
جاسم حسين الخالدي*
تشكل رواية «مثلث الموت» للروائي علي لفتة سعيد، الصادرة عام 2016، أحد النصوص السردية التي وثقت مرحلة ما بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003؛ إذ قدّمت رؤية عميقة لهذه الحقبة المعقدة؛ إذ تجمع بين الوعي المهني الصحافي والهمّ الإنساني. تعكس الرواية العنف اليومي والخراب الاجتماعي، عبر لغة مشبعة بالحسّ الشعري والذاكرة الجريحة، متناولاً قصة أربعة صحافيين عراقيين: سلام، منتظر، أحمد وخضير، الذين يخوضون مغامرة صحافية في بيئة مليئة بالتحديات والمخاطر. يتناول هذا المقال الرواية من خلال محورين متكاملين: دينامية النص وفاعلية التلقي.
تُعرّف دينامية النص بأنها حركته الداخلية الناتجة عن تفاعل مكوناته السردية واللغوية، ما يضمن استمرارية التوتر وتطور الأحداث. في رواية «مثلث الموت»، تتشكل هذه الدينامية من عناصر متداخلة تمنح السرد حيويته وقوته. تتبع الرواية مساراً سردياً متدرجاً، يعتمد على تصعيد الأحداث بشكل مستمر. تبدأ الأحداث بلقاء صحافي مع رجل دين نافذ، يمثل نقطة تحوّل تشعُّ منها سلسلة من الأحداث المتلاحقة: تحقيقات صحافية، وتهديدات، واختطاف، ومواجهات مسلحة. يصف السارد اللحظة التي سبقت حديث رجل الدين: «كان الصمت شديداً، استمر للحظات…» هذا الصمت المشحون بالترقب يؤسس لصراع رمزي بين سلطة دينية شعبية وقوى مدنية تحاول كشف خبايا الواقع.
تتصاعد الأحداث بسرعة، حين يقتحم مسلحون ملثمون أحد الأماكن، ويصبح الخطر ملموساً وفورياً. يصل السرد إلى ذروته في مشهد اختطاف الصحافيين: «قبل أن يتم فتح باب البيت فوجئ بوضع قطعة قماش على عينيه.. وصار كل شيء مظلماً..».
لا يتوقف السرد عند حدود التجربة الفردية، بل ينتقل إلى أفق سياسي وإعلامي أوسع حين يصبح اختفاؤهم قضية رأي عام: «الكثير من الفضائيات أذاعت خبر اختفاء ثلاثة صحافيين… لكن أول من أذاع الخبر هيBBC» هذا الانتقال يوضح كيف تتداخل السياسة والإعلام والأمن في تحريك الأحداث، ما يمنح القارئ إحساساً متواصلاً بالتشويق.
الشخصيات في الرواية متنوعة، وتتمتع بعمق نفسي واضح. سلام الصحافي المتأمل، يمثل الضمير المهني والإنساني. أما منتظر، فهو الصحافي العملي والجريء، بينما يمثل أحمد الشاعر الحالم الذي يبحث عن الجمال وسط الخراب. هذه الشخصيات تشكل مثلثاً سردياً موازياً لعنوان الرواية، يجمع الصحافة والشعر والمجتمع في مواجهة الموت.
تتحقق دينامية النص عبر تقنية «تعدد الأصوات» (البوليفونية)، حيث تتعايش رؤى متعددة ومستقلة داخل النص. يتضح ذلك في تباين مواقف الشخصيات تجاه العنف؛ فبينما يصرخ خضير: «أي دين هذا، وأي فتوى تجيز حرق الناس هكذا؟»، يتقيأ أحمد من شدة الرعب، في حين يحاول سلام التماسك والتوثيق. تمتلك الرواية لغة متحولة تجمع بين الشعرية والتقرير الصحافي، لتصوغ ما يمكن تسميته بـ»الواقعية الرمزية». فاللغة لا تكتفي بوصف الواقع، بل تعيد تشكيله رمزياً. عندما يصف السارد الطريق إلى الجنوب، يقول: «كل شيء يشبه خطوط الإسمنت تحت العجلات»، فتتحول المادة الجامدة إلى استعارة عن القدر المحتوم. كما تمزج اللغة بين السرد الواقعي والتأملات الداخلية للشخصيات، حيث يعكس النص مشاعرهم وتفكيرهم. استعمال الجمل الطويلة والمتشابكة يظهر تعقيد الأحداث، بينما تمنح الجمل القصيرة إيقاعاً سريعاً في مشاهد الخطر، ما يوازي دينامية الموقف: الصمت مقابل الكلام، والكتابة مقابل السلاح.
