
هايل علي المذابي- يعتبر عنصر "الاستدامة" من أهم العناصر التي يوصي بها عصر المعرفة الذي نعيشه حيث بدون هذا العنصر لا يمكن الرهان على بقاء أي كائن على قيد الحياة سواء أكان كائنا حياً له جسد وروح خلقه الله أو أوحى به إلى عبد من عباده كما يتجسد في النصوص المقدسة؛ أو كائناً خلقه الإنسان كأن يكون منتج مادي أو محتوى فكري كالنصوص بكل أنواعها أو حتى مشاريع استثمارية (ربحية وغير ربحية) في كل الاتجاهات والمجالات.
ومفهوم الاستدامة قد ظهر في الثمانينيات من القرن الماضي كمصطلح بيئي يصف كيف تبقى الانظمة الحيوية متنوعة ومنتجة مع مرور الوقت؛ والاستدامة بالنسبة للبشر هي القدرة على حفظ نوعية الحياة التي نعيشها على المدى الطويل وهذا بدوره يعتمد على حفظ العالم الطبيعي والاستخدام المسؤول للموارد الطبيعية.
وعندما نتحدث عن الاستدامة في سياق العمل المسرحي فلابد من الإشارة إلى أن العمل المسرحي هو عمل بيئي ولكن من نوع اجتماعي وإذا كان الحياة مسرح كبير فالاستدامة تمثل أهم العناصر الواجب توافرها في هذه الحياة؛ وإذا ذهبنا للحديث عن تفاصيل عناصر الاستدامة في أي عمل فني فسنتحدث أولا عن النواة الأولى لتكوين أي عمل مسرحي، وهي نواة النص؛ والنص مثل الإنسان فلا يمكن لأي إنسان أن يحقق الاستدامة إلا بالقيم الأخلاقية والإنسانية والأثر الطيب الذي يخلده في نفوس الآخرين بالإضافة إلى الإضافة العلمية التي قد يقدمها في مشوار حياته؛ وهذا يمثل التوجهات الفكرية للإنسان والنص الأدبي والفني عموما؛ وهنا يتقاطع النص المسرحي تقاطعا كاملا مع هذا السلوك الذي ينتهجه الإنسان في حياته والنص السيء التافه لا يختلف أيضا عن الإنسان التافه والسيء في سلوكه وأخلاقه، إذ أنه لا يمكن أن يحقق أي استدامة من أي نوع على الأقل في الجانب الفكري، بل على العكس فإذا ما توافرت له بعض الظروف التي قد يصبح مشهورا بسببها فهنا ستصبح له استدامة سلبية حيث سيحتاجه أبناء الأجيال القادمة بالضرورة كنموذج لفهم النقائض الأخلاقية وجوانب الشر وإمكانية وجود سيئين في الحياة البشرية تماما كما تصور لنا ذلك النصوص الدينية حيث يرد فيها امثلة لنماذج سيئة جدا من أقوام وأشخاص ثم نرى العاقبة التي آلت إليها أحوالهم نتيجة لذلك السلوك.
إذن القيمة الأخلاقية والإنسانية وصفات النبل والشرف والعزة والرفعة وأخلاق ذوي الهمم هي فقط ما يمكن أن تحقق الاستدامة الإيجابية في العمل المسرحي على صعيد النصوص ولا ضير في أن يذكر بالإضافة إلى ما يجسد تلك القيم في النصوص المسرحية والفنية بجميع أشكالها نماذج تجسد الطرف النقيض الذي يمثل قيم الوضاعة والخساسة والشرور عموما لإن كلاهما يلخصان حقيقة ما يحدث داخل النفس البشرية الواحدة من صراع ونزاع بين قيم الخير وقيم الشر....
وبناءً على هذا التأسيس الفكري حول "عنصر القيمة"، وكيف يتقاطع المسرح مع مفهوم الاستدامة البيئية والاجتماعية والمعرفية، يمكن تفكيك بقية عناصر الاستدامة في العمل المسرحي إلى أربعة عناصر رئيسية أخرى تتكامل مع النص والعرض وهي (الجماليات، التقنية، الاقتصاد، والمجتمع).
