"طالعات".. خطاب نسوي مفارق للسائد في العالم العربي

2019-11-17 | منذ 4 أسبوع

شيرين أبو النجا*

ما كان لجريمة قتل الشابة ذات الواحد والعشرين عاماً، إسراء غريب، أن تمر بهدوء لا يعكر صفو وأمان المنظومة الأبوية السلطوية.

قتلت تلك الشابة في بلدة بيت ساحور القريبة من بيت لحم على يد عائلتها التي أرادت أن تغسل عار خروج ابنتها مع خطيبها. بهذا الحسم، تندفع الأبوية نحو تطهير وتنقية صفحة سمعتها، أو ما تتوهم أنه كذلك. وقع الكثير من الجدل واللغط حول هذه الجريمة - محلياً ودولياً - واضطرت السلطة الفلسطينية تحت الضغط المجتمعي الشديد لأن تتعامل مع الأمر بوصفه جريمة، وهو بالفعل جريمة حولتها الأعراف الأبوية إلى أحد طقوس العادات والتقاليد، فكانت (ولا تزال) تمر مرور الكرام.

ليست جديدة جرائم الشرف في مجتمعاتنا، ولا يبدو أنها تثير دهشة، أو غضب القوانين، طالما أنها لا تمس مصالح علاقات القوى. لكن الجديد في الأمر، الذي يدعو إلى الفخر، وينبت بذوراً من الأمل هو الحركة التي تشكلت إثر هذه الجريمة، وأطلقت على نفسها "طالعات".

تشكلت المجموعة من نساء فلسطينيات مستقلات نظمن مسيرات في عدد من البلدات والمدن الفلسطينية - حيفا، الطيبة، رفح، رام الله، الجش، القدس، يافا، الناصرة، وعرابة ـ،  يوم 26 أيلول/ سبتمبر الماضي، من أجل مناهضة كل أشكال العنف ضد النساء في المجال الخاص (العنف المنزلي) والعام. قد يقول قائل إن مناهضة العنف ضد النساء ليس جديداً. الجديد في "طالعات" أنها خرجت من، وتشكلت على خلفية، بلد يقع تحت الاحتلال. والمعروف في الأدبيات النسوية أن القضية الوطنية بشكل عام تحتل الأولوية على أي قضية أخرى (الفساد، الاستبداد، العنف على سبيل المثال وليس الحصر)، فكيف يكون الوضع إذا كان هذا البلد واقعاً تحت الاحتلال؟

   

"تشكلت المجموعة من نساء فلسطينيات مستقلات نظمن مسيرات في عدد من البلدات والمدن الفلسطينية: حيفا، الطيبة، رفح، رام الله، الجش، القدس، يافا، الناصرة، وعرابة، يوم 26 سبتمبر الماضي"

 تعاني المجتمعات في ظل الاحتلال من ناحية تأجيل كل القضايا التي تدفع بتقدمها، وبهذا تكون المعادلة صحيحة. فالاحتلال لا يهمه مطلقاً الحراك المجتمعي، بل إن مثل هذا التأجيل يصب في صالحه.

ودائماً ما يكون على النساء دفع أثمان كبيرة للحفاظ على هوية "جامدة" ثابتة للمجتمع من أجل مواجهة الاحتلال. فأحد أشكال مناهضة الاحتلال هو التمسك بالتقاليد والعادات والدين، وكلها لا يمكن أن تتجلى بوضوح إلا من خلال النساء اللاتي تختزن أجسادهن "شرف" المجتمع.

لكل ذلك لا بد من غسل العار الذي قد يؤدي إلى فقدان السلطة الأبوية (الواقعة تحت الاحتلال أيضا) هيبتها وعنفوانها. ولأن هناك ما هو أهم الآن فلا داعي لإضاعة الوقت في مناقشة العنف ضد النساء. عندما نحرر البلدان سنقوم بالنظر في هذه الأمور الثانوية (منظومة جزائرية بامتياز).

من هنا، تنبع أهمية حركة "طالعات"، التي كانت تنشد في مسيرات 26 أيلول/ سبتمبر "طالعات وطالعات، بدنا نعيش محررات".  حمل الاعلان عن المسيرات الجملة التالية: "#طالعات لنحارب الأبوية في كل مكان، ولنحارب الاستعمار والأبوية في فلسطين، لأن لا عودة ممكنة دون وجود لوطن حرّ إلا بنساء حرّة".

خرجت المسيرات تنادي بالثورة على الأبوية والذكورية والعنف، وتحول الاحتلال إلى أحد تجليات الأبوية - وهو بالفعل كذلك. أعادت حركة "طالعات" تشكيل أولوية القضايا، ووضعت العنف ضد النساء على رأس القائمة، وهذا أمر لم يحدث منذ عام 1986، حين أصدرت كوماري جياواردينا كتابها "النسوية والوطنية في العالم الثالث"، وتناولت فيه العالم العربي، وبلدان جنوب شرق آسيا، وخلصت إلى أن كل البلدان التي تقع تحت الاستعمار، أو خرجت منه حديثاً، لا يمكنها استيعاب، أو طرح القضية النسوية، بمعزل عن القضة الوطنية. وظل هذا الكتاب هو الدليل المعتمد لقراءة أي حراك نسوي في العالم العربي، ناهيك عن تأكيد النسويات دائماً أن الحراك لا ينفصل عن قضايا الوطن، أو يخالف الدين.

تبدأ "طالعات" حملتها الإلكترونية، وفي الشارع، لتواجه كل هذه الأطراف، بما كان يجب أن يُقال منذ زمن: نحن طالعات ضد الأبوية (نعم ضدكم أنتم).

وتؤكد الهتافات أن الحركة هي امتداد للحراك الثوري (الذي كان يصل إلى قضايا النساء، ويتوقف، لأن هناك الأهم) الذي"ينادي: "ثورة ضد الذكورية، ضد الأبوية، ضد الاستعمار".

أما الأهمية الأخرى لهذه الحركة فهي قدرتها على تجاوز الحدود الجغرافية (بعد أن تجاوزت الحدود المجتمعية)، ففي اليوم نفسه خرجت مسيرات في بيروت، وبرلين، تنادي بالشعارات نفسها. وإذا كانت تلك المسيرات قد دعت لها فلسطينيات، إلا أنها لم تكن قاصرة عليهن، وهو ما يعني أنها حركة عابرة للحدود، وغير مرتبطة بسياق معين، وفي 1 تشرين الثاني/ نوفمبر عادت المسيرات لتظهر في برلين، ولندن، مرة أخرى، لمناهضة تعذيب الأسيرات في سجون الاحتلال.

   

"أعادت حركة "طالعات" تشكيل أولوية القضايا، ووضعت العنف ضد النساء على رأس القائمة، وهذا أمر لم يحدث منذ عام 1986، حين أصدرت كوماري جياواردينا كتابها "النسوية والوطنية في العالم الثالث"

أما الأهمية الرئيسية التي أراها لهذه الحركة، فهي طرحها لخطاب جديد مفارق تماماً لخطاب النسوية السائد في العالم العربي (الذي يتخذ موقف الدفاع دائماً)، وهو أيضاً لا ينهل من الخطاب الغربي الذي يُركز على كون النساء ضحايا في العالم العربي، ويهلل كثيراً لأي بادرة "تمكين".

بمعنى آخر، لا يمكن للخطاب أن يتشكل بدون أن يكون له جذور في الشارع، فتتحول رؤية النضال إلى خطاب فكري.

  • ناقدة وروائية مصرية


إقراء أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي