

أشرف قاسم*
في ما يربو على المئتي صفحة جاء هذا الكتاب التوثيقي المهم حاملاً عدداً من الشهادات والقراءات في تجربة الشاعر المصري نادي حافظ، جاء في مقدمته تعريف بالشاعر ابن محافظة الفيوم، المحرر الصحافي في صحيفة «القبس» الكويتية، وقد صدرت له خمسة أعمال مهمة وضعته في صدارة المشهد الشعري هي «منذور لرمل، به فتنة وتلمع عيناه، كرسي شاغر، يتيم وطن، أكلم الأبواب»، وله تحت الطبع عدة أعمال أخرى.
«يرى أن القصيدة هي وسيلة الروح لمقاومة واقع قاسٍ»، كما يرى أن قصيدة النثر هي «الشجرة الأعلى في غابة الشعر لارتباطها بالواقع ومعاناته». تضمن الكتاب العديد من الدراسات والقراءات النقدية في تجربة الشاعر كتبها مبدعون شاركوا الشاعر الرحلة والمعاناة. صدر ديوانه الأول «منذور لرمل» عام 1999 عن مطبوعات الرافعي، وقد تناوله العديد من الدراسات والقراءات النقدية التي احتواها الكتاب، فقد كتب عنه الشاعر نور سليمان أحمد: «ولعل ما يلفت النظر في كتابات نادي حافظ أنه يحقق المعادلة الصعبة، التي طالما بحثنا عنها كشعراء وكلنا كان يريد أن يفعلها وهي كتابة القصيدة التفعيلية بروح الحداثة، حتى إنك حين تقرأ نادي حافظ تطرب وتستمتع أيضاً بعذب الشعر ولغته وتنبهر في آن واحد».
وفي دراسته المطولة عن «سيميائية الجسد في ديوان منذور لرمل « يرى الناقد أمين الطويل، أن تجربة نادي حافظ الشعرية «حقول خصبة يتمدد في أفيائها الجسد بمفهومه الذكوري وتمرده الأنثوي، وشكلت جميعها في مجملها مفاتيح مهمة نستطيع من خلالها الولوج إلى فكره وثقافته». كما يرى أن نصوص الديوان «تفتح أشرعة على التساؤلات الوجودية والوجدانية الجسد». أما دراسة محمود العشيري فقد انصبت على قصيدة «منذور لرمل» تحديداً تحت عنوان (منذور لرمل منذور لشعر) وفيها يرى الناقد أنه «إذا كان الفضاء الدلالي لنص «منذور لرمل» يتسع شيئاً فشيئاً على النصوص السابقة، فإنه ينفتح شيئاً فشيئاً على نصوصه هو نفسه، وسلطة التعديل التي يمارسها على نصوص الآخرين، يمارسها أيضاً على نصوصه». وفي دراسة لأيمن بكر يتناول ديوانين من دواوين الشاعر الخمسة هما، «منذور لرمل، به فتنة وتلمع عيناه» تحت عنوان (منذور لرمل وبه فتنة أيضاً.. قراءة في أشعار نادي حافظ) يرى أن «الاشتباك مع العالم وغربة الشاعر، ومحاولة موقعة الذات»، هو جل هم القصيدة في ديوان نادي حافظ الأول «منذور لرمل، أما في ديوانه الثاني «به فتنة وتلمع عيناه» فإن «العلاقات ومعالم الأشياء وكأنها اكتشافات أولى مدهشة وبريئة بقدر وعيها وعمقها» هي اللبنات التي قام عليها معمار الديوان.
وفي سياق متصل يتناول أشرف عبدالكريم عبدالمنعم قصيدة «علني أخطو على جسدي» وهي أحد نصوص «منذور لرمل» تحت عنوان «التنقيب في صحارى الذات»، وفيها يرى أن تلك القصيدة «محاولة بينة للإعلان عن الوجود وعن المغايرة الناجمة من إيمان عميق بقدرة الشعر على تجميل الحياة، وهي واحدة من أهم وظائف الفنون عامة، وتكشف كذلك عن إيمان الشاعر بملكاته الإبداعية».
كما تضمن الكتاب عدداً من القراءات لديوانه الثالث «كرسي شاعر»، حيث تناوله كل من الحملاوي صالح، ومحمد توفيق وأحمد فضل شبلول ومختار عيسى ووليد ثابت، ففي دراسته المطولة تحت عنوان «تأملات في الفقد والحب.. قراءة نفسية لنادي حافظ في كرسي شاعر»، يرى الحملاوي صالح أن هذا الديوان يمثل «سيمفونية شعرية، فهو عمل شعري متكامل الأجزاء متناسق النغمة والإيقاع والمعنى.. وهو تجسيد لحضور لا يرى، لصورة شعرية تولد اهتماماً وتضارباً للمشاعر عبر سكون البحر، أو فراغ الكرسي.. وهو وثيقة لغوية أنيقة ينبع منها توتر بين الصمت والحضور». وفي قراءته للديوان تحت عنوان «تقشير اللغة واتساع الدلالات» يرصد الشاعر محمد توفيق محاولة نادي حافظ «للخروج باللغة الشعرية إلى لغة الواقع المحكي بلا رتوش أو انزلاق في هاوية الإسفاف».
