
منى ظاهر
يسافر بنا الشّاعر والرّوائيّ الفلسطينيّ سامر أبو هوّاش إلى خرائط سرديّة جديدة، بالانكشاف على الرّواية الأيرلندية الحديثة، عبْر ترجمته البديعة لرواية "حيوانات ساقطة"، للكاتبة الشّابّة شيلا أرمسترونغ، الصّادرة عن دار المتوسّط، 2025، وهي عملها الرّوائيّ الأوّل، بعد مجموعتها القصصيّة اللّافتة الموسومة بعنوان "كيف تنظّف السّمكة"، 2022، وقد مُنحت شيلا أرمسترونغ لقب أفضل كاتبة أيرلنديّة صاعدة، من لدُن مؤسّسة البريد الأيرلنديّ.
موسم النُّفوق السّاحليّ
بالتّزامن مع نُفوق فقمة في تجويف صخريّ على شاطئ قرية ساحليّة، تطفو على سطح الحوادث الصّاخبة، حالة العثور على جثّة رجل مجهول على الشّاطئ، وفي إثر التّحقيق عن هويّته، وملابَسات موته، تتضافر أصوات متعدّدة، لشخصيّات الرّواية المتنوّعة، في الإسهام بشهادات، كلّ مِن زاويته، وبحسب طبيعة عمله، حول واقعة العثور على الجثّة، واحتمالات مَن يكون صاحبها الفعليّ. وكأنّ جثّة الرّجل هي محض ذريعة، لتفجير نمط العلاقات الاجتماعيّة بين كائنات هذه القرية الأيرلنديّة السّاحليّة، وهي علاقات هشّة، يسطو على خيوط التّفاعل فيما بينها، الاغتراب والفقدان والحُزن والعزلة.
لا بدّ مِن الوقوف عند المقطع الشّعريّ المُثبت في عتبة الرّواية، وتوظيفه ليس مِن باب الاعتباط، إذ يكاد يوجِز شعريًّا مُجمل تخييل "حيوانات ساقطة"، كما سنكتشف لاحقًا، بعد الانتهاء مِن قراءتها، والتّصدير الشّعريّ مجتزأ مِن قصيدة الشّاعرة الأيرلنديّة إيليان ني تشيلونين، تحت عنوان "جزيرة سكيلينغ في العاصفة":
"ما أنا فاعل ههُنا، يقول الصّوت الجهير العتيق
يد الموج تبلغ أعلى الجبل، ثمّ تضعف وترتدّ
فاردة لحافها على السّفح
حيث في الأيّام الألطف كانت الفقمة تستريح،
الموج ينهمر، ساحقًا الزّهور في سقوطه،
محاولًا معاودة القفز، مرتدًّا مرّة أخرى على نحو رهيب،
وأين الحقيقة وسط الدّويّ والضّجيج؟
يريد أن يعرف، وأين؟
أين صارت الشّفقة؟ صارت في الأعماق
بعيدًا عن الأنظار،
وما حلّ بالزّمن، إذ تُعاد أخبار اليوم،
هادرة كالعاصفة!".
وتلي هذه المجزوءة الشّعريّة، شذرة ثانية، تُثري دَليلَ العلامات، للدّخول في عالم الرّواية، وهي مقولة للكاتب الإسكتلنديّ السّير والتر سكوت، منتقاة مِن روايته "جامع التُّحف":
"ليست سمكة هذه الّتي تبتاعها، إنّها حيوات البشر".
الصّدى العميق أو الظّلّ الوارف لهذين التّصديرين، سنتبيّن أثر معناهما بعد أن نتقدّم في محكيّ الأقسام الثّلاثة للرّواية.
هيكل فقمة، جثّة رجل، وحطام سفينة
في الفصل الأول، ننفتح على شخصيّة "جامع الجيف"، في لحظة الفجر المنقشع على فقمةٍ نافقة بلا عينين، بينما أحوال الشّاطئ تتموّج على مرمى حُطام سفينة ومنارة راصدة. هو شهر آب المعروف بشتات قواقع القنافذ البحريّة. يرصدها "جامع الجيف" المدعوّ "فرانك"، وهو في مهمّة للتّخلّص مِن جثمان الفقمة العالقة في التّجويف الصّخريّ، إذ يتعيّن عليه نقلها إلى المحرقة، بإيعاز مِن البلديّة حيث القرية في الأعلى (عادة ما تكون القرية رماديّة كئيبة، تتلظّى في الحرّ مثل حرباء نائمة).