توظف الرواية الرمزية بكثافة لتعميق الدلالات. الوثيقة القديمة، التي تظهر في بداية الرواية ترمز إلى الماضي القمعي. رجل الدين الكبير يمثل السلطة الروحية والسياسية وتأثيرها على الجماهير. أما الأماكن، فتتحول إلى رموز؛ فالشوارع المفتوحة ترمز إلى الخطر، بينما المكاتب المغلقة ترمز إلى السلطة الخفية.
تتحقق فاعلية التلقي حين يشارك القارئ في بناء معنى النص من خلال ملء «فجواته» وتأويل إشاراته. فرواية «مثلث الموت» تقوم على إشراك القارئ في تجربتها عبر آليات متعددة. ينهض النص في توليد تفاعل عاطفي قوي عبر تصوير الخوف اليومي. فالموت هنا يتعلق بالهوية والانتماء. يُقدَّم مشهد التحقيق مع «سلام» من وجهة نظره، ما يجعل القارئ يعيش تجربة الخوف والاختناق: «لم يكن قادرا على الكلام، في ما بينه وبين هذا المسلح سلطان بنادق ومسدسات». يعيش القارئ هنا تجربة الخوف ويصبح شريكاً في محاكمة رمزية.
لا تقدم الرواية أحكاماً نهائية، بل تترك «بياضات» مفتوحة، مما يستدرج القارئ إلى قراءة نقدية للواقع. حين يقول الراوي: «كان أحمد يفكر بشيء من الذهول عن أسباب قيام الناس بالهتاف إلى شخصيات معينة»، يوجه الخطاب مباشرة إلى القارئ ليعيد التفكير في علاقة المجتمع بالرموز. لا تكتفي الرواية بتمثيل الألم، بل تدعو القارئ إلى نوع من التطهير، المشاهد الصادمة، واللغة المشحونة، كلها أدوات تجعل القارئ شريكاً في التجربة. فمشهد الصهريج المحترق، حيث يقول السارد: «كان سائق الصهريج قد ربط على مقدمته بحبل.. قبل أن يحرقوا السيارة ليبقى هيكلاً عظمياً»، يستفز وعي القارئ الأخلاقي.
تبني الرواية أفقاً تاريخياً يجعل القارئ العراقي والعربي يقرأ النص بوصفه حكاية لاستمرارية العنف. الإشارات إلى الحرب العراقية الإيرانية، وحرب الكويت تجعل من ذاكرة الشخصيات ذاكرة جمعية، مما يعمق الأثر السياسي والاجتماعي للنص.
تكشف رواية «مثلث الموت» عن قدرة علي لفتة سعيد، على إعادة تشكيل الواقع العراقي بلغة سردية متوترة. تقوم دينامية النص فيها على الحركة المستمرة بين مستويات السرد والذاكرة والحدث، مما يخلق بنية سردية حية ومؤثرة. في المقابل، تقوم فاعلية التلقي على انفتاح النص على القارئ واستفزازه للتأمل في جوهر الخوف والسلطة والذاكرة. يتحول النص من مجرد رواية واقعية توثق مرحلة تاريخية إلى «رواية وعي»، يشارك القارئ في بنائها، عبر فعل القراءة ذاته. إنها شهادة إنسانية تُكتب ضد التلاشي، وتبرهن على أن الأدب يظل، في أصعب الظروف، قادراً على مقاومة الفناء بالكلمة التي تطرح الأسئلة وتوقظ الضمير.
*كاتب عراقي