ومن حيث الاستدامة الجمالية والفنية التي هي (عنصر التجدد والخلود) نجد أنه إذا كانت القيمة الأخلاقية هي "روح" النص والعرض، فالجماليات هي "الجسد" الذي يحملها، هي مرونة التأويل، فالنص المستدام هو الذي يتجاوز سياقه الزمني والمكاني المباشر ليحتمل قراءات وإخراجات متعددة عبر العصور (كما حدث مع مسرحيات شكسبر أو التراجيديا الإغريقية). ثم اللغة والرمز، حيث أن استخدام لغة فنية عالية ورموز إنسانية عميقة تمنع العمل من "الانتهاء" بمجرد كشف حبكته. بالإضافة إلى ذلك فإن البناء الدرامي المتماسك، هو البنية القوية التي تصمد أمام تغيّر أذواق الجمهور عبر الأجيال.
وأما الاستدامة التكنولوجية والافتراضية (عنصر العصرنة والتكيف) فنعني بها أننا في عصر المعرفة والواقع الافتراضي، ولم يعد المسرح محصورًا في خشبة من خشب وستار من قماش، فالأرشيف الرقمي والتفاعل الافتراضي نستطيع به تحويل العرض المسرحي من حدث لحظي ينتهي بإنزال الستار إلى كائن ذكي يمتد في العوالم الافتراضية (Digital Twin / XR / Metaverse)، مما يمنحه فرصة العرض اللانهائي لجمهور عابر للقارات.
كذلك فإن الذكاء الاصطناعي والروبوتية، تعني إدماج التقنيات الحديثة كعناصر سينوغرافية أو تمثيلية تفاعلية تعيد تشكيل تجربة المتلقي وتضمن جاذبية العمل للأجيال الرقمية (Gen Z وما بعدهم).
وأما عنصر الاستدامة البيئية والمادية (عنصر المسرح الأخضر) فهو إسقاط المفهوم البيئي الأصلي للاستدامة بشكل مباشر على صناعة العرض المسرحي، من حيث أن السينوغرافيا الخضراء (Eco-Scenography)، تعني الاعتماد على خامات قابلة لإعادة التدوير أو التفكيك وإعادة الاستخدام في الديكور والإضاءة والملابس. عدا ذلك فإن كفاءة الطاقة، يستطيع تقليل البصمة الكربونية للإنتاج المسرحي من حيث (استخدام تقنيات LED الحديثة بدلاً من الإضاءات الحرارية المستهلكة للطاقة، وتقليل نفايات العروض).
وأما العنصر الخامس فهو الاستدامة الاقتصادية والتطويرية (عنصر الاستثمار الثقافي)، فالعمل المسرحي لا يستمر إن لم يمتلك نموذج عمل ينظم الموارد ويضمن استمرار الإنتاج، وعليه نجد أن الهندسة الثقافية (Cultural Engineering) مهمة جدا حيث أن إدارة الإنتاج المسرحي بعقلية توازن بين القيمة الفكرية/الجمالية وبين الربحية أو الاكتفاء الذاتي المالي. بالإضافة إلى ذلك فإن فن صناعة الجمهور (Audience Development)، مهم جدا فبه يمكن بناء علاقة ممتدة مع المتلقي تجعله شريكًا في العملية المسرحية وليس مجرد مستهلك، مما يضمن تدفقًا جماهيريًا مستدامًا.
وأما العنصر الأخير فهو عنصر الاستدامة المجتمعية والتاريخية (عنصر الأثر والذاكرة)، والذي يعني تفكيك الشفرات الثقافية، أي كشف وتفكيك التحولات المجتمعية ليكون العرض المسرحي "وثيقة حية" تُقرأ منها تحولات الشعوب. وكذلك يضاف إليه بناء الوعي النقدي، وتحويل المسرح من وسيلة ترفيه مجردة إلى "مختبر اجتماعي" يعيد طرح الأسئلة الكبرى ويرتقي بالذائقة الجمعية.
والخلاصة من كل ذلك هي أنه إذا كان "عنصر القيمة" هو البذرة والأصل في شجرة الاستدامة المسرحية، فإن الجماليات، والتقنية الرقمية، والإنتاج الأخضر، والهندسة الاقتصادية، والقيمة الاجتماعية، هي البيئة التي تضمن لهذه الشجرة أن تنمو وتثمر وتعيش عبر العصور.