
صالح الرزوق*
ارتفعت حرارة هاكوب، ابن الجيران، واستنجدت أمه أزنيف بالوالدة، فرافقتها أمي، وتبعتها من باب الفضول. وكان هاكوب بعمر خمس سنوات. وجهه أبيض بلون ليرات الفضة، ورأسه على وسادة والده. وهو مخلص جمركي، ونادرا ما يكون في البيت. وحالما لمست أمي جبينه صاحت: الولد يغلي مثل النار. هل رآه طبيب؟
ردت أزنيف: بدل الواحد خمسة.
وأردفت: انظري.
وأشارت إلى طاولة في الوسط. ورأينا عليها كومة أدوية وبقايا حقن وبرشام.
سألتها الوالدة: ما رأيك أن نعرضه على شيخ؟
كانت الوالدة من الجلوم، ومن عائلة محافظة، وسبق لأخوالي وأولادهم أن عالجوا أمراضهم عند رجال الدين. ولا يزال في الجلوم شيخ أو اثنان يزاولان المهنة، وبالتحديد العلاج الروحي. إما بالدق على الطنبور وتلاوة القرآن، أو بحرق البخور وضرب الشيش. نظرت إليها أزنيف باستجداء، وفهمنا أنها موافقة. اليأس يدفع الإنسان لركوب المستحيلات. جهزت الوالدة نفسها، واتصلت بالوالد لتطلب الإذن، وتأهبت بدوري لمرافقتها، فحسب العادات المرعية أن يرافق النساء محرم في أي مشوار يتطلب الخلوة، وابن أو ولد صغير أفضل من تعريض سمعة المرأة للشك وسوء الظن.
سمعت الوالد يسألها: وماذا عن طعام الغداء؟
وكان صوته مسموعا، وهذه إحدى عاداته، يرفع صوته إذا تكلم بالهاتف.
قالت له: لا تشغل بالك. جاهز.
فسألها: وهل معكم سيارة؟
ردت: وما حاجتنا للسيارات؟ الجلوم على مسافة عشر دقائق.
قال لها: وهل حال الولد تسمح بالمشي؟
أجابت الوالدة: ولماذا يمشي.. الولد خفيف، وسنتناوب على حمله.
سمعته يقول: حسنا. ولكن إياكم والحافلات. فهي مزدحمة وغير نظيفة.
ثم أردف بصوت آمر: وعليك أن تتحجبي. وانصحي أزنيف أن تحتشم. مفهوم؟
ردت الوالدة باستسلام: مفهوم.
وأغلقت السماعة.
كان الوالد موظفا في دائرة النفوس. يغادر مع أول خيط من ضوء الفجر، ويأتي بعد المغيب. وغالبا معه أضابير يسميها العمل الإضافي. وكان يسهر عليها حتى منتصف الليل، وهو يشرب الشاي ويدخن.
***
لم تكلفنا أزنيف عناء المشي، أوقفت سيارة أجرة وحشرنا أنفسنا فيها. أنا في المقدمة، والمرأتان في الخلف وبينهما الولد. وتكفلت الوالدة بإرشاد السائق، ولاسيما حينما بلغنا قسطل الحجارين ومداخل العقبة. فهي متاهة، ويختلط فيها نمط البناء التركي مع المملوكي. عدا عن سلسلة من الخانات بأبواب مشرعة على الطريق، وترى في داخلها مانيكانات من اللدائن، وكلها متجردة، بمعنى أنها دون ثياب. وكنت أخجل من النظر لعريها في ضوء الغروب. وحين وصلنا لم أدخل مع الوالدة إلى بيت الشيخ، لأنه اشترط أن أنتظر في الردهة.
احتجت الوالدة أنني محرم.
فرد الشيخ: ولكنه تحت سن الرشد. وليست له ولاية.
فقالت الوالدة: لا أستطيع. نبهني أبوه أن لا نفترق.
ولحسم الموضوع اتفقنا أن نوارب الباب، وأن أرابط أمامه مع السيارة والسائق، وهكذا لا تغيب أمي عن أنظاري. عموما لم يكن للبيت باب، ولكن فجوة يسدها لوح خشب مزدوج، وبعده باحة، وفي وسطها بركة ماء آسن، وخلفها ستارة من الحرير والقصب وعليها رسومات من كل الأشكال، كالنجوم والإسطرلاب ومرساة السفن. بالإضافة إلى دوائر ومثلثات وعيون مفتوحة لا تنام مثل عيون السمك.
