح له حرية التعبير، فكان الشعر وسيلته لقول ما لا يستطيع قوله في غير الشعر، وهنا سنجد القصيدة حاملة لموقف الشاعر من واقعه وما تعيشه بلاده جراء الحرب، فالشاعر لم يبتعد عن اليمن، ولم يقترب منه كثيراً، ليُبقِي للدلالة مدىً أوسع للتحليق في آفاق المعاناة، مستخدماً في ذلك مبنى بسيطا لكنه يراوح معنى ممتنعا، وهو أسلوب أجاد الشاعر توظيفه. وهذا العنوان وعناوين دواوينه السابقة تكشف، أيضاً، عن ملمحٍ آخر تتميز به التجربة، فالسردية والتكثيف مساران يمضيان معاً في سياقاته الشعرية عنواناً ومتناً، ضمن اشتغالات مغايرة على رؤى جديدة.

ضم الديوان 57 نصاً، جاء بعضها قصيراً ومكثفاً وأقرب للشذرات، لكن مجمل النصوص يؤكد خصوصية التجربة في علاقتها بالقصيدة الجديدة والاشتغال على رؤى أجد، فنجد الشاعر في كل نص ممسكًا بالفكرة ممعناً في البوح دلالياً، إزاء ما يعيشه ويتعايش معه في وطنه المنكوب بحربٍ ظالمة. لقد كان الشاعر ماهراً في توظيف اللغة، مستنداً إلى رؤية عززت من قدرته على التحكم بوهج الشعر الذي تميز بانفتاحه على قراءات لا متناهية وتأويل لا يقف عند حد. تنقل الشاعر في الديوان بين الذات والمجموع، لكنه في جميعها يتحدث عن بلاد تنزف هي بلاده… يقول في نص «قفص»:

لو أنني طير

لآثرت العيش في قفص جوارك

على التحليق في الفضاءات الفسيحة

ثم لو أن يدك يوماً

نسيت باب القفص مفتوحا

لأغلقته بمنقاري

وعدتُ للتغريد داخله

يؤكد هنا أن لا شيء يمكن استبداله بالوطن، فكل فضاءات العالم الفسيحة لا تُغني عنه، كأنه يؤكد بذلك على الوطن كمفهوم حضاري للحرية، وقيمة أخلاقية للحياة، كأننا نستشعره يدعو إلى التعامل معه انطلاقاً من المفهوم والقيمة… وتتيح كلمة (قفص) الذهاب بالنص إلى قراءة وتأويل يمكن معه سماع قهقهات الفتى الأخرس. يُلاحظ في الديوان عدم استخدام الشاعر لأيٍ من علامات الترقيم، وهنا لم ألق مبرراً لتجاوز هذا، كأنه أراد أن يقول إن الشعرَ قادرٌ على الافصاح عما في حوزته، بدون الحاجة إلى مساعد للقارئ بهذه العلامات… فالشعر الجديد يحمل في ذاته ـ وفق اعتقاده ربما- ما تستقيم معه قراءته، لكن الشاعر بهذا لا يُلغي حقيقة الحاجة لهذه العلامات في الكتابة والقراءة… وهي حاجة قائمة في العربية وفي غيرها من اللغات. عوداً إلى نصوص الديوان حيث نجد أن الحزن بقي يلف ثيمة الوطن ومعاناته، وقد أراد الشاعر فرض مسافة بين حزنه وبوحه، مشتغلاً على غير المباشرة، مرتفعاً بذلك بقيمة الدلالة… يقول في نص «أحجار الدومينو»:

مثلما تتساقط أحجار الدومينو

تساقطت البلاد تباعاً

حتى حجرها الفارغ

ولم يبق أحد

ولم يعد ثمة حجر واقف

أو بلاد

ومما يميز نصوص الديوان على الصعيد الفني قدرة الشاعر على استخدام السرد في شعرية ظلت عالية بإيقاعاتها البنيوية وانساقها المعنوية… يقول في نص «سلك الصواب»:

قرعتُ أبواباً مغلقة ونمت في عتباتها ولم تفتح

أشرتُ بأصابعي صوب نساء ولم يلتفتن

حتى انهمر عليّ وحي

ولبيت ما يطوع نفسه لأجل جفني

سرت من تلقائي صوبه

ورأيته صواباً شاهقاً

أو خطأ نذر وهجه لوعثاء روحي

وبموازاة حضور الحزن يكون الألم، حيث يتنقل الشاعر بين صور المعاناة في وطنه، جراء الحرب والحصار… فعلى صعيد مشكلة إغلاق المطارات ومعاناة اليمنيين في الوطن والمنفى… يقول في نص «مطارات مغلقة»:

ثمة وطن عالق في المطارات

وقد أغلق القصف أجواءه

كيف له أن يعود

وسماؤه مقفلة بالقذائف والتعاويذ

كيف لهذا الوطن الغريب

في أرضه وفي منفاه

أن يعود إلى منفى آخر في بلاده

وهو بهذا يقف مستنكرًا ما كان قد أقره في نصٍ سابق متسائلاً: كيف يمكن لليمني، وهو غريب في وطنه وفي منفاه، أن يعود لبلاده، وقد صارت منفى آخر… لكنه ربما لا ينكر العودة، بل كأنه يعتبرها دليلاً على ثنائية الوطن/ المواطن والوطن/ المنفى. والدلالة هنا تحتاج إطالة لا يتسع لها المكان.

صــدرت للشــــاعر ثلاثة دواويـــــن شعرية: «الشِباك تهتز…العنكبوت يبتهج» عام 2001، و»إجازة جيري» عام 2008، و»حبة خال في ساق الفراشة» عام 2015.

  • كاتب وصحافي يمني


إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق




شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي