قراءة الكينونة بوصفها صورة

2019-12-01 | منذ 2 أسبوع

 رشيد المومني*

تتعدد مقاربات ظاهرة التحولات التي تعتري ملامح الصورة الثابتة، بما هي ترجمة لمجمل ما يطرأ عليها من تغييرات اجتماعية كانت أم ثقافية أم طبيعية، على امتداد مراحل تطورها أو انتكاسها. كما تتعدد المرجعيات النظرية لهذه المقاربات، التي يعود لها فضل إثارة نقاشات مسهبة في الموضوع، سواء بتوجهها اللاهوتي أو العقلاني، علما بأن أصداء هذه المرجعيات، تظل حاضرة ككل، بقوتها الإجرائية في تضاعيف ما يطرحه الكائن من تساؤلات تخص علاقته بذاته وبغيره، إما ضمن خصوصية محيطه، أو ضمن متاهة الأبعاد الكونية، بكل ما تحمله هذه التساؤلات من دلالات.

ومن المؤكد أن مقاربة التحولات والتغيرات التي تعيشها الثقافات والحضارات، بتوجهاتها الإيجابية، أو السلبية كانت وستظل موضوع جدال وبحث. وهو أمر جد طبيعي، بالنظر إلى ما تقدمه حصيلتهما من معطيات تُعتمد في إماطة اللثام، ولو مؤقتا، عن أسرار التناقضات التي تعصف بصورة الكائن، وهو يتطلع إلى تحقيق نوع من التوازن السيكولوجي والاجتماعي والثقافي، حيث يحدث في كثير من الأحيان، أن تصطدم هذه التطلعات بأضدادها، لتنقلب الصورة على عقبيها بشكل كارثي، كما هو الشأن بالنسبة لراهن سياساتنا العربية، التي تضيع معها كل إمكانيات الفهم والتأويل.

ولعل أهم ما يعنينا من هذه الإشكالية، وفي ظل ما نعيشه من انقلابات درامية، هو مقاربتها على ضوء مفهوم الطفرة المستمد من حقل العلوم الطبيعية، حيث تنضج شروط تمظهر ملامح تلك اللحظة الحاسمة، والفاعلة في التفجير المباغت لحدث التغيير، أو لحدث التحول الانقلابي، الذي يعصف بالأنساق الاجتماعية أو الثقافية أو الجمالية السائدة، بما يخرجها من إطاره المألوف، إلى آخر مفاجئ، معزز بإوالياته الغامضة.

وفي نظرنا إن الوعي بالطفرة، في امتداداتها التاريخية، هو في حد ذاته وعي بالأزمنة المتعددة التي تتعاقب على الصورة ذاتها، بما هي وقائع وأحداث وخطابات مؤطرة بأسئلتها الكبيرة والصغيرة، المنسجمة أو المتعارضة.

كما هو وعي بحجم التناقضات والتنابذات التي تكون الصورة الواحدة مسرحا لتمظهراتها. ما يعني أن دلالة الاقتراب المنهجي من سؤال الطفرة، هو دعوة إلى السفر بين تضاريس أرضية مجتمعية أو ثقافية، مغرقة في التباساتها، بغاية جس نبض ما يعتري أحوالها من ارتجاجات وتشققات، خاصة بالنسبة لتلك التحولات، المؤدية إلى تفجير مكائد الحروب المفبركة، بما يترتب عنها من تداعيات جحيمية تجد ملاذها الآمن في ما يتم بناؤه من خطابات، ذلك أن الكارثة هي مجال استخلاص الدروس الوقائية، التي يُستأنس بها في مواجهة المخاطر المنذرة بصاعقة ما.

كما أن إضاءتها تسعف في استكناه آلية اشتغالها، كلما تحقق شرط الوعي بها، كي لا تظل منغلقة على قوانينها الداخلية، الموغلة في غموضها، أو المحروسة بمشتقات الرؤية القدرية للعالم.

وإذا ما حاولنا الاقتراب مؤقتا من إشكالية التحول، بمعزل عن أي رؤية نظرية جاهزة، فسوف نجد أنفسنا بصدد مقاربة التغيرات التي تتسرب أشكالها المتعددة إلى تفاصيل الصورة ككل، والتي لا تستطيع أن تحتفظ بنقائها وبانغلاقها الدائم على ذاتها. ذلك أن مبالغتها في نقائها، لا يمكن بالتالي إلا أن يؤدي إلى طمس ملامحها، ما يلزمها بالانفلات من حيزها الأصلي، ضمانا لتأكيد استمرارية اندماجها في مسرح التحولات، حيث تتجمهر صور الآخرين، بانتظار انصهارها أو احتراقها في أتون توقعاتهم.

إن هذه الفضاءات الطبيعية والاجتماعية، تمتلك كافة الشروط المؤثرة في إنجاز مختلف أنواع التحولات، سواء على مستوى البنيات المجتمعية، أو على مستوى ما تؤسسه من خطابات فكرية وإبداعية، وهي تحولات قد تتخذ منحى موضوعيا أو محرفا، تبعا لطبيعة العلاقات التي يحدث أن تندمج فيها هذه الكائنات، عن قناعة، أو تحت وطأة إكراه ما. وبفعل هذا التحول، تتحقق مراوحة الذوات بين عوالم المسخ، وأخرى طوباوية، حيث يمكن للذات الواحدة أن تتنقل عبر أزمنة وأمكنة وملابسات موسومة بقطائعها الجذرية.

    الوعي بالطفرة، في امتداداتها التاريخية، هو في حد ذاته وعي بالأزمنة المتعددة التي تتعاقب على الصورة ذاتها، بما هي وقائع وأحداث وخطابات مؤطرة بأسئلتها الكبيرة والصغيرة، المنسجمة أو المتعارضة

إن الأمر هنا يختلف بشكل تام عن منهجية التدرج المتعلقة بالتسلسل والتعاقب الزمني، الذي تتحكم قوانينه في ملامح وهيئات الذوات، خلال المراحل الممتدة بين زمن ظهورها وزمن احتجابها، بما تتضمنه هذه المراحل من طفولة وشباب وكهولة، التي تقارب بها عادة حيوات الشعوب والحضارات، والأنساق الفكرية والإبداعية، لأن حركية ومصائر الكائنات ككل، مقيدة بقوانينها المشتغلة في تفاصيل الصيرورة القائمة بين لعبة الشروق والأفول. وهو ما يمكن اعتباره الإطار العام الذي يشمل تلك التحولات التي نحن بصددها. أي المتمثلة في قابلية الذات، أو الشيء، للتناسخ الطوعي أو القسري، في هيئات قد تكون منفصلة تمام الانفصال عن بعضها، إلى درجة يتعذر معها استعادة الأصل الذي تدرجت منه، ومعرفة الخيوط الخفية المضمرة، القائمة عادة بين هيئة ما وغيرها من الهيئات المتفرعة عنها.

هذا الإشكال، يمكن أن يسمح لنا بالتعرف على علاقة المفرد بتعدده، حيث يمكن طرح سؤال إبستمولوجي، يخص حدود القرابة بين الصورة الأصل، التي احتجبت، ومجموع ما تفرع عنها من صور، إلى جانب التساؤل عن حدود القرابة ذاتها، القائمة بين الصور المتفرعة، مع احتمال حضور ما ينفي أي قرابة ممكنة بين الأصل والفروع، وتلك القائمة بين الفروع في ذاتها، أيضا وفي السياق نفسه، يمكن التوقف عند اللحظة الغائمة التي تمهد لبداية حدوث التحول، بغية التدقيق في الأسباب المؤدية إلى تفعيله، وهي أسباب يرتبط بعضها بهوية الشيء/موضوع التحول، وبعضها الآخر مرتبط بالعناصر المتضمنة للخصوصية التحويلية، ثم إلى جانب ذلك، ثمة سؤال منهجية التفاعل القائم بين هذه العناصر، والشيء/الأشياء الخاضعة أو المحفزة له.

