
أحمد عزيز الحسين*
أطلق وليد صيحة الابتهاج، وهو ينضم إلى زملائه في رحلتهم الصحراوية المنشودة، كان الجميع مسكونين بالنشوة وهم يتوجهون نحو عجمان، قيل لهم: ستلتقون هناك بسالم / سيد الصحراء وعاشقها، وسيكون دليلكم الحصيف في رحلتكم الرائعة، إنه خبير لا يُشَق له غبارٌ في معرفة المسالك والشعاب والدروب، ولن يخيب لكم ظنا في تحقيق المتعة التي تنشدونها.
في المدى البعيد لاحت لهم الواحة السياحية التي أنشأها سالم لاستقبال الراغبين في الدخول إلى فضاء الصحراء المفتوح على المدى اللامحدود، كانت الواحة مبنى متواضعا يفتقر إلى أسباب الراحة والرفاهية التي تعودوا عليها في مدينة دبي، استغرب الجميع أن يهجر سالم عالم المدينة ومتعها ويتخذ من الصحراء صديقاً وحيداً له، قالوا في أنفسهم: «لا بد أن يكون وراء ذلك قصة وسر»، واستمروا في تقدمهم يحدوهم الأمل بأن يمضوا أمسية رائعة في هذه البقعة الخلابة من العالم.
حين التقوا سالماً خُيل إليهم أنه ينتمي إلى عصر آخر، كان رجلا ممشوق القامة، أسمر البشرة، له نظرات حادة كالصقر، قابل قدومهم بالترحاب، وأبدى استعداده ليكون حاديهم ورفيق دربهم، وأبدى أسفه؛ لأن شباب اليوم لا يحترمون موطن أجدادهم بالقدر الكافي، ويتعاملون معه باستهتار كبير، فيرمون فيه النفايات كيفما اتفق، ويدوسون بسياراتهم على نباتاته الغضة، أو يقتلون طيوره وحيواناته لمجرد المتعة وحسب، استغرب كيف يُقدِمون على ذلك دون شعور بأنهم يدنسون عالم الصحراء النقي، ويمزقون جسدها الطاهر وحيواناتها الوديعة بمخالب سياراتهم التي لا تعرف الرحمة، وتمنى ألا يكون هدفهم أيضاً هو صيد الغزال والحبارى كغيرهم، أو تمضية الوقت لا أكثر، قال لهم بصراحة: «شوفوا يا أولاد الحلال، إذا كان هدفكم التعرف على مناطق بكر في الصحراء، والتمتع بمناظرها الخلابة وطقسها البديع؛ فأنا جاهز لمرافقتكم، أما إذا كنتم راغبين في الحصول على رحلة سفاري عادية، فمطلبكم ليس عندي، ها هي الصحراء أمامكم، فتعرفوا إليها كما تريدون، ولكن ثقوا بأنني لن أقف على الحياد إذا قررتم إلحاق الأذى بها كما يفعل غيركم!».
تبادل وليد وزملاؤه نظرات الدهشة مما سمعوه، وأكدوا لـ»سالم» أنهم قدموا إلى هذا المكان للتنعم بصحبته، والتعرف إلى جماليات الصحراء، من خلال عينيه، ووعدوه بأنهم سيكونون مذعنين لما يقول، ولن يخالفوا له أمراً، فابتسم ونظر إليهم غير مصدق! في المساء قال وليد لأصدقائه، بعد أن أمضوا يوماً كاملا برفقة سالم: غريبٌ أمر هذا الرجل، لم أرَ له مثيلا من قبل! أرأيتم كيف أوقف الرحلة ونزل، فسقى شجرة السدر كأنه يسقي طفلا صغيراً؟ وكيف احمر وجهه، وعلت سحنَته أماراتُ الغضب والانفعال الشديد عندما وجد سلحفاةً ميتة، وشك بأن سائقاً أرعن دهسها بسيارته قاصداً، ولم يكترث لإنقاذها! ثم كيف صاحَ صياحَ من ألمتْ به مصيبة، وهو يرى كيس نفايات ملقىً في العراء، وقد تمزق جانبٌ منه، وتناثرت محتوياته على الأرض؛ إنه يتعامل مع الصحراء كأنها إنسانٌ لا جمادٌ، ويحدُب عليها كما تحدبُ أم على طفلها! يا له من إنسانٍ غريبٍ ليس له نظيرٌ في هذا العصر!
تُرى: لمَ يفعلُ هذا كله، ولمَ يكرس نفسَه لحماية هذه البقعة الجرداء من العالم، في زمن فقد الناس اهتمامهم بالصحراء، وانصرفوا عنها إلى متع المدينة التي لا تُحصَى؟
في ساعات الفجر الأولى أيقظ سالمٌ وليداً وأصدقاءه، حاثاً إياهم على السرعة في النهوض، وما لبث الكل أن راحوا يستمتعون بمرأى الشمس وهي تشرق، والطبيعة وهي تتمطى وتستيقظ، والطير وهو يجوب الفضاء الرحب، والحيوان وهو يتنقل بحرية، ويقبل على طعامه بشهية، فرك الجميع عيونهم غير مصدقين ما يرونه، ظنوا أنهم يعيشون حلماً، أو فيلماً لا أكثر. أحس وليد، رغم ما رآه من جمال حياله، برغبة عارمة في العودة إلى النوم من جديد بعد السهرة الممتعة التي أمضاها مع أصدقائه، وهم يستمعون إلى حكايات سالم الشائقة، تمنى لو يُتركُ ساعةً أخرى ليستمتع بطراوة الجو، ودفء الفراش، لكنه ما لبث أن نهض متحاملا على نفسه، خوفاً من أن يُغضِبَ سالماً؛ فينصرف عنه وعن أصدقائه إلى خدمة مجموعة أخرى من الشباب، كانت قد قدمت على سيارات لاند كروزر عملاقة، ونصبت خيمتها غير بعيد عنهم، وأخذت تزرع المكان الهادئ بالصخب والضجيج والحركة التي لا تهدأ.
