
موسى إبراهيم أبو رياش*
يقدّم الأردني عبد الهادي المدادحة في روايته «رعاش المدينة.. خشم العقاب» جانبا من سيرة مدينة أردنية تدعى «خشم العقاب»، تعيش توتّرا بين الأسطورة والواقع، بين الماضي المهيب والحاضر المرتجّ بالتحوّلات والأحداث، حيث يطلُّ السارد على المدينة من موقع المراقب المحبّ، متأملا رمزية طائر العقاب الذي منح المدينة عظمتها وهيبتها، ثم غاب فجأة ليترك المدينة في ارتعاش وقلق. ولا يخفى على القارئ الأردني بالذات أنّ المدادحة يكتب عن مدينة الكرك الأبيّة وقلعتها العريقة ذات التاريخ المجيد والحاضر المشرف.
الرواية مشغولة بالمدينة ومستقبلها، وتقرع جرس الإنذار مما يجري فيها من تغيرات سلبية طالت القيم والعادات والأفكار، تهدد استقرار المدينة ونسيجها الاجتماعي، وتشير بوضوح إلى وطأة الفساد وفحش الاستغلال، والتطرف الفكري، والظلم وارتفاع الأسعار، وشيوع السلاح بين أيدي الناس، وغيرها من الأمور المقلقة، التي إن تُجوهلت تفاقمت ودمرت.
أسطورة العقاب بين الحضور والغياب
تحتلّ أسطورة العقاب مركز الثقل الرّمزي في الرواية، فهي تحكي عن طائر العقاب، الذي لجأ جريحا إلى خشم العقاب، حيث ضمد جراحه الراعي ابن جهينة، فحفظ له الود وأنقذه ذات يوم من ثعبان يتهدده، وهو نائم تحت شجرة. وبعد موت الراعي تحوّل العقاب إلى إنسان وأنجب ولدين؛ الهيثم والرباع، ومن نسلهما جاء سكان المدينة العصيون على الخضوع، العاشقون للحرية كما تعشق العقبان السماء.
ولما اختفى العقاب، ترك خلفه إرثا من البطولة والقداسة. إنّ حضور العقاب في الرواية مرآة لهوية المدينة؛ فحين يشعر بتدهور الأوضاع يعود لينبه الغافلين ويذكرهم بأصلهم وماضيهم التليد، فتتماسك القيم وتزدهر الحياة. وحين يغيب، ويطول غيابه، ترتعش المدينة، وترتبك النفوس وتغرق المدينة في العنف والشك، و«العودة كما الغياب كلاهما يثيران الذاكرة الراكدة ويجعلان المدينة ترتعش ارتعاشا لا إراديا».
يرمز العقاب إلى الرُّوح العليا التي تحرس المكان وتمنحه معناه، كأنّه الضمير الجمعي أو الذاكرة التاريخية التي تتعرض للتآكل بفعل النسيان، وتسلل بعض الفاسدين أو الغرباء. غيابه يعني غياب العدالة واليقين والسكينة، وعودته المحتملة هي بشارة بالخلاص واستعادة الأصل المفقود.
خشم العقاب وبيروت
العلاقة بين خشم العقاب وبيروت تتجاوز الجغرافيا لتصبح علاقة بين الهوية والانفتاح؛ فبيروت تمثل الحداثة والاغتراب الثقافي، بينما خشم العقاب تمثل الجذور والذاكرة والانتماء، وكان صفوان، العائد من بيروت، يجسّد هذا التمزّق بين المكانين؛ فقد عاد جسدا لكنه ترك روحه في فضاء آخر، ومال إلى التحرر والانفلات ومخالفة قيم مجتمعه، وخاصة أنّ عمله في البازار، المخصص للسياح، ساعده على ذلك.
بهذا، تصبح بيروت رمزا لإغواء الخارج، أي خارج، وخشم العقاب رمزا للأصل الذي يقاوم الذوبان والتنكر للجذور. ويعكس التوتر بينهما صراع الشرق العربي بين التقاليد والتحديث، بين الأصالة والتمدّن الزائف.
