رواية «تربية أوروبية»: السخرية من الحرب العالمية الثانية

2023-04-10

ربيعة الخطيب

«تربية أوروبية».. عنوان الرواية التي صدرت عام 1945 وتكللت بنجاح باهر، للكاتب الفرنسي رومان غاري، أراد الكاتب منها السخرية من الحرب العالمية الثانية ومن تربية قائمة على القتل وتدمير كل شيء، البشر، الشجر والحجر، الجرائم، الرهائن المقتولين بالرصاص، الرجال المجبرين على العيش في حفر تحت الأرض مثل الحيوانات، وأنّ الحديث عن الحرية، الكرامة، الشرف الإنساني، ما هو إلا قصص الخيال ولأجلها نقتل بعضنا بعضا. ثمانون عاما تفصل هذه الأحداث عن زمننا الحالي وما زال العالم يعاني من ويلات الحروب، والإنسان محكوم بعدم فهم تجارب الماضي، يتحرر الوحش الكامن فيه، في الوقت الذي يريد، ليُحيل الحياة إلى عالم مسكون بالبؤس والقهر.

تعرض الرواية الظروف القاسية وغير الإنسانية في الحرب العالمية الثانية، لمجموعة من المقاومين في بولونيا بعد الاجتياح النازي لها، وقد جعلوا لهم مركزا في الغابات، يعيشون في مخابئ تحت الأرض يحفرونها بعمق ثلاثة أمتار وبطول أربعة أمتار في ظروف غاية في القسوة، الجوع والبرد الشديد والثلوج المتراكمة والأمراض التي تفتك بهم، لم تُثنِ عزيمتهم ولم تجبرهم على الاستسلام.

سنرافق الشاب ذا الخمس عشرة سنة Janek مع والده الطبيب في الغابة وهو يودعه في مخبأ تحت الأرض، وقد هيأ له الفراش وأكياس البطاطا وطلب منه أن لا يخرج من مكانه وطمأنه بأنّ الأمر لن يطول وبأنّ ألمانيا النازية ستُهزم، وقد أعطاه مسدسا للدفاع عن نفسه، هذا الطبيب الذي فقد اثنين من أبنائه ولم يبق له إلا أنّ يحمي ابنه المتبقي على قيد الحياة، وطلب منه أن يلتحق بالمقاومين في الغابة، إذا هو لم يرجع إليه.

يبقى الشاب في مخبئه ولا يخرج إلا ليتأمل الطبيعة ويسمع حفيف الأشجار وأصوات العصافير هو الذي يحب الموسيقى ويتمنى دراستها، يعاني من الوحدة والبرد وعندما ينقطع أبوه عن المجيء يقرر الخروج والبحث عن المقاومين الذين اتخذوا من الغابة ملجأ لهم، لأنّ الألمان لا يستطيعون التوغل فيها، وليشنّوا هجمات على الألمان المحتلين للمدن، يلتقي الشاب ذو الخمس عشرة سنة بشاب آخر في الغابة ويأخذه إلى أماكن المقاومين، ليصبح واحدا منهم بعد أنّ تعرفوا على والده الطبيب، الذي مات في عملية انتحارية لتحرير نساء من المدينة تم حجزهن في قصر كبير يتردد عليه الألمان لإرضاء حاجاتهم الجنسية، في الملجأ يكتشف فتيات وشبانا من طلبة الجامعات، الذين تركوا الدراسة والتحقوا بالمقاومة، ورجالا وكهولا، يواجهون البرد القارس والثلوج وشح الطعام إلا من البطاطا، والأمراض التي تفتك بهم الواحد تلو الآخر، دون أنّ تُهزم عزيمتهم وإصرارهم على تحرير بلدهم. نراهم وهم في ملجئهم يقرؤون الكتب، يسمعون الموسيقى.

