الثقافة الجزائرية في عزلتها

2020-01-18 | منذ 8 شهر

 سعيد خطيبي*

رسم بابلو بيكاسو بورتريه جميلة بوباشا، عام 1962 ولم يكن قد التقاها قط. كان الفنان الإسباني يُقيم في جنوب فرنسا، على علم بما يدور في الضفة المقابلة، بينما جميلة كانت تواجه حكماً بالإعدام، أعجب بما سمعه عنها وعن صلابتها ورسم وجهها الباسم، بناءً على طلب من سيمون دوبوفوار، التي أصدرت كتاباً، بصحبة المحامية جيزال حليمي، يحمل اسم المناضلة ذاتها، تضمن شهادات عن فظائع الاستعمار، وسيمون دوبوفوار نفسها لم تخض في الدفاع عن القضية الجزائرية سوى بإيعاز من جان بول سارتر وتأثراً به، هذا الأخير كان قد أصدر نصه المرجعي «عارنا في الجزائر»، وقف ضد بلده، صرخ عالياً وندد في مقالات بما يحصل من ممارسات كولونيالية، لقد كان موقف سارتر حاسماً، كان لحظة تحول تاريخية ومال إليه مثقفون كثر، وحّد آراءهم وتوالت بيانات الدعم والمساندة لحرب التحرير، ووقّع توطئة لكتاب «معذبو الأرض» لفرانز فانون، واختتم تضامن أولئك المثقفين بأن التحق بهم بيكاسو ولوحته الشهيرة تلك.

وبعد الاستقلال ظل اسم سارتر يتردد كثيراً بصفته واحداً من أصدقاء الجزائر، لم تنس السلطة الناشئة وقتها فضله، ومسؤولوها يتفاخرون بأنهم قرأوا له، وفكروا في تكريمه، لكن أحداثاً طرأت أجلت الأمر، وسرعان ما وقع الانقلاب العسكري عام 1965، ففضل سارتر أن يُحافظ على موقفه الصريح المعادي لما حصل، والداعم إلى العودة إلى إرادة الغالبية، وانضمت إليه سيمون دوبوفوار، وآخرون سبق لهم أن دعموا استقلال الجزائر، في بيان يشذب الانقلاب، وانقلبت صورته؛ من صديق للجزائر إلى عدو لها في منظور الحكام الجدد، ومنذ 1965 يتعمدون تجاهل اسمه، ويتناسون موقفه سنوات حرب التحرير، هذه صورة مختصرة عن شكل تعامل السلطة مع المثقفين الأجانب، توثق الود معهم في حال نطقوا كلاماً مسانداً لها، وتتخذهم خصوماً في حال انتقدوا ما يجري على الواقع، هكذا شيئاً فشيئاً انغلقت الجزائر على نفسها، المثقفون الأجانب لا يزورونها ولا يتفاعلون مع ما يدور فيها، ومن بقي منهم يحمل صفة «صديق الجزائر» هم في الغالب من خدم النظام الحاكم، الذي تتبدل فيه الأسماء، مثلما تتبدل الأسماء في مسرحية عبثية، بينما أولئك المثقفون «الأصدقاء»، على قلتهم، لا يهمهم من الجزائر سوى مصالحهم ولا يتجرؤون على النقد أو التعليق.

منذ سنوات، تكاثر الحديث، في الجزائر، عما أصطلح عليه «التآمر»، كلما تلفظ مثقف أجنبي في الشأن المحلي، ألقيت عليه تلك التهمة الجاهزة، قبل أن تتبعها مقالات وبرامج تلفزيونية وتحاليل على أن «أيادٍ أجنبية» تضمر شراً للبلد، كما لو أن الجزائر سرة العالم، وسوف تخرج الأرض عن مدارها إذا ما هم مثقف أجنبي بانتقاد الوضع فيها، متجاهلين أن «الأيادي الأجنبية»، هذه الكلمة التي أضحت مرادفاً لرذيلة أو فاحشة، هي التي تمدنا بالقمح كي لا نجوع، وهي التي تصنع الدواء كي لا نموت في المستشفيات، الأيادي الأجنبية هي السبب في أن نستمر في العيش بدون عناء، وعن غير وعي، وخلف هذه الكلمة، تنعزل الجزائر عن الجوار وتنطوي على نفسها، تُعادي من المثقفين الأجانب من يفترض أنهم أصدقاء لها، فالسلطة لا تقبل أن يصلها نقد من مواطنين، فما بالك بمثقف أجنبي، واشتدت العزلة، وازدهرت تجارة «نظرية المؤامرة»، وسهل تسويقها في وسائل الإعلام، ولا يجد المتلقي المستلقي في بيته، أمام تلفاز من صنع «أيادٍ أجنبية»، صعوبة في تقبلها وابتلاعها.