ومن المؤكد أن هذه المعادلة القابلة لأكثر من مقاربة ولأكثر من تحليل، هي بمثابة نواة نظرية، يتمحور حولها الكثير من الإشكاليات المعرفية، خاصة منها صيرورة التشكل الكوني، بما يندرج فيها من مشتقات وملحقات مادية ورمزية، حيث نجد أنفسنا أمام فضاء تتمسرح فيه القناعات التي يشتغل أغلبها بمنطق التسلسل الكرونولوجي، المحكوم ببعدي الحضور والغياب، مع قابلية إضافة بعد ميثولوجي، يتجسد في الانبعاث.

أيضا، بموازاة هذا الفضاء، يتموضع التمسرح السعيد أو الدرامي للمشهد الذي يحتفظ فيه الأصل بسلطته، وبوصايته على مجموع ما يتفرع عنه من صور وأشكال. سلطة، لا تملك معه هذه التفريعات أي حق في إعلان استقلاليتها وتفردها، ضمن أي قطيعة محتملة. مع الأخذ بعين الاعتبار، تمسرح ما نعتبره تمردا خفيا أو معلنا، للصور المتناسلة من رحم هذا الأصل، على كل ما يمكن أن يمارس في حقها من هيمنة تملكية، تحول بينها وبين الإعلان عن استقلالية حضورها ضمن تفاعلها العام بغيرها، أو بانفصال تام عن هذا الغير. باعتبار أن استقلالية الحضور، هي أول شرط من شروط الاندماج .

وإذا كان هذا التوصيف يبدو للملاحظ من حيث الظاهر مغرقا في تجريديته، فإنه إلى جانب ذلك، يخفي في باطنه حالة رهيبة من الارتياب، التي يستحيل إنكارها أو صرف الانتباه عنها. مع العلم أن الارتياب هنا، قابل لأن يكون مقابلا موضوعيا للقلق، للحيرة، للخوف كما للذة وللفرح .

عموما، وبغير قليل من المصادرة، يمكن الإشارة في معرض حديثنا عن هذا الباطن، إلى حالة قاسية من العنف الدرامي الناتجة عن حتمية انفلات الصورة من ظلمة الرحم، باتجاه شمس التحولات الحارقة التي ما من مدارات واضحة لأفلاكها، إن ضرورة الانفلات من حميمية التشكل البدئي، القائم داخل رحم الأصل، هي من أهم قوانين الرحم ذاته، الذي لا يمكن أن يسمح للصورة بتجاوز حد تشكلها البدئي، والذي قد يؤدي إغفاله إلى إجهاض تام، بما هو حالة موت، وحالة نفي أبدي يمارس عليها، كي لا تلج مطلقا مدارات التحول التي قد تكون بانتظارها.

إننا نشير هنا رأسا إلى النسف العنيف، الذي يمكن أن يتعرض له زمن الإقامة الآمنة في حميمية رحمها، الموهم بإمكانية تماهيه مع جنة منيعة، لا تتسرب لكنه التيه إلى معاقل لغاتها، ولن يكون ثمة من إمكانية لتلافي هذا النسف إلا بالخروج، وبالمغادرة في صيغة انبجاس أو انبثاق، مطالب بمناورة ما يترصده من مصائر وأقدار. إن الزمن هو الأرضية التي تتحين فيها الأشياء والظواهر فرصة تحولها، بممارستها لفعل الامتداد أو التقلص، بالإيغال في الظهور أو الغياب، مجددة اخضرارها، أو منكبة على تسريع صفرة هي صدى ذبول محتمل، أو احتراق مباغت. إن الزمن هنا غير مجرد، إنه مدجج بأبعاده المادية التي يتغلغل تأثيرها في نسغ الذوات، وفي نسغ العناصر، بدون أن يغفل لحاء الكينونة.

 

  • شاعر وكاتب من المغرب


إقراء أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي