رواية شجرة البنات لإبراهيم سبتي: صراع الجذور والعبث في زمن الانهيار

2025-12-11

جاسم حسين الخالدي*


​ تُقدّم رواية شجرة البنات لإبراهيم سبتي حالة سردية عميقة لحالة الانهيار الأخلاقي والعبث الذي يسود المجتمعات في أوقات التحوّل والفوضى. فالرواية ليست مجرد تتبع لأحداث، بل هي رحلة نفسية وأخلاقية ممنهجة عبر فصولها السبعة، التي تحمل دلالة الباب، تنقل البطل من حالة الاستقرار المزيّف إلى الهاوية، قبل أن يُحسم مسارها بصدمة شاملة تُلغي أثر الرحلة وتؤكد انتصار الجذور. ​ ​يُشكّل اختيار «الباب» عنواناً لكل فصل مفتاحاً بنيوياً ورمزياً، فهو يرمز إلى العبور والتحوّل وإلى نقطة اللاعودة. فكل باب يمثّل عتبة نفسية وأخلاقية تُجبر البطل على اتخاذ قرارٍ جديد يدفعه خطوة نحو مصيره المحتوم. تنقسم الرواية إلى مسارين متوازيين يشكّلان جوهر التوتر: المسار المادي الذي يمثل فقدان البيت والسند، والمسار الأخلاقي الذي يتمثل بالغدر بسالم وانهيار منظومة القيم. ​تتكامل رمزية الباب لتصبح محوراً تأويلياً يربط بين المكان والقدر والوعي، حيث يشير تسلسل الأبواب إلى أن الأحداث ليست عشوائية بل هي مسار قَدَري محتوم، ويصبح النص رحلةً نحو المجهول المرسوم سلفاً.
​تتوزع دينامية الرواية عبر الأبواب السبعة لترسم ثلاثة مراحل رئيسة هي: التعرض للاختبار، والانهيار الأخلاقي، والصدمة الكبرى.
​الأولى: التعرض للاختبار وتتمثل بـ (الأبواب ١-٣)
​باب الدهشة يطلق الشرارة السردية بوقوع الأزمة المزدوجة: ضياع سند الملكية (التهديد المادي) وفقدان سالم (الانهيار القيمي). يتحوّل البيت هنا إلى رمز وطني يحمل أوجاع العراق الحديث، وتتكثف الرموز الثلاثة (السند الضائع، الكنز المجهول، شجرة البنات) لتجسّد دهشة الوعي بالانكسار وولادة الرغبة في الخلاص.
​باب التأهب يمثل تحوّلاً من حالة الضياع إلى الاستعداد للمواجهة. ينتقل الصراع من تهديد مادي على البيت إلى تهديد شرفي يمس «شجرة البنات» نفسها، عبر ورقة مُزوَّرة تُلزم العائلة بمنح بناتها زوجات لأبناء الخصم (الحاج رشيد). يكسر الراوي صمته ويستخدم خطة استراتيجية لمواجهة الخصم، مما يبرر تحوله من ضحية إلى مقاتل ذهنياً.
​باب عمق الصحراء يدفع البطل إلى البيئة المادية والرمزية للاختبار. تتحول الصحراء من أرض الغنائم إلى «أرض السكراب الهائل» التي تبتلع الآليات والأخلاق. تتكشف هشاشة الراوي ورفاقه تحت وطأة اليأس، وتأتي لحظة الذروة المأساوية في قرار الفرار وترك سالم، مما يمثل الخيانة والتبرير الواهي للجبن، قبل أن يُجبر صوت الضمير (فؤاد) على العودة في محاولة لاستعادة الشرف المفقود.
​المرحلة الثانية: الانهيار والعبث الأخلاقي ويتمثل بـ (الأبواب ٤-٦)
