حكاية آدم بيرغمان… حيث لا مكان محتملا هنا أو هناك

2026-02-04

حسن داوود*


هربا من الفقر وانغلاق أبواب المستقبل، حيث يعيش في القامشلي، قرّر شاكر أن يسافر مع صديقه جوان إلى أوروبا. لم تكن الرحلة صعبة، إذ كان على الشابّبن أن يسلكا طرقا بحرية في قوارب معرّضة للخطر والغرق. ورغم ما كابداه خلال رحلتهما، إلا أن ذلك كان فاصلا تمهيديا لما سيعانيه كلاهما في ما بعد. فهما لم يصلا إلى برّ واحد، كما يقال، بل تنازعتهما حدود بلدان كثيرة لقيا فيها ما لم يفاجئ مطّلع على ما يجري في التنقّل المتواصل إلى بلدان الثراء.
ولم تكن الإقامة قد طالت بهما في ألمانيا، وحيدين، حين انزاحت رغبتهما عما كانت عليه، فاقترب جوان من شاكر مقبّلا إياه. في ما سبق من الرواية كان جوان على علاقة بصديق آخر، مفاجأة للقارئ حيث لم يكن شائعا في ما تتناوله الكتابة الروائية، الناقلة لمناطق الفقر، الالتفات إلى ميل مشابه. لكن تلك العلاقة الثانية بين المهاجريْن لم تدم، إذ سرعان ما صنفّها الشابان، تحت ما اتفقا على اعتباره رغبة عارضة. وهما باشرا عيشهما من بعدها، قابلين بعروض العمل الخطرة، تلك التي أدت إلى مقتل أحدهما، فيما الرواية، لم يتّضح بعد سبيلها الذي ستسلكه.
ولم يلبث شاكر بعد رحيله مع رفيقه، أن عمل وعشق وتزوج من امرأة أخرى تاركا زوجته في القامشلي تنتظر مع ابنتهما. ولم تلبث، تلك الزوجة أن ملّت الانتظار، وأعرضت عن انتظار ما قد يأتي به الزمن، فبدأت بالتحضير لحياة موازية تجري في الرواية بالترافق مع الحياة الجارية هناك في ألمانيا. هذا التنقّل بين العالمين سيظل مستمرا في الرواية، فصل يحكي عن هناك وفصل يحكي عن هنا.

وها هي التحوّلات السريعة والعنيفة، التي تجري مع شاكر يقابلها جريان الحياة هادئا مع جيهان وابنتها الصغيرة. فهو، مع تقدّم صفحات الرواية، مرّ بأحداث يمكن أن يشكّل كلّ منها ثيمة روائية مكتملة. ففي خضم عيشه، كثيرا ما تغيّر ونجح في عمله، واتخذ اسما آخر بدلا من اسمه الأول، فصار اسمه آدم بيرغمان، باختياره، ثم، بعد أن أصيب بطلقات رصاص كادت تقتله، فقدَ الذاكرة تماما وصار عليه أن يسترجعها، ببطء وتأنّ، وأثناء ذلك كانت الحياة تجري إلى الأمام فيما خصّ ابنته وزوجته.
ضاقت جيهان بعيشها في القامشلي فقرّرت، بعد ان حقّق لها نشر مقالاتها ونصوصها نجاحا، العيش في دمشق. هي هجرة أولى لا يتجشّم القائمون بها خطر المجازفة، لكن ما حدث لجيهان هناك لم يكن ليقلّ عما حدث لزوجها، فدمشق لم ترأف بالمنتقلين إليها بأكثر مما رأفت أوروبا بزوجها. لم يطل الوقت بجهينة حتى اختطف أخوها الذي أصرّت العائلة على مرافقته لها، وهذه ثيمة أخرى كان يمكن أن تتسع لكونها إحدى المشكلات الأكثر فظاعة في سنوات سوريا تلك. ولم يطل الأمر على جيهان التي لم تلبث أن قضت في انفجار أصاب المنزل الذي تقيم فيه، حتى عملت العائلة على توليّ رعاية ابنتها التي كانت تظهر نباهة وتفوّقا دراسيا.

ولكي تزداد الموضوعات التي يجريها الكاتب في روايته، نقرأه وهو يحوّل بطله شاكر، أو آدم بيرغمان، إلى قاتل. بدأنا نتعرّف على ذلك بمشهد رأس امرأة جرى فصله عن جسمها ثم، في مرحلة لاحقة من الرواية، نقرأ ذاك الحوار بينه، هو المهاجر والثري والقاتل والفاقد الذاكرة، وبين الشرطية فيرينا، التي كان من المفروض أن تلاحقه إثر جريمة قطع الرأس، تلك التي سنعرف بعدها أن بطلنا سبق له أن كان قاتل أطفال متسلسلا، قبل أن يقرّر التوقف عن فظاعته تلك. ثيمة أخرى يدور حولها الحوار بين آدم بيرغمان وفيرينا، يعلن فيها كرهه لحياة الغرب القائمة على سحق العالم الفقير، إشباعا لمصالحه وجشعه. ثم سنقرأ بعد ذلك كيف تحولت علاقة القاتل والمحقِّقة فيرينا إلى فصل غرام متسم بالاستثنائية المتطرفة، فهي فيما بدأت حملة اعتقاله الشبيهة وقائعها بما نشاهد في الأفلام البوليسية، اتصلت به لتحثه على الهرب من وجه العدالة.
وقد زادت الرواية إلى كل ذلك اهتداء البطل إلى ابنته نسرين، بعد أن التقيا من دون أن يعرف أحدهما من هو الآخر. لكنه مع ذلك يعرف من هي الشابة التي التبس ميله نحوها، بين أن تكون معشوقة أو فتاة تقرّبه من إدراك هويّته. لم تتوقّف الرواية عن فتح صفحات الخارج، بحروبه وهجراته وحالات غرامه وخسائره وجرائمه ونزاعات بشره، إلخ. بعض ذلك حدث فعلا وبعضه أتاحه الخيال ناسجا على منوال ما تزخر به مشكلات العالم. ربما هذا ما أبقى نبض الرواية سريعا في انتقالاته، حيث لم يترك تتالي الأحداث الغريبة والحقيقية في آن، مكانا للتأويل. هي رواية مشوّقة، يقول القارئ قبل أن يضيف: لكن هذا كثير.
*رواية دلير يوسف «حكاية آدم بيرغمان.. أو كيف أصبح الرجل ريحا» صدرت نسختها العربية عن «دار الجنوب» ودار «مرفا» في 220 صفحة لسنة 2025.


٭ كاتب لبناني












كاريكاتير

إستطلاعات الرأي