رواية « سمفونية الموانئ»: نكهة التاريخ والذاكرة الثقافية

2025-11-17

رياض خليف*

 
في لحظة مهمة في التاريخ التونسي المعاصر، افتتح الروائي عبد القادر بن الحاج نصر رواية «سمفونية الموانئ» الصادرة مؤخرا، إنّها لحظة اغتيال الزعيم النقابي فرحات حشاد من طرف عصابة اليد الحمراء الاستعمارية وما تبعها من غضب وحزن: «ذات صباح من سنة 1952 لا يشبه صباحات قبله، ولا صباحات بعده، أطلق الرصاص غزيرا فتفجّر الدم من جسد المجاهد وجرى جريان السواقي… ذلك الصباح ترصّدت منظمة اليد الحمراء التابعة للجيش الفرنسي الزعيم فرحات حشاد واغتالته».
هذا الحدث الأليم أحزن الشعب وهو المرجعي وكذلك الشخصيات الاستعمارية المتخيلة التي أحسّت بقرب مغادرتها للوطن: «انفجرت المدن صراخا تردد صداه في أقاصي القرى والأرياف.. زلزلت أرضية الطرقات تحت وقع النعال المتشنجة.. تخلخلت النفوس إذ سرى الخبر كالنار في الهشيم… فرحات غرق في دمه». بهذا الافتتاح المؤثّر يلقي بنا الكاتب في تلك المرحلة التاريخية الحاسمة من تاريخ تونس التي تخيّم على أجواء الرواية، ولعلّ هذه فرصة لنا للإشارة إلى أهمية خطاب البدايات في الرواية العربية فهو خطاب يؤجج أفق الانتظار ويساهم إلى جانب بقية العتبات النصية في إثارة القارئ وإغرائه واستنهاض فضوله.
التاريخي نكهة
ولكنّ الانطلاق من هذه اللحظة التاريخيّة الحاسمة، لا يجعل هذه الرواية تكتب التاريخ، ولكنّ الروائي يتّخذه مجرّد نكهة تتخلّل الحكاية الرئيسيّة، أو إطارا يذكّر به القارئ ويحارب به النسيان، متخيلا تفاصيل تاريخية لم يذكرها التاريخ الرسمي وتلك هي مهمة الكتابة الروائيّة.. فبن الحاج نصر الذي كتب التاريخ الوطني روائيّا بطريقته المتميّزة «في مملكة باردو» و»جنان بنت الري» و»الزيتون لا يموت»، يواصل هذا الجهد في هذه الرواية، متذكّرا بعض الأحداث التي جدت في الفترة الأخيرة للاستعمار، مثل اغتيال حشاد والصراع اليوسفي البورقيبي وعزل الباي وإعلان الجمهورية، فاتحا الباب لتخيل لحظات مسكوت عنها، أو منسية في التاريخ، داسّا بين طياتها روحا ساخرة وطريفة، فنقرأ عن لقاء بورقيبة والباي قبيل الاستقلال: «أسرّ قائد الحرس إلى شفيق، أن الباي اجتمع في اليوم السابق بالزعيم بورقيبة، هذا الداهية الوافد من المعتقل والمنفي إلى تونس.. أعلمه قائد الحرس أن بورقيبة حين أقبل على الباي لم ينحن ليقبل بيده، كما يفعل الوزراء والأعيان والأئمة والسادة». ويتخيل الروائي لحظات مثيرة في حياة الباي الأخير وزوجته في تلك الأيام، أيام الخلع وإعلان الجمهورية:
«نزل خبر كالصاعقة زلزلت أركان العرش. كان الباي نائما فاستيقظ… جلس يحكّ عينيه ويطرد النوم.. استدرك أنّه لا جالس ولا واقف وأنّه بين سماء وأرض وأن السّماء تمور والأرض تدور، وأنّه لا يدري أهو على العرش، أم أنّ العرش اهتزّت قواعده». هذه المادة التاريخية يطغى عليها الاختصار والتخييل، وهي تتيح للقارئ تفكيك التاريخي واستعادته، فقد أقحم الروائي في هذا الخيال التاريخي شخصيات مستوحاة من عالم القصر والسلطان وضخّ فيها دلالات مختلفة. يبدو التاريخ مجرد إطار زماني يؤثر في شخصيات الرواية وفواعلها الرئيسيّة.. فللتاريخ حكايته وللرواية حكايتها. حكاية فرانسوا وماريا وداليا وفيليب والشاعر حسن. فبين هذه الشخصيات التي فاجأها الاستقلال ودعا بعضها إلى العودة علاقات متشابكة ومتداخلة… إن التاريخ يبدو مجرد نكهة في ظل عالم حكائي متخيل وحكاية، أبطالها شخصيات خيالية، ولعل المزاوجة بين التاريخي والعاطفي تعد سنة روائية، ولكن الكتابة ضد النسيان ومن الذاكرة الجماعية الحيّة لم تقف عند التطورات السياسية، بل امتدّت إلى المخزون الثقافي والذاكرة الثقافية.
الذاكرة الثقافية حلة روائيّة
يبدو واضحا إيمان المؤلف برسالة الخطاب الروائي، فهو خطاب حكائي ولكنه خطاب هوية وعلى هذا النحو كان محتفيا بالذاكرة الثقافية التونسية في تلك الفترة، من خلال الحضور المتميز لشخصية الفنانة حبيبة مسيكة، وتردّد مقاطع من أغانيها على ألسنة الشخصيات وخاصة ماتيلد: «إنني الآن لست غير طيف تلك السيدة سيدة المزرعة عاشقة مدينة تستور. أنا ماتيلد حفظت كل أغاني حبيبة مسيكة». حب فني انتقل إلى ابنتها ماريا التي تقول بدورها: «حبيبة مسيكة هزتني وأنا جالسة وأوقفتني وأنا سائرة.. فاصلة أنا في شريط حبيبة مسيكة في نوتة من نوتاتها»، إلى جانب إقحام مقاطع من أغانيها المعروفة مثل على سرير النوم دلعني و»ما زلت خضرا والريح منور» و»الكيف كيفي وطاستي قدامي» وغير ذلك، ولم تخل الرواية من إشارات إلى شخصية هذه الفنانة وحكايتها مع الحياة، وأبرز ما فيها حادثة موتها: «لقد عرفنا لم رحلت حبيبة مسيكة. قررت الذهاب دون رجعة أو قرروا ذهابها دون أن تدري.. تذكرين ما روي عنها وعن حبيبها قاتلها… تتذكرين وأتذكّر كلماته المؤذية».
ويشير الروائي إلى أسماء فنية وثقافية كثيرة مثل حمزة ورضا القلعي وعبد العزيز العروي، وغيرهم من رواد العمل الثقافي والإذاعي في تونس. ولكن الاحتفاء بالذاكرة الثقافية لا يقتصر على هذه الأسماء، فالروائي يحتفي بالمكان وتحديدا مدينة تستور الذي ظلّ ذكرها يتردد في كامل الرواية.
وخلاصة القول، إنّ بن الحاج نصر يمزج في هذه الرواية بين التاريخي والتخييلي، مصوّرا تلك اللحظة بروحها، لكن هذا التصوير لم يخل من نقد لنماذج اجتماعية مختلفة تمثلها بعض الشخصيات فتخييل التاريخ لا يخلو من العين الناقدة للتاريخ فيبدو أحيانا ميتاتاريخ…

 

*كاتب تونسي












كاريكاتير

إستطلاعات الرأي