للكاتب عصام عيَّاد : رحلة في بصيرة النص: قراءة في «تأمّلات رجل أعمى»

2025-12-13

رامي فارس الهركي*

 

تَتَّسم أعمال الكاتب عصام عيَّاد، بطابع لا يرسو على هيئة واحدة، ولا يلتزم وجهة محددة. فالقارئ يجد نفسه أمام مزيجٍ مُتقَن من القصائد الشِّعرية، والنُّصوص الصُّوفية، والحِكَم الفلسفية، يجمع بينها خيط رفيع من العمق والتأمل. وما يميز عيَّاد حقا هو، تمرُّده الواعي على قواعد الإبداع، وهو تمرُّد يُكسِب نصوصه فرادتها وجمالها منذ الصفحات الأولى. ويشير الناقد اللبناني إلياس صايغ، إلى أن فلسفة عيَّاد تقوم على مبدأين أساسيين: «السيطرة على النَّفس» و»لا تقتل»؛ وهما مبدآن يشكِّلان ركيزة إنسانية وأخلاقية تتجاوز حدود النَّص إلى مساحة العيش اليومي. فالأوَّل دعوة إلى تهذيب الداخل، والثاني دعوة إلى سلام متبادل مع الذات والآخر، في انسجام مع قيم العدالة والطبيعة والإنسانية.

ويقدّم كتابه الجديد «تأمُّلات رجل أعمى» الصادر باللغتين العربية والإنكليزية خلاصة مُكثَّفة لأعمق نصوصه وأكثرها رسوخا، إذ يجمع مختارات من عملين سابقين هما: كتاب «يا ولد – نصوص في الحكمة والدين والسياسة»، وكتاب «بوح الطير». والكتاب الجديد، بما يحتويه من تنويعات فكرية وروحية، يمثل عصارة تجربة الكاتب، ومجمل ما راكمه من رؤى على مستوى الفلسفة والكتابة. يميل عيَّاد في نصوصه إلى مساءلة الإنسان، ودفع القارئ إلى إعادة النظر في مواقفه وتصوراته. ويشهد على ذلك ما ذهب إليه إلياس صايغ، حين أكد أن بعض ما يكتبه عيَّاد هو قصائد مكتوبة بروح فلسفية، أو نصوص شعرية ذات نفس صوفي. إذ تكشف نصوصه الحقيقة الكامنة التي يحاول البعض مواراتها بمعاييرهم الخاصة، رغم وضوحها أمامهم.
يرد نص في الكتاب بعنوان «شرعة» جاء فيه:
جوهر الدين الفناء في رب الدِّين
ويكشف هذا النَّص عن رؤية روحية خالصة، تعيد تعريف الدين، من خلال جوهره، لا من خلال مظاهره الطقسية. أما «الفناء في رب الدين»، فهو تعبير صوفي عن التوحد مع المطلق، وعن انمحاء الذات في حضرة الخالق. ويظهر العمق الصوفي ذاته في نص آخر بعنوان «نقاء» يقول فيه:
يا ولد أصلح الأديان دين التخلي..
وهو نص يختصر التجربة الصوفية في جوهرها: التخلي عن شوائب الدنيا، بوصفه طريقا لبلوغ أعلى درجات الصفاء الروحي. وعبر لغة مكثفة وبسيطة، يربط عيَّاد هذه الحكمة بالحياة اليومية، لا بوصفها فكرة تجريدية، بل باعتبارها ممارسة ممكنة. وفي نص «عشق» يكتب:
دع المعشوق
في كونه
ساهراً.. أنت النَّديم
إن
كنتَ العاشق
ويتجلَّى في هذا النَّص المزج بين الشعر والحكمة الصُّوفية؛ فالإيقاع الشعري واضح، والرمز حاضر بقوة. فالمعشوق يبقى في مقامه المتأمِّل العلوي، فيما يُعاد العاشق إلى موقع النديم، وهو وضع صوفي أصيل يعكس تواضع السالك أمام الحقيقة. ولا تقتصر نصوص عيَّاد على الفلسفة والتأمل الصوفي فقط، بل تمتد إلى فضاءات وجدانية وإنسانية واسعة. ففي نص «أفق» يقول:
هذا العالَم
واسع جداً جداً.. عُزلتي
مدار أرحب
يتجلى البعد الذاتي بوضوح، إذ يُحوِّل لفظ «عُزلتي» النَّص إلى مساحة داخلية حميمة، ويخلق مفارقة بين اتساع الخارج واتساع الداخل، في رؤية وجدانية عميقة لا تصف العالم، بل تصف نظرة الإنسان إلى هذا العالم. وفي نص آخر بعنوان «صفاوة» يكتب:
إن
صَفا العقل
نأى.. وإن
صَفا القلب
رأى
وهو نص يكشف الفكرة الجوهرية التي أراد الكاتب إيصالها: أن تنقية العقل من السموم والأفكار السلبية تمنح القلب القدرة على البصيرة؛ فيرى الحقيقة من الزيف، والفرح من التعاسة. إن «تأملات رجل أعمى» ليس كتابا عابرا، ولا مجموعة نصوص تقف على السطح. إنه حصيلة تجربة كاملة، ومرآة لواقع معيش، ونصوص تُكتب بوعي إنساني وروحي يجمع بين الفلسفة والشعر والصوفية. والمتابع لهذا الكتاب وبقية مؤلفات عصام عيَّاد، يرى إن بعض النُّصوص يحمل في طيَّاته وطريقة كتابته ولفظه إيقاع موسيقي ونبرة شعرية واضحة؛ حتى إن كان النَّص ذا روحية فلسفية، أو صوفية أو دينية أو حتى سياسية، لكنه مُدَوَّنٌ بطريقة شعرية. وأكاد أجزم بأن بعض نصوص عيَّاد، بل أغلبها هي قصائد شعرية موزونة ومقفاة لا ينقصها شيء.
في كتاب «تأمُّلات رجل اعمى»، يواجهنا نصّ شعري بعنوان: «سِفْر الخلاص» يقول فيه:
كل تفسير
حِجاب
وكل تأويل
حِجاب
وكتابي
أرحم
من
أيِّ
كتاب
النَّص ينطوي على ثلاث مراحل، المرحلة الأولى هي نص شعري في الجوهر، والثانية فلسفية الرُّؤيا، والمرحلة الثالثة صوفية الإيحاء. وكأن المؤلف جمع فيه جوهر فكرته وفلسفته في الحياة. واذا ما تمعنَّا جيداً بين كلماته نرى أنها كتبت بطريقة شعرية جميلة من حيث الإيجاز المرهف وهذه أهم مميزات الشعر، ومن حيث الإيقاع المعنوي، نرى أن تكرار «كل تفسير… كل تأويل»، يخلق إيقاعا هادئا يشبه ترديدا داخليا، ومن حيث الرمز الصُّوفي نستطيع القول إن اعتبار التفسير والتأويل «حجاباً»، هو رؤيا صوفية تؤمن بأن الحقيقة تتجاوز الكلمات والفهم العقلي، ومن حيث المفارقة الشعرية نرى أن نهاية النَّص «كتابي أرحم من أي كتاب»، جملة تُشعِر القارئ بأن الكاتب يرى في تجربته الداخلية خلاصا يتجاوز الكتب كلّها، وهذا طرحٌ شعري بامتياز.
للكاتب اللبناني عصام عياد مجموعة مؤلفات منها:
«يا ولد ـ نصوص في الحكمة والدين والسياسة»
«بوح الطير»
«ليالي سيدني»
«فلفل بلدي»


*صحافي عراقي












كاريكاتير

إستطلاعات الرأي