بعد ساعة تقريبا حل الظلام، وعاد الثلاثة، يتقدمهم شبح أمي. وتعرفت عليها من بيت المصحف الذي يومض على صدرها. في حين تأخرت أزنيف مقدار خطوتين، وصليبها يلمع في سواد الليل.
سألت الوالدة بصوت خافت: ماما. هل حالة هاكوب صعبة؟
قالت: جدا.
ومالت على أذني وهمست: دخله جني.
هبط قلبي بين ضلوعي. كنت أخاف من شيئين. الجن والظلام. فما بالك إذا اجتمعا في وقت واحد.
ثم سألتها: وهل ستبرز لهاكوب قرون.
فقد كنت أتخيل إبليس بشكل مارد نبت له قرنان.
انتهرتني بقولها: ما هذا الهراء؟
وأردفت بحنان: وعدنا الشيخ أن يتحسن إذا تناول دواءه.
ومدت يدها بباقة من أعشاب الجبل والبرية، وتعرفت بينها على زهور الدفلة والبابونج وأوراق الخبيزة. وتوقعت أنها مثل الكحل للرمد والمسواك لنخر الأسنان والزيتون للرجل الضعيف الذي لا ينجب.
سألتها: هل سيعصرها ويشرب ماءها؟.
لأول مرة ضحكت وهي تقول: أنت مثل أبيك. لا تفكر إلا ببطنك.
ثم أضافت: سنفصد دمه الأزرق، ثم نطهر الجرح بالأعشاب.
سألتها: ولماذا دمه ليس أحمر مثلنا؟
ويبدو أنها ضاقت ذرعا من الأسئلة، أو أنها لم تعرف الجواب، فقالت وهي تنفخ: أوف. وكيف لي أن أعرف. اسأل هاكوب بعد أن يشفى.
حينها كنا قد اتخذنا أمكنتنا في السيارة إلا السائق. وتوقعت أزنيف أنه استغل الفرصة، وذهب إلى السقطية لشراء احتياجاته. فهو سوق شعبي رخيص بناه ابن الناصر صلاح الدين يوم استولى بالمحادثات على قلعة حلب. وكان مدخله أمامنا على شكل قنطرة. تطوعت للبحث عنه. وحالما اقتربت من المخازن، هبت روائح العطورات والتوابل مع زوبعة من الأصوات كأنني أقترب من فرن أو عش دبابير.
***
بعد يومين عادت إلينا أزنيف وهي تندب.
سألتها الوالدة: خير أم هاكوب؟
قالت: من أين سيأتي الخير وهاكوب يموت.
رافقتها الوالدة وهي تثبت غطاء رأسها. والحقيقة أنها لم تكن تتحجب دائما، وكانت قبل سنوات ترتدي تنورة ميني جوب (قصيرة لفوق الركبة)، وبلوزة من دون أكمام. ولكن أشرق الإيمان في قلبها فجأة، مثل كل كبار السن، إذا اقتربوا من الموت يلوذون بالحجاب عساه يردع عزرائيل.
رأيت هاكوب في سريره. كان وجهه يذوب مثل الشمعة، ولم أشاهد عينيه، وكانتا أشبه بعروتين في قميص. وحالما لمسته أمي بيدها صاحت: لا. الحال لا يطمئن. الولد كالمقلاة.
ثم نظرت إلى أمه وصاحت: اطلبي الإسعاف.
أسرعت أزنيف إلى الهاتف، ورأيتها تتدحرج على الأرض مثل بطة خارج الماء، وتبعتها الوالدة، وانتظرت وحدي في الغرفة. كانت رائحة المرض تنتشر فيها مثل رائحة التوابل الحارة في السقطية، ثم رأيت على أحد الجدران صورة وجه إنسان معذب ويتألم، وتحيط برأسه هالة من النور. ولكن لم أتعرف عليه، وتوقعت أنها صورة قديمة لوالد هاكوب، ولم يخطر بذهني أنها لنبيهم المشهور لدينا باسم عيسو.
*كاتب سوري