وحيث تنتشر براغيث الرّمل، يتفاجأ "فرانك" وهو يرنو إلى عشب المَارام بجثّة رجل في صدْع المنحدر. رجلٌ يجلس بهدوء بين الكثبان ورِجلاه ملتحمتان عند الكاحلين، كذلك أصابع يديه مشتبكة كأنّما يستريح.
بعد "فرانك- جامع الجيف"، تلوح "أونا" وحفيدها الّذي يسبح في الشّاطئ، وهي مستغرقة في نزهة أسبوعيّة معتادة، لِحفظ توازن القلب. "أونا" مِن المُقيمات في القرية منذ 70 عامًا، تلتفت إلى مروحيّة خفر السّواحل، فتمشي قريبًا مِن حُطام السّفينة. هناك تتفاجأ هي الأخرى بجثّة رجل في مثل عمرها تقريبًا؛ بشعر رماديّ ووجنتين غائرتين، عينان مزمومتان، تحدّقان إلى البحر. تلاحظُ سقوط خاتمه، وتتيقّن مِن أنّ الميّت لا يمتّ لهما بِصلة، لكنّها وحفيدها حزينان. الرّجل ليس مِن أهل القرية كما يُجمع أهل الحانة، هناك تحكي "أونا" وتعيد لكلّ مرتاد جديد المكان، حتّى تثمل ويتّصل السّاقي بحفيدها ليأخذها.
ويأتي دور الطّبيبة "تيريزا" لتتأمّل المنحدر، محاوِلة تخيّل المسار الّذي قد يسلكه جسد بشريّ عند سقوطه، ليستقرّ هناك في أعشاب المارام. سقوط باحتماليْن، ناتج عن حادث، أو عن عراك. لكن مع انتفاء الكدمات في الجثّة، تنتفي فرضيّة العنف، وتقدّر الطّبيبة عُمر الميّت- في أواخر السّتّين، مع ذلك، رفع الأخصائيّون الجنائيّون البصمات.
حدْس الطّبيبة يقول: مات غرقًا، لكنّ وضعيّة الجثّة المثاليّة جعلتها تتدارك أنْ لا. لا معلومات يعثُر عليها الرّقيب "غافن يونغ" فبصمات المتوفّى غير مدرجة في قاعدة البيانات، ممّا يجعلها تميل لوضع جثّة مجهولة الهويّة.
"هي رواية تراهن على تعدّد الأصوات، لا تتْبع خطًّا تقليديًّا في التّحرّي البوليسيّ"
الشّيء اللّافت أنّ بنصره مبتور، ولا علامات تدلّ على الغرَق الكلاسيكيّ، يقول بيان التّشريح. أكثر مِن ذلك لا دليل على تعنيف باليد أو السّلاح.
لا انتحار. لا جريمة قتل. لا حادث. هي محض وفاة لأسباب طبيعيّة. تقول.
يمرّ شهر والجثّة لا تزال مجهولة الهويّة، فتُدفَن بدون شاهدة في مقبرة عموميّة على أطراف القرية، محفوظة هناك تمهيدًا لنبْشها إذا ما دعت الضّرورة لذلك.
تتوالى شخصيّات أخرى في هذا الفصل، منها: الابن "صاحب الدّرّاجة الهوائيّة"، الذي يزعم رؤيته للرّجل، وحكاية "أمّه المقعدة" على كرسيّ متحرّك، و"داراغ" السّائق الذي تهتزّ ثقته في ذكرياته، و"يوسف" المرتحل وحكاية الحقيبة الأرجوانيّة الّتي تركها الرّجل الميّت.
البحر والقرية: الملتقى والمفترَق في آن
في الفصل الثاني، ننكشف على حكاية البحّار "مانوي"، حيث البحر بوصفه الملتقى والمفترَق، والطّاهية "ليلى" التي فقدت ابنتها، ومُشعِل الحرائق "دونال" المسؤول عن إحراق حطام السّفينة وما ينتابه مِن تأنيب ضمير على محو آثار ما مضى، والغوّاص "روبرت" مستكشف بقايا السّفينة في عمق البحر، والرّسّامة "ريا" الّتي تحاول تخليد حطام السّفينة، مثيرة جدليّة العلاقة بين الفنّ والذّاكرة، وصاحب "حانة مورفيز" المدعوّ "ماتياس" الّذي تصطخب في فضائه حيوات القرية، حيث المجتمع الصّغير يصدح بتناقضاته، وكلّ زائر يبدي رأيه في جثّة الرّجل الغريب.