وما لبث وليد أن أدرك بأن «سالماً» لم يعد هادئ الأعصاب كما كان، بل أمسى متوتراً ومهموماً بعد قدوم الجماعة الجديدة؛ إذ أخذ يتابعهم بعينيه عن بعد بقلق واضح؛ فسأله: «خير يا سالم أراك غير مرتاح، هل هناك شيء يزعجك؟». رد سالمٌ بانفعال واضح: «نعم، أرأيت كيف قاد الشبابُ سياراتهم برعونة وطيش، ولم يراعوا النباتات الصغيرة التي كانت قد أزهرت للتو؟ إنهم يتعاملون مع الصحراء كقطعة أرض صماء لا روح فيها! ليس هناك مخلوقٌ على وجه الأرض، من دون مشاعر وأحاسيس، حتى الصحراء تتنفس وتحيا وتموت شأنها في ذلك شأن باقي مخلوقات الله، وعلينا أن نقف إلى جانبها لتزداد شباباً، لا أن ندفع بها إلى الهرم والشيخوخة في وقت مبكر»، وأكمل موضحاً: «قبل أسبوع جاءتني مجموعة من الشباب، وهم يقودون دراجات نارية لها عجلاتٌ ضخمةٌ، مصنوعةٌ خصيصاً للسير على الرمال، فمنعتُهم من استخدامها بشكل عشوائي، وأفهمتهم بصراحة أن الصحراء لم تعد تحتمل عبث آلياتهم المتوحشة، وأن عليهم أن يتوقفوا عن قتل هذا الكائن الجميل الذي احتضن أجدادهم ذات يوم، ووفر لهم حياة حرة وكريمة. صحيح أن بعض الهيئات الرسمية تساعدنا على حماية الصحراء من عبث العابثين وطمع الطامعين، لكن أصحاب الأموال لا يتوقفون عن زيارة جميع مناطق البر للاستيلاء عليها، وتحويلها إلى منشآت عمرانية وأبراج شاهقة. المال يأكل الصحراء يا إخوتي، وعلينا أن نقف إلى جانبها، وننقذها من الخطر الذي تتعرض له، وإلا أتى عليها كلها». وأكمل قائلا: «اسمعوا هذا الضجيج، وانتبهوا إلى التلوث المنبعث من المحركات. إنه شيء لا يُحتَمل أبداً. من الخير لنا أن الأزمة المالية العالمية أوقفت هذا كله إلى حين. كانت هذه الأزمة خيراً وبركة على الصحراء، بفضلها توقفت أعمال المسح، ولم يعد أحد يزورنا كما كان يحدث من قبل.
لماذا يستولي المال على كل شيء في الطبيعة، لمَ لا تُترَك الحياةُ عفويةً وحرةً في الصحراء؟ متى يفهم هؤلاء الدخلاء أن كل واحد فينا يعثر في الصحراء على ما تسكن إليه عيناه، وتستريح إليه نفسه، فينقلب إنساناً سعيداً بعد أن كان إنساناً شقياً؟!».
ظل سالم يتكلم إلينا، ويفضي إلينا بمخاوفه عن المستقبل المجهول الذي ينتظر الصحراء، أما أنا فشعرت بأن شلالا من الضوء يجتاحني، وأنني أُحمَل على جناحي غمامة، وأحلق في الفضاء المفتوح إلى ما لا نهاية.
أخيراً فاجَأنا سالمٌ بإيقاف سيارته الجيب على تل مرتفع، بعد أن كف عن الفضفضة بما في نفسه، وطلب منا أن نتأمل غروب الشمس في هذه البقعة الساحرة، قائلا: «تأملوا هذا المنظر جيداً يا إخوتي، ولا تنسوه، وصِفوه بدقة لأبنائكم في ما بعد، لأنكم لن تجدوا أبدع منه ولا أروع في أي منطقة أخرى من العالم».
شرعت عيوننا تتأمل ألوان الغروب، وهي تنعكس بتدرج على كثبان الرمال، كانت تموجات الضوء المنعكسة على الرمال تأخذ بالألباب، وتسرق الأنفاس، وتهيمن على العقول، وما لبث الصديق الذي كان يقف إلى جانبي، ويكلمني برزانة عن طفولته، أن خلع نعليه فجأة، وانطلق يجري بقدمين حافيتين، وهو يمد يديه إلى الأمام والأعلى؛ هاتفاً بفرحة طاغية: «غير معقول، هذا ما حلمت أن أراه طوال حياتي، الآن تحقق حلمي، وصرت جاهزاً للموت دون حسرة أو أسف على شيء»، وأكمل صائحاً : «اخلعوا أحذيتكم ونعالكم، واجروا فوق الرمال»، واستمر في الركض لا يلوي على شيء. أما أنا فشرعت أمشي بخطوات بطيئة يختلط فيها صمت الرمال بهبوب هواء منعش مقبل من جهة البحر، وقد ضمختني رائحةُ الشيح، وأثارت فرحي برؤية الرمال تخالس النظر إلى الشمس، وقد اكتست بلونها الأصفر البهيج.
*كاتب سوري