كونت

2026-04-14

لوحة عن دمشق - تواصل اجتماعيسليم شحرور*

 

(1)


أجلس مع صديقي الكونت وحدنا هادئين، ننظر إلى بعضنا بعضًا بحبّ وامتنان. الليل ساكن. إضاءة خافتة تنعكس على الورود والزهور الصغيرة، وعلى ماء البركة الساكن، تحت ضوء قمر يشعّ بنور مهيب.
تعرّفت على كونت منذ سنة. لم أكن أتخيّل أنّ صداقتنا ستطول. كونت لا يحبّ الغرباء، يتابع كلّ تفصيل أقوم به، متى أنهض، متى أخرج، متى أعود. كلّ شيء. وأحيانًا، أطرح عليه أسئلة فيصغي باهتمام. أشعر بذلك. كونت من سلالة عريقة في بلده الأصلي، ولذلك هو متكبّر وعنيد.
قاربت الساعة ما بعد منتصف الليل بقليل، فشعرت بالملل من تكرار الأيام بلا معنى. أحسد كونت على عيشه، فأبسط الأشياء تسعده.
كونت في مقتبل العمر، قويّ شجاع وجميل. بعد ثلاثة أيام نحتفل بعيد ميلاده الثالث وحدنا.
سوف أحضر له طعامًا خاصًّا بهذه المناسبة، وأتمنّى لو كنت أستطيع دعوة صديقة من جنسه لتحتفل معه.
عيد ميلادي أيضًا قريب، بعد خمسة أيام. وحينها سأنهي عقدي السابع وأنا في صحّة جيّدة، ولا أعاني من آلام، أو أمراض مزمنة.
خطرت في رأسي فكرة غريبة، أن أرحل في هذا التاريخ. سألت نفسي سؤالًا سيّئًا جدًّا. ما كان عليّ أن أسأل! من سيهتمّ بالكونت؟ وهذا ما أحزنني.
اخترت ثلاثة أصدقاء هم الأقرب لي لأناقش معهم هذا التفصيل المهمّ قبل اتّخاذ القرار النهائي. اتّصلت بأوّلهم:
ــ نزار. وين مختفي يا رجل؟ اتّصلت بك أكثر من مرّة. هاتفك مغلق. ما رأيك أن تأتي إليّ الآن.
ــ أجل... مسافة الطريق.
ــ مرحبًا حسين!
ــ أهلًا صديقي! كنت قلقًا عليك. هل تستطيع القدوم إليّ الآن. اصطحب فادي معك، إنّه قريب منك.
ــ أجل. لكن سوف أتأخّر قليلًا.


(2)


أعتذر لأنّي جمعتكم في هذا الوقت المتأخّر. كيف تجرّأت وفعلت ذلك لا أعلم. ربّما أكثرت من الشراب.
ليس مهمًّا، سأتحدّث باسم الجميع، لأنّنا تهاتفنا بعد اتّصالك، وجئنا بسيّارة واحدة.
الجميع سعداء بدعوتك، فما المانع من أن نلتقي في أيّ وقت. وها نحن التقينا.
انظروا إلى كونت كيف ينظر إلينا، كأنّه يفهم لماذا اجتمعنا.
ــ لماذا جمعتنا... أرجو أن يكون الاجتماع على المحبّة والشوق لا غير ذلك.
ــ غير ذلك يا أصدقاء، الاجتماع الثاني سيكون الأخير لي معكم.
سأملأ الكؤوس لنشرب نخب الصداقة.
ــ بصحّتكم!
جمعتكم من أجل سؤال: هل يستطيع أحدكم الاهتمام بالكونت؟
ــ إذًا، ستسافر كما سافر صديقنا محمود! وتخلّى عن الكونت، وتركه بعهدتك.
ــ لا يا نزار. لست محمودًا، وأنتم تعلمون. سأدخل في الموضوع. بعد خمسة أيام سأرحل إلى غير عودة إلى المكان الذي يجب أن أرحل إليه عاجلًا أو آجلًا.
أرجو عدم المناقشة، هذه حياتي. لذلك لا أريد رأيكم فيما عزمت عليه. أريد فقط أن أعلم من منكم يستطيع الاهتمام بالكونت. انظروا إليه، ينظر إليّ من بداية السهرة من قبل مجيئكم كأنّه يعلم ما أنا عازم عليه.
ــ ألا يحقّ لنا أن نعلم ما هو السبب؟ نحن أيضًا نعيش بلا معنى. ولا معنى في هذا العمر أن نبدأ بالبحث عن معنى!
ــ فادي! أرجوك كفّ عن ذلك.
ــ أنا لا أناقش، ولا أحتجّ، أسأل لماذا لا نرحل معًا.
ــ قلتَ معًا، وهل أنا ذاهب في رحلة، لكلّ منّا حياة وعيش مختلف.
ــ أنا مع ما قاله فادي. أخبرنا لمَ هذا القرار المفاجئ، بعد غياب طويل.
منذ ثلاثة أسابيع لم نلتقِ، ولم تفتح لنا الباب. كنّا متأكّدين أنّك في الداخل، وأنّك بخير وتريد أن تكون وحدك أنت والكونت.
ثلاثة أسابيع وأنت تفكّر إلى أن اتّخذت قرارك، وحدّدت التاريخ. أقترح أن نجتمع بعد خمسة أيام لنحتفل معًا بعيد ميلادك.
إذا لم يستجدّ أيّ شيء وأنت ما زلتَ عازمًا على تنفيذ قرارك، تأكّد أنّنا جميعًا سنهتمّ بالكونت جيّدًا، وعندها لا معنى أن نسأل لماذا!
ــ ما رأيكم؟
ــ لا نستطيع مناقشة هكذا قرار، فهو شخصيّ جدًّا.
وحده صديقنا حمزة يستطيع أن يحدّثنا عن السبب إذا أراد.
لنغادر الآن على أن نجتمع بعد خمسة أيام.
ــ يبدو أنّ نزار يريد قول شيء. تفضّل يا نزار.
ــ رأيي أن نرافق حمزة إلى النهاية، نهاية النهاية. نغادر معًا.
ــ أنا جمعتكم من أجل الكونت.
ــ هاهاهاهاها هذا ما يهمّك فقط.
أقترح أن نصوّت. هل الجميع موافق، حتّى حمزة عليه أن يرفع يده إذا كان موافقًا. إذًا، نحن موافقون ما عدا حمزة.
ــ لماذا أنت غير موافق.
ــ أنا لم أدعُكم لترحلوا معي. دعوتكم من أجل الكونت.
صديقي كونت بخير، وسيبقى بخير. إنّه في مقتبل العمر، وهو أجنبيّ، ويستطيع أن يسافر. لديه جواز سفر، وهو من سلالة عريقة، ويحمل شهادة صحّية تثبت أنّه سليم معافى.
نحن حالنا مختلف، اخترنا العودة للبلد بإرادتنا، وجميعنا بعيد عن عائلته، وعن الأولاد والأحفاد والزوجات. ألسنا نحن من أخرجنا عائلاتنا من البلد خوفًا عليهم من ويلات الحرب.
انتهت الحرب، لكنّهم لا يريدون العودة، محمود عاد، ثمّ غادر. لم يستطع العيش بعيدًا عن حفيدته، مع أنّ هذه البلدة الجميلة بلدته، ولديه مزرعة وسيّارة، وكونت صديقه المقرّب. تخلّى عن كلّ ذلك وعاد إلى بلاد الثلج والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
نحن متشابهون جدًّا يا أصدقائي، مع أنّ كلًّا منّا محسوب على ديانة، أو طائفة، وحسين على قوميّة أخرى. لذلك عليك أن تقبل صحبتنا هنا وهناك. أعتقد أنّ "هناك" هو المكان الطبيعيّ لأمثالنا.
ــ إذا لم توافق عليك أن تعدل عن قرارك، وإذا عدلت عدلنا. فكّر إلى أن نلتقي... وداعًا.

 

(3)


يا لها من أمسية، القمر بدر، البركة ممتلئة بماء صافٍ، والكونت يتبختر بين الشجيرات القزمية والورود والزنابق. حمزة منذ الصباح بدأ بالإعداد لهذا الحفل المميّز الذي لن يتكرّر.
الأصدقاء مجتمعون على طاولة عامرة بكلّ ما لذّ وطاب، وصوت وديع الصافي يصدح بالعتابا والموال. الأقداح تُطرَق بين الحين والآخر. جلس كونت بالقرب منّي، متوتّرًا قليلًا بعدما كان سعيدًا قبل قليل، يحرّك أذنيه وعيناه مائلتان إلى الحمرة قليلًا. كم بقي من الوقت؟ لماذا تسأل؟
ــ أشعر أنّ الوقت قد حان.
عشرون دقيقة. حمزة دائمًا على عجلة، لكن كيف استطاع أن ينتظر خمسة أيام.
هذا ليس مهمًّا الآن. كلّ واحد لديه خمس دقائق يستطيع أن يودّع من يريد حتّى عبر الأثير إذا أراد. سأبدأ أنا.
صديقي وحبيبي ورفيقي وصاحبي كاتم أسراري، الكونت الجميل أشكرك على تحمّلك عيوبي ونزقي. أشعر أنّك الوحيد الذي أحبّني في هذا العالم. سنتان عشناهما معًا هما أصدق سنوات عمري. نعم، أعترف بأنّني معك قد عشت. هذه المزرعة الآن لك أنت ومن سيهتمّ بك، هذه هي الوصيّة موثّقة قانونيًّا وهي على طاولتي في الداخل. كلّ شيء مرتّب، وستكون في أمان. اطمئنّ. تعال عانقني يا صديقي.
جلس يهزّ ذيله وينظر إلى السماء. لا يا صديقي، لا تبتعد. سأرحل الآن ومعي الأصدقاء. لم يسمحوا لي بالرحيل وحدي. اهدأ، هنالك من سيهتمّ بك ويرعاك. وجهك سيرافقني في هذه الرحلة، وجهك الجميل، كم تمنّيت أن أكون كلبًا حقيقيًّا من سلالتك الأصيلة.
ــ هيّا بنا! من سيقود؟
نزار سبقنا إلى القيادة. سنصل مع شروق الشمس. إنّه توقيت رائع.
انظروا إلى سحر وجمال هذا الوادي السحيق. لأوّل مرّة في حياتي سأستمتع بهذا الشعور، شعور القائد. أنا القائد العظيم الذي يحلم بهذا المشهد منذ عشرين عامًا. هل ترون تلك الفتحة بين الصخرتين هناك. نعم، سوف أضغط على دواسة البنزين بقوّة، لتندفع السيّارة بأقصى سرعة ونطير. طِرْ بنا وحلّق باتّجاه الشمس، إنّها أمامنا. استعدّوا للطيران. يا للسعادة، إنّنا نطير.

 

*كاتب من سورية.












كاريكاتير

إستطلاعات الرأي