وفي الفصل الثالث، تبزغ شخصيّة الأرملة "مونيك" الّتي شاهدت صورة الرّجل الميّت في نشرة أخبار بستراسبورغ، ثمّ أبلغتْها الشّرطة الفرنسيّة باحتمال أن تكون جثّة الرجل لزوجها، فتسافر إلى القرية الأيرلنديّة ولا تعتزم العودة، وهي تدّعي أنّ الرّجل الميّت هو زوجها المدعوّ "توماس ماير". بالمقابل ينزعون خاتم الميّت مِن إصبعها بعد أن تأكّد لهم بأنّ ما تقوله محض تلفيق وأكاذيب، وبأنّ "توماس" شخص آخر يمارس التّمثيل. وفيما يخصّ سبب الوفاة يرى الشّرطيّ "رافن"، بأنّ الأمر يتعلّق بسرقة تفاقمَت إلى جريمة قتل، حيث أثَر ضرْبة على قحفة الرّأس، ولأنّ المسألة تظلّ لغزًا، يعتقد الشرطيّ "رافن" بأنّها البداية السّيّئة لانهمار جثث أخرى على السّاحل. وأمّا دوْر الكاهن "أوتول"، فالصلاة في الجنازات وهو يُعمِل نظره في ثالوث الموت والإيمان والخلاص، وله علاقة وثيقة بحيثيّات تحطُّم السّفن، ورجالها المفقودين. ومِن بين الشّخصيّات الوافدة إلى القرية، السّاقط "غونار"، وهو أيسلنديّ مسؤّول عن مرساة السّفينة، وظّفوه على متْن السّفينة مِن أجل إضفاء الشّرعيّة على تجنيدهم للبحّارة. وتعزّز الابنة "نيسا" فرضيّات أخرى حول الرّجل الميّت، بلقائها لـ"ميتشل" في الحانة، وفي الشّاطئ بعدئذ... ثمّ تَختتم الرّواية متْنها الحكائيّ بحيّز أفردتْه للموتى، حيث ينتصب اللّوح التّذكاريّ، المبتكَر مِن طرف نحّات ليس مِن أبناء القرية، النّحّات الّذي يضيف لتوّه الميّت الجديد للقائمة، بلا اسم، واصفًا إيّاه بالمجهول، وفي أعلى قائمة أسماء الموتى، يلمع الإهداء:
"إلى مَنْ قضَوا في البحر
ومَنْ ما زالوا يقضون فيه".
قصيدة عذبة عن مآسي السّاحل الأيرلنديّ
هي رواية تراهن على تعدّد الأصوات، لا تتْبع خطًّا تقليديًّا في التّحرّي البوليسيّ، وهي مكتوبة بلُغة شفيفة، بالغة الرّقّة والعذوبة، أقرَب إلى الشّعر، ذات إيقاع هادئ وتأمّليّ، تسمو فيه الطّبيعة، وتصير شخصيّة روائيّة قائمة الذّات، مثل الفقمة، والبحر، وأخشاب حُطام السّفينة.
في مشهد السّفينة المحطّمة، نقرأ رمزيًّا الماضي الّذي لا يمكن الفكاك منه، وخاصّة آثار جِراحه الغائرة في نفوس أهل القرية، وأمّا البحر وتحوّلات السّاحل عمومًا، ففضاء صاخب ثريّ للذّاكرة، للاسترجاعات بحُلوها الضّئيل ومُرّها الوفير، وما يلازم ذلك مِن صور الفقدان والهجرة والموت.
تتسلّل الرّوائيّة شيلا أرمسترونغ إلى وجدان القرية الشّاطئيّة، عبر بساطة ماهِرة، كي تتوغّل في تعقيدات المجتمع السّاحليّ، وبقدْر ما تسعى الرّواية في تشويقها إلى كشف لغز الرّجل الميّت، تسعى كذلك إلى حفْر عميق في طبقات الذّاكرة الإنسانيّة لأهل القرية، بالغوص في وُجدان المكان، بحثًا عن السّبب الوجوديّ وراء لوْثة الحُزن والفقدان الّتي تسود القرية، ونغمة الاغتراب والعزلة الّتي تسطو على تاريخ ووجدان ناسها.