الصداقة بين المختلفين
تشكل علاقة الأصدقاء الثلاثة محورا إنسانيا متينا في الرواية، فعلى الرغم من اختلافهم الفكري والاجتماعي، فإنّهم يلتقون في جوهر الصداقة والوفاء والبحث عن معنى للحياة في زمن متصدّع، حيث تتشابك حياتهم وحكاياتهم: صفوان تاجر البازار ونزعته العبثية الذي يمثل البورجوازية المنهمكة بالملذات، ونايف المثقف الإسلامي المختلف المشغول بالأسئلة الإشكالية، الذي يمثل العقل الناقد المؤمن بالتنوير، وراشد اليساري الواقعيّ الحالم بالتغيير الهادئ الذي يمثل الضمير الأخلاقي، الذي يحاول الجمع بين العالمين، حيث يجتمع الثلاثة، على الرغم من تناقضاتهم وتباينهم الفكري في صداقات تمتد عبر التحولات الاجتماعية والسياسية، في إشارة إلى إمكانية التعايش بين التنوعات الفكرية في المجتمع الواحد، وإلى أنّ الصداقة تظلّ أحد آخر أشكال الإنسانية وملاذاتها النقية في زمن التمزّق.
حُسن.. ضمير المدينة الصامت
حسن هي الشخصية الأنثوية الرئيسية في الرواية، وتمثل وجها آخر من وجوه المدينة المرتعشة، ومرآة لما آلت إليه القيم الإنسانية والاجتماعية في خشم العقاب. وهي فتاة يتيمة فقيرة، تعيش وحيدة في بيتٍ متداعٍ. تعاني منذ طفولتها من نظرات الناس إلى وجهها المختلف، ما جعلها تعيش عقدة الجمال والقبول، وتختبر معنى النقص الاجتماعي في بيئة لا ترحم الفقراء ولا المختلفين.
تضطر للعمل في بازار صفوان، الذي يجسد طبقة المال المنفصلة عن ضمير المدينة، فينجذب إليها، يغويها بالمساعدة والستر، ويعدها بالزواج، ويتزوجها سرّا، في علاقة تحمل تناقضا فادحا بين الستر والاستغلال؛ إذ أنّ الزواج هنا لا يقوم على المساواة أو الاعتراف الاجتماعي، بل على الحاجة والهيمنة، حيث إنّ حُسن تبحث عن الأمان، وهو يبحث عن المتعة وتجديد رجولته المهدّدة ووهم الخلاص من ملل زوجته.
هذا الزواج العرفي يكشف وجه المدينة المزدوج بين ظاهر أخلاقي، وباطن مليء بالتناقضات والمصالح؛ فحُسن، التي تعمل لتعيش، تجد نفسها فريسة بين فقرها، وشهوة رجل يخاف على سمعته أكثر من خوفه على إنسانيته. إنّ سرّية الزواج ترمز إلى تواطؤ الصمت الاجتماعي، خاصة وأنّ الزواج تم بحضور أصدقاء صفوان كشهود.
مقتل صفوان
مقتل صفوان يشكّل الذروة التراجيدية للرواية، ويعمل كحدث مفصلي يعيد تعريف العلاقة بين الشخصيات والمكان؛ فالرجل الذي عاش بلا قيد ولا مبدأ، يصبح موته رمزا لانهيار الطبقة المتواطئة مع الفساد، وللانفجار الكامن في جسد المدينة. التحقيق في مقتله يُعرّي بنية السلطة التي توظّف الجريمة لتشتيت الناس عن قضاياهم الحقيقية، كما قال راشد: «تبهرني السلطات بقدرتها على اختراع قضايا صغيرة تخرجها من أزماتها». وهكذا، يتحوّل موت صفوان إلى مرآة لكشف الفساد المنظم، ولتصدّع العلاقات في المدينة التي فقدت عقابها.