​باب الاستدلال: باب الصحراء الأليفة يمثل نقطة التحول الأخلاقية الحاسمة. يتوقف البحث عن الإنسان (سالم) ليتحول إلى استدلال على المادة (الخردة والدنانير)، مما يُحوّل الصحراء إلى فضاء للانتهازية ومختبر للأخلاق يكشف سقوط الشخصيات في الطمع الأعمى، ليصبح الراوي شريكاً في الجريمة الأخلاقية.
​باب الغدر هو الذروة المأساوية للخطيئة. يتوّج فيه الجشع بالخيانة المطلقة عندما يغادر حسون الراوي ورفيقه فؤاد فور التحرر من الوحل. العقاب القَدَري يأتي فورياً بنفاد وقود السيارة، ليُغلق الباب على البطل بشعوره بالذنب المُعلَّق والجبن الجماعي.
​باب المشروبات المعلقة يُمثل ذروة الضغط النفسي الذي يدفع الراوي إلى ارتكاب جريمة التزوير. رحلة التزوير إلى بغداد تُجرِّد خطيئة الراوي الشخصية من فداحتها مقارنةً بالفساد المؤسسي الطاغي (رمزية اللوحة المسروقة من المتحف). الانقلاب المأساوي يأتي لحظة إتمام الجريمة، حيث يُفاجأ الراوي بإلغاء مشروع المستشفى، مما يُنهي السبب الجوهري لجريمته، لتصبح الوثيقة المزورة دليلاً على جريمة بلا غاية، مؤسِّسةً لجمالية العبث النهائي.
​المرحلة الثالثة: الصدمة والذهول ويمثل بـ (الباب ٧)
​باب الذهول ينهار فيه المنطق السردي نحو الخلاص المفاجئ عبر صدمتين قَدَريتين متعاقبتين: عودة سالم من الموت تلغي الذنب الأخلاقي لسنوات طويلة، والنجاة القانونية تأتي باكتشاف سند البيت الأصلي مدفوناً تحت شجرة التوت (شجرة البنات)، مما يُعلّن بطلان عملية التزوير. والأكثر إنصافاً، يُكافَأ البطل بسند ملكية إضافي لبيت الحاج رشيد، ليُقلَب ميزان القوى بالكامل.
​تُعيد دينامية هذا الباب كتابة القصة عبر صدمات قَدَرِيّة، وتؤكد الرواية في خاتمتها أن الخلاص لم يأتِ من الفساد (التزوير)، بل جاء من البّر الداخلي الصادق المتمثل في الإرث العائلي المدفون تحت الشجرة.
​تعتمد الرواية على رمزية مركزية تتمثل في شجرة البنات، التي تمثل الجذور الثابتة في مواجهة الانهيار المؤسسي. فبينما تُحرق السجلات وتُزوّر الوثائق، تبقى الجذور وحدها شاهدة على الحقيقة الأصلية. يقابل هذا الرمز النقي صورة الكنز، الذي يتحوّل من كنز الجد النظيف إلى كنز الصحراء المسموم الملوث بالطمع والإشعاع، ليجسّد سقوط الجيل اللاحق في الهاوية الأخلاقية.
​تُفعّل الرواية القارئ عبر سلسلة من الصدمات والغموض الممنهج، لتجعله شريكاً في القلق والحكم الأخلاقي. وتنتهي الرواية بنزعة عبثية واضحة، حيث يُعاقب البطل لا بالخسارة، بل باللاجدوى، مما يؤكد أن الانتصار المادي ما هو إلا وهم قصير العمر.
​في النهاية، تُعلن الرواية أن الأصالة والجذور العائلية هي الملاذ الأخير والوحيد في زمن الانهيار، وهي القادرة على تصحيح مسار الحياة وتدارك الأخطاء البشرية. إنها ليست رواية عن الحرب، بل عن الإنسان وهو يصارع ذاته، مُظهِرةً أن المأساة الكبرى تكمن في انطفاء القيم وتحوّل الضمير إلى سلعة.

 

*كاتب عراقي












كاريكاتير

إستطلاعات الرأي