وفي قراءة الشاعر أحمد فضل شبلول تحت عنوان «جسدية الكرسي الشاغر» يرى أن «قصائد نادي حافظ في احتفالها بجسدية الكرسي الشاغر إنما تحتفل بالحياة، أو تجرب الحياة مرة أخرى». «ليس الشعر دكان زخارف والقصيدة ليست متجراً لمساحيق تجميلية» هذا ما عنون به الشاعر مختار عيسى قراءته للديوان، وفيها يرى أن خطاب نادي حافظ في هذا الديوان «يدور حول العلاقة مع الآخر والغالب هنا أنثويته» وعلى مستوى البنية يعتمد على «تكريرات لفظية وتركيبة تسيطر عليها في صورة أنساق حاكمة، لا يفلت النص من إسارها إلا ليعود إليها خاضعاً»، كما «يحفل الديوان بعشرات الصور الطازجة، التي تؤكد مهارة الشاعر في الالتقاط والتشكيل والتوظيف معاً».
وفي تناوله للديوان تحت عنوان «حين يصبح الشعر تمرناً على الطيران» يرى الشاعر وليد ثابت أن «كرسي شاغر» «تجربة شاعرية متميزة في كتابة قصيدة النثر، فهو يجمع بين عمق إنساني وفلسفي، ولغة نقية وصور شعرية متناغمة، تسمح بالقلق والإثارة، من دون التخلي عن البساطة».
وعن أحدث دواوين نادي حافظ «أكلم الأبواب» الصادر عام 2021 عن دار النابغة، حمل الكتاب عدة قراءات مهمة توحي بأهمية الديوان وتأثيره، كتب عنه أحمد طوسون تحت عنوان «أبواب نادي حافظ واختلال العالم»، إذ يرى أن نادي حافظ «يكتب عن الأبواب كعتبات للحياة، وفي صوته الشعري انعكاس لصراعه الداخلي مع العزلة والخوف والخذلان»، كما يرى أن هذا الديوان «يرسخ حضور شاعر يملك حساسية لغوية عالية، وقدرة على إعادة تركيب العالم بلغة الشعر عبر مفردات بسيطة لكن مشحونة وعلى صور كثيفة». وكذا يرى محسن أبو زيد في قراءته «شاعر يكلم الأبواب» أن أبواب نادي حافظ «مفتوحة على بعضها يدخل من هذه إلى تلك عبر لغة هو مفتاحها وصانعها إلى عوالمه السحرية». أما الشاعر محمود خيرالله ومن خلال قراءته «شعرية المراوحة بين الوطن والغياب» فيرى أن فكرة الوطن، قادت الشاعر إلى «عدة تحولات داخل النص الشعري منها انتقى من أدوات النص الجديد تقنية البوح والتوحد مع أشياء وكائنات الطبيعة وتبني خطابها واستخلاص العبرة منها». كما عبر الشاعر مؤمن سمير عن حمولات هذا الديوان بـ»كتابة القسوة» إذ يرى أن الشعرية في هذا الديوان «تحتال للوصول إلى مراميها الفنية، بطريقة الاعتماد على البساطة في التراكيب اللغوية، والبعد عن التراكيب المجازية الخشنة، أو المعقدة وذلك في سبيل بناء جملة تنقل المعنى بأقصر وأيسر وأقرب الطرق الفنية وأصدقها».
وعن «نادي حافظ وكرسيه الشاغر» كتبت حنان عبدالقادر عاشور، حيث رأت أن الشاعر «يعرض لنا في أكثر من مكان خلاصة تجاربه وفلسفته في الحياة وما خلص له من حكمتها»، كما تقصت مدلولات اللون عند الشاعر في هذا الديوان، واستعانته بالحس القصصي الذي يتناسب موضوعياً وطاقات البوح لديه، «فهو يملك قدرة فنية عالية وطاقة تصويرية خلاقة أعانته على البوح الذاتي». الشاعر والمترجم أشرف دسوقي علي، رصد تقنية استخدام الرمز في الديوان التي استخدمها الشاعر «لتصبح معبراً وجودياً ومنحىً فلسفياً يجادل فوق صراطه ماهية العالم وكينونته».
كما حمل الكتاب /الوثيقة/ عدداً من الدراسات التي تناولت تجربة نادي حافظ بشكل عام، إذ رصدت منى حواس جماليات تجربته، التي لا تنحصر فقط في جماليات اللغة وعذوبة الألفاظ، «بل تلك الروح الأصيلة التي تسكن قصائده، إنه شاعر يمتلك رؤية خاصة وبصمة فريدة». وعن «التوتر والغموض في قصيدة النثر»، يرصد حسن التهامي الخصائص الفنية في تجربة نادي حافظ، ومما رصده الغموض الذي يتحول إلى «أداة لتوليد توتر دلالي داخل النص، يحفز القارئ على الانخراط في تفكيكه وإعادة بنائه»، كما رصد الاقتصاد اللغوي والإيقاع غير المنتظم «لتنتج تجربة شعرية متفردة تحتفي بالهامشي واليومي، وتعيد إلى القصيدة قدرتها على التعبير عن الإنسان المعاصر بتناقضاته وهشاشته».
وعن الانزياحات اللغوية في تجربة الشاعر كتب الكاتب أحمد قرني، أن نادي حافظ «يجيد استخدام انزياح اللغة عن المعتاد والمألوف، سواء على مستوى التركيب اللفظي أو الصورة الشعرية المتدفقة». كما جاءت قراءة الشاعر محمد زين العابدين «نادي حافظ بين جموح الشعر وحكمة الفلسفة» وفيها يرصد تأثر الشاعر بالنص القرآني، وتوظيف المفردات القرآنية في نصوصه، و»حرصه على انتقاء الألفاظ الجزلة العذبة، ذات الجرس الموسيقي الواضح، والتشكيل باللغة، في مشهدية ترسم لوحات شعرية بديعة». أما الشاعر محمد حسني إبراهيم رفيق رحلة نادي حافظ فيحييه بنص شعري عامي ذي خصوصية واضحة وحميمية عالية، تحت عنوان «بين أمارة وخدها ليك».
*كاتب مصري