بمقتل صفوان في بيت حُسن، تتجاوز الجريمة بعدها الواقعي لتغدو حدثا رمزيا مكثفا؛ فصفوان يموت في المكان الذي اختبأ فيه من المجتمع، وكأنّ المدينة التي خانها عادت لتقتص منه بيد ضحيته. ومقتله في بيت فتاة فقيرة، لا في بازاره أو بيته، يحمل دلالة الانقلاب؛ فالقوة تموت في حضن الضعف، والمهيمن يلقى مصيره في المكان الذي ظنّه خفيا. موت صفوان في بيت حُسن هو موت المدينة المزيّفة في وجهها الحقيقي؛ سقوط القناع عن طبقة استغلّت الضعفاء باسم الأخلاق أو التجارة أو السلطة. كما أنّه يعيد للأسطورة بُعدها العادل؛ فحين غاب العقاب الأسطوري، جاء مقتل صفوان صرخة في وجه الفساد وليسبب للمدينة رعاشا طويل المدى. ويشير مقتل صفوان إلى انهيار البنية الأخلاقية والاجتماعية القائمة، وإلى أنّ الظلم حين يتراكم في القاع، لا بد أن ينفجر من هناك.
تأثير الإرهاب
لا تنظر الرواية للإرهاب كحدث أمني خطير يهدد المجتمع، وإنما كزلزال روحيّ وأخلاقيّ واجتماعي، يصيب نسيج المدينة؛ فالتطرف الديني والفكري يملأ فراغ غياب العقاب وتنكب إرثه، ويحوّل الناس إلى جموع خائفة تبحث عن خلاص وهمي، حيث ينتشر السلاح في الشوارع، وتتحوّل القلعة إلى ساحة معركة، في دلالة على تغوّل العنف وفقدان المعنى.
لم يأت الإرهاب فعلا دمويا، يثير الرعب والخوف فقط، ولكنه، «رعاش» شامل يصيب كل شيء؛ اللغة والذاكرة والفكر والعلاقات والقيم والحاضر برمته. إنّه علامة على هشاشة المدينة وغفلتها حين تغيب عنها العدالة والوعي.
المكان في الرواية
على الرغم من أنّ المكان محدود في الرواية، ويقتصر على المدينة وجبل خشم العقاب والقلعة والأماكن المجاورة، إلا أنّه جاء كائنا حيّا نابضا، يتنفس ويتألم ويرتعش. وأيا كان المقصود بمدينة خشم العقاب، فهي نموذج مصغّر عن الوطن العربي بأسره؛ فيها التراث والأسطورة، وفيها الصراع الطبقي والفكري، وفيها المخلصون والفاسدون، وفيها التناقض بين الجبل والقلعة والسوق والبيوت. والكتابة عن المكان في هذه الرواية، بلغة مفعمة بالرموز والمجازات، تجعل من الجغرافيا ذاكرة سردية تختزن الزمن والمصير معا. ومن خلال المكان تتجلى فلسفة الرواية في أن لا خلاص بلا عودة إلى الجذور، و«يبقى المكان شاهدا على من مرّوا به، والتاريخ حلقات متواصلة من الأحداث يصنعها البشر، رغبة في الخلود، أو ربما رغبة في تخليد أمجادهم».
وبعد؛ فإنّ «رعاش المدينة.. خشم العقاب» (عمّان: الآن ناشرون، 2026)، رواية عن الارتعاش الوجودي لشعوب فقدت رموزها الكبرى فتلقفها التيه، وعن المدن الهشة التي تعيش على أطراف الأسطورة، وتتأرجح بين ماضٍ لم يعد مغريا للأجيال وحاضر يسلب عقولهم. ونجح المدادحة برسم لوحة عن إنسانٍ عربيّ يفتّش عن ذاته بين الرُّكام، ويخشى مستقبلا مجهولا. ويرمز العقاب هنا لفكرة العدالة والكرامة، وإذا غاب، فلا بُدَّ أن ترتعش المدينة وتتزلزل.
*كاتب أردني