دراما رمضان تستفيد من أخطائها السابقة وتسير في الاتجاه الصحيح

2026-02-26

كمال القاضي

 

يبدو المشهد الدرامي خلال الموسم الرمضاني الحالي، أحسن حالاً من الأعوام السابقة، التي انتشرت فيها أعمال البلطجة والعُنف على نطاق واسع، فبعد التعليمات التي أخذت شكل التحذير من جهات عُليا، التزم الجميع بالتطبيقات المُناسبة والملائمة للمُجتمع المصري، من حيث الصورة والحوار والخطاب اللائق، ما أسفر عن وجود نماذج جديرة فعلياً بالمشاهدة والتحليل.
برز خلال الأسبوع الأول أكثر من عمل لنجوم كبار، ربما يأتي في مقدمة ما تم عرضه مُسلسل «صحاب الأرض» للمخرج بيتر ميمي الذي صار خبيراً في صناعة النوع الدرامي التأثيري، بمواصفاته الفنية عالية المستوى، بمُختلف مفرداته القوية من صورة وموسيقى وديكور وإضاءة، فضلاً عن الأداء التمثيلي الأكثر إتقاناً وحساسية للأبطال الرئيسيين، منة شلبي وإياد نصار، أو الثانويين من أصحاب الأدوار الثانية والثالثة والمجاميع والكومبارس، كل في مكانه يؤدي بحماس وإخلاص ومسؤولية وصدق.
الرؤية الإبداعية لمن لم يروا غزة في نكبتها وقتالها ومقاومتها، وشُح الطعام والشراب والغطاء والكسوة والأمان، هي شيء مُفارق تماماً لما نقلته وسائل الإعلام المسموعة والمرئية طوال فترة الحرب، التي تجاوزت العامين، فالتصوير عبر عدسات الصحافيين والإعلاميين بزوايا محدودة لم يكن أبداً كافياً، ولا شافياً للاضطلاع بالحقيقة العارية، كما يعيشها سُكان القطاع المقاوم العنيد.
أولاً ومن حال المبتدأ يأتي عنوان المُسلسل المُختلف شكلاً وموضوعاً «صحاب الأرض» موحياً ودالاً بما هو تاريخي وجغرافي، ففلسطين للفلسطينيين، لا لغيرهم، ومن ثم فحق المقاومة عادل ومنطقي، وتلك جزئية أصيلة في التضمين الدرامي الواقعي والإنساني، ومنها يُستخلص الصدق في التناول وقراءة المُعادلة وفق المعقول والحتمي.
المُسلسل لا يُقدم فقط صوراً نمطية للعدوان الإسرائيلي الهمجي على أهل غزة، وبقية القطاعات الأخرى المُحتلة، فهذا معلوم بالضرورة من واقع المُمارسات منذ بداية النكبة في عام 1948 وثابت بالأدلة والمُستندات الناطقة والمرئية على مدار الأزمة الطويلة. إن جُل الحقيقة والبيان هو ذلك التوثيق على المستوى النفسي والمعنوي، فالفلسطيني ككيان إنساني مُتمثل في الطفل والشاب والرجل والمرأة والفتاة مجبول على الكبرياء والعزة والكرامة، يرفض الذل والانكسار، ويقاوم حتى آخر رمق، ولديه القُدرة على قلب الهزيمة إلى انتصار في أزمنة قياسية، انتصار يُعجز العدو ويدفعه إلى التفكير في وسائل عدوانية بديلة، لأن المُقاتل الفلسطيني يدحض كل آليات القمع. هذا الجانب يوضحه مسلسل «صحاب الأرض بجلاء، دون مُباشرة، حيث ثبات العلاقات الإنسانية بين الفلسطينيين بعضهم مع بعض هو دحض لقوة العدو وتصوير بليغ للتماسك والصمود والتحايل على أزمات الغذاء والكساء، وسياسة العزل والحصار والتجويع. كل هذه العناوين هي ذاتها مُفردات القوة التي يحتمي بها المُناضلون والمقاومون، فتلك الرسائل الضمنية كشفت عنها الدراما المسؤولة التي حظيت بالإعجاب والتأييد، بمجرد عرض الحلقات الأولى لبانورما التوثيق الدرامي الوطني المُعزز بالحقائق والأدلة والشواهد والبراهين.
هناك أيضاً أعمال لها الإبهار ذاته، الفكري والموضوعي، كمسلسل «حد أقصى» بطولة روجينا وخالد كمال ومحمد القس، فالمؤلف هشام هلال وضع يده على مواطن الخلل في المجتمع المصري، واختار من المؤرقات قضية القروض والبنوك وعمليات الاحتيال والنصب والطمع، وأسباب الاستدانة وركز على الأحلام الوردية للمواطن المحروم الذي يعيش في وهم الثراء المفاجئ. هذه النقاط الجوهرية هي التي ركزت عليها المخرجة مايا زكي بغرض التوعية والتبصير، بما يُشير فعلياً إلى نضج المُعالجة الدرامية وابتعادها عن الفوضى والحشو، واستخدام الأسلوب الشعبي المُغرق في المحلية والسوقية، لإقناع المُتلقي بواقعية الأحداث!
صوت محمد منير أضاف بُعداً شجياً للقصة الدرامية التراجيدية، بأغنية التتر، وهو مكسب ظل غائباً لعدة مواسم، كما أن صوت علي الحجار يُضفي جمالاً من نوع خاص على أجواء وتفاصيل مسلسل «رأس الأفعى» لأمير كرارة، باعتباره واحداً من الأعمال النوعية القوية، التي تنتمي للدراما الأمنية، فالمسلسل يُقدم واحدة من عمليات التحدي الأمني في مواجهة الإرهاب في وقت سابق.
ويُعد مسلسل «عين سحرية» لباسم سمرة ضمن الأعمال المهمة فناً وتمثيلاً، فضلاً عن دقة ما يطرحه من تفاصيل تخص حرية المواطن وأمنه الشخصي، فالعنوان يُشير إلى داء المُراقبة الذي يُمثل قيداً على المواطن الشريف، الذي عادة ما يكون ضحية للشُبهات والاتهامات الباطلة جراء شكاوى كيدية نتيجة المُشاحنات والضغائن الواردة في العلاقات الاجتماعية بين المواطنين غير الأسوياء.
وهناك بعض المُسلسلات لم تتبلور أحداثها بعد، كمسلسل «البخت» لنسرين أمين و»توابع» لريهام حجاج و«فن الحرب» ليوسف الشريف، حيث تحتاج لمشاهدة أطول وبشكل مُركز، وهذا ما تحول دونه الإعلانات المُكثفة التي تقطع حبل التواصل بين العمل الفني الإبداعي والمُتلقي الذي يُصاب بالتشتت الذهني من فرط تكرار الفواصل المُتتالية.

 












كاريكاتير

إستطلاعات الرأي