  من بين الأشياء التي نجحت فيها السلطة أن لوثت لسان مواطنيها بمصطلح «التآمر»، وكلما تفوه به أحدهم ناب عنه الآخرون في كره ومقت الجهة المستهدفة، بدون تدقيق، أو بحث أو مراجعة أو فهم، أو استماع إلى الطرف الثاني

من بين الأشياء التي نجحت فيها السلطة أن لوثت لسان مواطنيها بمصطلح «التآمر»، وكلما تفوه به أحدهم ناب عنه الآخرون في كره ومقت الجهة المستهدفة، بدون تدقيق، أو بحث أو مراجعة أو فهم، أو استماع إلى الطرف الثاني، ففي الجزائر، المواطن لا يؤمن بما يرى، بل بما يسمع، لا يؤمن بالمنطق بل بما يتخيله. أما النجاح الثاني الذي يُحسب لها أنها أقنعت الجزائريين أن لا ينظروا سوى لبعضهم بعضاً، أن لا يخوضوا سوى في قضاياهم الذاتية، أن يُجادلوا في شؤون الدين والطقس ونتائج مباريات كرة القدم، وأن يلغوا الأجنبي من حساباتهم، بل إنها عزلتهم عن الفهم والتعليق عما يجري في الخارج من أحداث وصراعات، وتهمة التآمر التي توزعها بسخاء ليس سوى شكل من أشكال الدفاع عن نفسها، وسبب في تبرير فشلها، والغريب أنها لا توجهها قط نحو جهة سياسية أجنبية أو مؤسسة رسمية، بل إنها تستهدف أفراداً عزلا، وفي الغالب تقذفها في وجه مثقفين، أولئك الذين لا منصب سياسي لهم ولا ثقل على سياسة بلدهم، تجعل منهم كبش فداء في التعتيم عن سوءتها، وبعدما عاشت الثقافة الجزائرية انفتاحاً في السنوات الأولى من الاستقلال، تعرف اليوم انغلاقاً غير مسبوق، لا تحسدها عليه سوى دول لم تشف من الحنين إلى الشيوعية، لقد انتصرت «نظرية المؤامرة» وفشلنا في استيعاب الآخر، في الاستماع إليه، التحاور معه، في تقبل رأيه، كما فشلنا قبل ذلك في تصدير ثقافتنا وفي إقناع الآخر بتقبلها.

ليس جديداً أن يؤمن الناس بنظرية المؤامرة، ويجعلوا منها خبزاً يمضغونه كل يوم، لكن الاستثناء في الجزائر أن الإيمان بنظرية المؤامرة ليس حكراً على المجتمع، وعلى طبقات يائسة منه، بل هو خطاب رسمي، ينطلق من رأس السلطة، من أعلى الهرم إلى أسفله، وإذا أردنا رسم كرونولوجيا نظرية المؤامرة، سوف نجد أن «ربيعها» قد بلغ أوجه عقب انتفاضة 5 أكتوبر/تشرين الأول 1988، يوم خرج الشعب إلى الشارع رافضاً سياسة الحكم، لم يصدق أحد أن الفعل كان عفوياً، بل سارعوا إلى التصريح أن أيادٍ خارجية خططت للأمر، ثم ارتفع منحى الاعتقاد بأن البلد مستهدف بمؤامرات في عشرية التسعينيات، ووصل ذروة أخرى قبيل الحراك الشعبي، الذي مرت عليه سنة تقريباً، والسلطة نفسها كانت تدس في خطاباتها ورسائلها أن مؤامرة خارجية تدور، وعلى الرغم من أهمية الحدث، وأن الحراك قد صار محط أنظار وسائل إعلام خارجية، فكلما صدر كلام أو نشرت كتابة من مثقف أجنبي، إلا وواجهتها تهمة «التآمر»، لذلك، في حمى التفاخر أن بيكاسو رسم وجه المناضلة جميلة بوباشا، وأن مثقفـين مرموقين في الغرب تعاطفوا مع القضية الجزائرية، منتصف القرن الماضي، وجب التساؤل كيف انطوينا على أنفسنــــا الآن؟ لقد شرّعــــنا التهجم والإساءة لمثقفين أجانب، لم نستمع إليهم ولم نبال بأننا جزء من هذا العالم، وحين نتذكر ما حصل مع جان بول سارتر، بسبب تنديده بانقلاب، وقد بات عدواً بعدما كان صديقاً، فلا يباغتنا ما حصل لمثقفين آخرين من بعده.

 

  • كاتب من الجزائر


إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق




شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي