فلسفة الحرب.. قلق اللامتنامي في "نبراس قمر"

2019-12-23

محمد ناجي أحمد*

(2-2)

لغة متماسكة في فكرتها، وشخصياتها وتوصيفاتها وقلقها وتناقضاتها.

حين تُعرِّف الحرب والهجرة تنتقل مع الشيء ونقيضه، من كون الحرب/الهجرة، رديف الحياة والحقيقة، إلى كونها رديفاً للموت وقلق العبور وعبث الاغتراب.

الحرب "انحدار"و"لعبة" بدم يسيل، يترافق الشعور بالخطيئة عند عامة الناس برؤيتهم للحرب على أنها تمحيص وعقاب إلهي، لنتطهر من ذنوبنا، وكذلك هي الحرب في هذه الراوية "في داخله لم يعد مطمئناً إلى شيء، وشعوره بالخطيئة جعله يرغب بالتطهر في أتون الحرب،.فربما لهبها يذيب نفسه، ويعيد تشكيل نقائها من جديد" (ص105).

يترافق الشعور بالنصر مع الخسارة واستمرار الحرب "المحارب مثل المقامر الخاسر الذي يواصل اللعب ليعوض خسارته، لكنه يخسر أكثر".

من جرفتهم ماكينة الحرب، دخلوها مقامرة ومغامرة، بضجيج الانتصار للمقهورين وأوجاعهم وآلامهم، عملت المغامرة على تكاثر الأوجاع وتهميش المهمش!

لا تعطيك الحرب ترف التفكير فيها، لأنك ساعتها ستسقط صريع يقظة المعنى داخلك، أو صريع رصاصة تريح من أثخنتهم جراح الحرب، وصحوة التفكير "الحرب تتوقف عندما يخسر أحد الطرفين كل شيء، الحرب تتوقف، لكنها لا تنتهي، تظل جذوتها مشتعلة بانتظار هبوب الريح.

والأبناء والأحفاد والحقد سيتكفلون بالباقي...وحدها الحرب من تجعله يستطيع العيش بقلب مشطور إلى قسمين، لكن الحرب تأكل منه أيضاً، وتأخذ الثمن من عمره وقلبه" (ص106).

ننغمس في تفاصيل تضخها ماكينة الحرب، نتوه ونغرق فيها، لكن ذلك على حساب الرؤية الكاملة للحياة "خلال عامين بين مجموعات الثوار، أدركت تفاصيل كثيرة حول هذه الحرب، لكن بالمقابل تشوشت رؤيتي حول الحياة.

تعلمت أكثر كيفية استخدام الأسلحة، وكيف أقتل، وكيف أنجو من القتل...بالمقابل نسيتُ أحلامي عن الحياة في المدينة، نسيت حبي للمطر، نسيت من أنا" (ص109).

تعلمنا الحرب أن لا شيء ثابت، وينخرط الجميع في ثقافة الحرب، والحديث عن تقنيات حرب العصابات والحرب النظامية، والأخطاء القاتلة وسط هذه الحرب، سواء من الأفراد أم من الطائرات المحملة بكمية من صواريخ الموت المهداة للمدنيين، الآمنين داخل بيوتهم.

تختلف وجوه الناس في المدن والقرى عنها في المعسكرات "أخذت أتأمل الموجودين في المعسكر، كانت الوجوه تحمل

الكثير من الجدية والترقب، عكس وجوه الناس التي رأيتها منذ وصولي، والتي تميزت بالهدوء والطيبة" (ص119).

ينصهر الجميع في الحرب وقوة جذبها، تنفخ الروح أوهامها، من شجاعة واعتزاز وفخر، فينحدر الجميع نحو الأسفل، الانسياق نحو القاع "ومهما كانت قناعاتنا.. ومهما كانت أفكارنا، فهي تنحدر مع حركة المجموع باتجاه القاع، ونصبح جزءاً من قطيع يتحرك وفق حركة من هو في المقدمة، لا نرى سوى ما يراه، ولا نستطيع الخروج عن الحيز المفروض علينا! وكنت بحاجة إلى سنوات لأدرك هذا بشكل كامل" (ص125).

فكرة الانتقام المتولدة من الحرب هي أيضاً وقود يعمل على استمراريتها، وتغلغلها في الأعماق.

الحرب تجعلنا نتعايش مع الموت والموتى "في هذه الحرب هناك أمور أكثر من توقير الجثث. فقط دهشة وفزع رؤيتها في المرة الأولى، ومن ثم يصبح الأمر عادياً" (ص128).

الحرب جفاف للعاطفة، هي التي تجعلك تستخدم جثة زميلك متراساً تحتمي بها من الرصاص، وحائلاً تصوب من خلاله على خصمك.

"جثث تراكمت بعد ذلك.. بعضها لمقاتلين من فرقتنا، والبعض الآخر لجنود من الجيش، وأخرى لقرويين عاديين.. جثث لرجال، وأطفال، ونساء.. لكنها كانت لا تستحق بنظر "سالي"، أن تُحفظ داخل إطار صورة، باستثناءات قليلة.

ومع مرور الأيام، أصبح وجود الجثث مصدراً للشعور بالأمان، وفي الأيام التي لا نرى جثثاً، نشعر بالتوتر والقلق، فنحن نعرف ضرورة وجود جثة، وعدم وجودها يعني أننا سنكون الجثة القادمة" (ص130).

لم يعد هناك موت "رصين"، وإنما موت مجاني يأتيك بشكل عبثي، وخبط عشواء، لقدر دفعك من حافة الهاوية إلى أتون الحرب.

الحرب تجعلنا نتعايش مع الزيف، ونصبح من مخرجاته، تصبح الحرب هي الصدق، وما دونها كذب وخيانة وتخاذل وإرجاف، "والحروب التي تستمر لفترة أطول تكون الأسوأ. ليس للمتحاربين فقط، ولكن للناس العاديين أيضاً.

وهم من يدفع الثمن الأكبر في كل حرب. يستخدمهم المتقاتلون كدروع، ويطلبون منهم تمويل الحرب، وفي أحيان كثيرة يطلبون منهم أبناءهم كوقود للحرب، وفي الأخير هم من يدفعون ثمن النصر والخسارة!" (ص135).

كلما توغلت الحرب فينا، انعدمت رؤيتنا "لدرجة أننا لا نرى سوى أنفسنا.. ولا تعود مشاهد الحرب قاسية، أو مؤلمة مهما كانت بشاعتها" (ص135).

"الحروب متشابهة" ونحن من "يخلق أسباباً تجعله يشعر بالفخر بحروب معينة، والخزي من حروب أخرى" (ص136).

الحرب هي الحرب، والبندقية لا تتذوق "سوى طعم الدم"،"نحن الأفراد المحاربين نستطيع تغذية نار الحرب..لكن ليس بمقدورنا إطفاؤها. القادة وحدهم من يملكون فك سلاسل الحرب عن أعناقنا.. من يختبئون في الأماكن المحصنة هم من يملكون قرار وقف الحرب..." (ص138).

يتوحد المقاتل مع الحرب، يعتبرها "حياة"، ويقلق عندما "تتوقف أصوات الانفجارات، ويسود الهدوء، يشعر بالتوتر والقلق"، ومن فهمه للحرب بأنها "الحياة"، يستعيد توازنه...

هي الحرب التي تبيح كل شيء، وتكسر قواعد تعايش الناس، "وتعيد تشكيل معانيها". في الحرب تنمحي صورة الأهل والقرية والمدينة، ولا يبقى سوى "الغابة" كمكان ضبابي يتوارى فيها رصاص الموت، لا يبقى سوى الثمن الذي يتقاضاه المحارب، "نحن نفكر بالثمن الذي يجب أن نحصل عليه، لأننا نرهن رؤوسنا في الحرب" (ص144).

في البدء نبحث عن شيء فقدناه، ثم تصبح الحرب هي ما نبحث عنه، في مربعها تكون الذاكرة.

هي الحرب وهجرة الأوطان، كلتاهما اغتراب عن الذات والحياة، كلتاهما مغامرة، "ما تصنعه الحرب في المحاربين، تصنعه الغربة في المهاجرين. هناك رابحون وخاسرون ومفقودون في الحرب، هناك خاسرون ومفقودون في الهجرة" (ص159).

الحرب والهجرة تجعلانك في "شجن"دائم للحياة والعودة، عودة الوطن، وعودة الذات المغتربة...

لذلك نجد ملازمة الحرب للرقص، الرقص كطقوس سحرية لاستمرار الأمل بالنجاة.

في المجتمعات البدائية يختلط الرقص بالحرب بالمرأة. المرأة والرقص هما من يجعلانك تتشبث بالنجاة...

الحرب قاع يصعب الاستمرار فيها دون رقصة الحرب، "رقصة الحرب مختلفة، الإيقاع غريب، حماسي يرتفع وينخفض، وتنتظم دقات القلب معه، فتهتز من أعماقك. يشبه نداء لإيقاظ الوحشية والقوة داخلنا" (ص165).

 

من جرفتهم ماكينة الحرب، دخلوها مقامرة ومغامرة، بضجيج الانتصار للمقهورين وأوجاعهم وآلامهم، عملت المغامرة على تكاثر الأوجاع وتهميش المهمش!

الثورة لدى "فدريكو": "شكل من أشكال البناء والتقدم، والأنبا "لوتا" يقول: الثورة هي الصليب الذي يحمل الإنسان في طريقه إلى الفردوس" (ص174).

الثورة، القلق، الاطمئنان، السكون، كلها أشياء "جيدة" من أجل الإنسان. يتجاور القلق والاطمئنان، فالحرب انتزاع للحياة من أجل الآخرين، ونزع لها في آن.

تصبح العودة إلى القرية والنجاة من اختصاص "العرافة العجوز"، وكما تستنفد الحرب مبرراتها الأخلاقية، يستنفد المهاجر أسباب هجرته، فيبحث عن نبوءة العرافة علها تستبين له طريق العودة، لكنها تضيف لضبابية الأمل لديه ضبابية أخرى، "قالت إن الضباب يغمر طريقه، وعليه وحده عبوره" (ص179).

وهكذا يظل معلقاً في هاوية "وينتظر يداً تمتد إليه لتنقذه، أو يعلن استسلامه ليسقط في الهاوية، ويستيقظ من هذا الحلم الطويل، ويرتاح" (ص180).

في هذه الرواية جوهر الحرب والغربة، هو العودة إلى الانتماء، أي الهوية، "وعدم الرغبة بالذوبان في إطار هوية أخرى. البعض مستعد للسير في هذا حتى لو أدى الأمر لفقدان كل شيء" (ص188).

  • أديب وكاتب يمني







كاريكاتير

إستطلاعات الرأي