هناك لحظات في التاريخ، مثل تلك التي يعيشونها، حيثُ كل شيء يمنع الإنسان من فقدان الأمل، كل شيء يسمح للإنسان بأنّ يؤمن ويتمسك بالحياة، هو الحاجة إلى مخبأ، ملجأ، هذا الملجأ يكون في أغنية، بيت شعر، موسيقى، كتاب، صلاة. مقاومون يشنون هجمات على المحتلين، ويستولون على الذخائر، دون ان نعرف من هو رئيسهم.

تنتهي الحرب بهزيمة النازية، ويستعّد الشاب لخلع البزة العسكرية والالتحاق بأكاديمية الموسيقى في Varsovie ويقوم بزيارة إلى الغابة التي قضى فيها فترة طويلة من حياته، يسمع حفيف الأوراق الساقطة ويتذكر كيف هاجم مركز الألمان وأوقع بينهم القتلى، يتذكر أصدقاءه الذين قُتلوا وهو يسمع من بعيد صوت مدفع الحرية الذي يعلن هزيمة النازية.

يتعرف janek على zosia في الغابة، فتاة صغيرة تعمل على إمتاع المقاومين والجنود، والتي تتخلى عن عملها وتذهب معه الى ملجئه وتنشأ بينهما علاقة حب ويُخبر أحد المقاومين بأنها لن تذهب إلى المدينة وتعمل، وأنها ستبقى معه، يعيشان حياة البرد والجوع، وتُختصر الحياة بين تحضير الخشب، إشعال النار وتحضير الماء الساخن، يأكلون البطاطا وهم يستمعون الى الموسيقى، ويقرأ لها في الكتب التي يمدّه بها أحد المقاومين، ويستمعون إلى الموسيقى. يتم إرساله إلى المدينة لبعض المهام ولتقصي الأخبار وإرسال الرسائل، وهناك في أحد المنازل يتعرف علىpanna التي تعزف مقطوعات موسيقية جميلة تُدهشه وتأخذه إلى عالم آخر، هو الذي يعشق الموسيقى، ويعتاد على زيارتها في كل مرة يُرسل إلى المدينة، لنقل أخبار المقاومين من المرضى والموتى، ليكتشف في إحدى المرات بأن panna قُتلت هي وحبيبها المقاوم وأن المنزل قد اصبح لرجل عجوز يعزف على البيانو مقطوعات لشوبان، تأسره الموسيقى وتحلق به إلى عالم آخر، وفي كل مرة يأتي إلى المدينة يذهب إلى المنزل ويبقى متخفياً وهو يستغرق بالاستماع للموسيقى، ويصطحب معه صديقته في بعض الأحيان، وفي إحدى المرات، يتعرف على العجوز الألماني schroder الذي يظنّه سارقا ليحكي له حياته ويُريه صورة ابنه في الزي النازي ويعرض عليه النقود والأكل ويعزف له على البيانو، ينتاب الشاب الخجل من نفسه للتعامل مع العجوز الألماني، ويُخفى الأمر عن أصدقائه المقاومين، ومع الوقت تتوطد علاقة الثقة بين الاثنين، إنها الموسيقى، وقدرتها السحرية على توحيد الأضداد والسمو بالنفس البشرية.

تتوالى المعارك في كل المدن الأوروبية، ويتم تدمير برلين ومعظم المدن، ونكتشف في النهاية بأن المقاومين ومنهم يهود بولونيا اخترعوا رئيسا لهم غير مرئي، لا يستطيع العدو الوصول إليه وقتله بعد أنّ فقدوا الكثير من رؤساء المقاومة، ولتضليل العدو، هي الحرب النفسية، ومدّ المقاومين بالشجاعة والاستمرار في كفاحهم.

يتذكرjanek كلام والده.. الأشياء المهمة لا تموت أبداً، سيبقى يحمل معه هذه التجربة الإنسانية القاسية بكل ما تحمل من شقاء وأسى، التي منحته النضج المبكر. وصقلت شخصيته. تنتهي الحرب بهزيمة النازية، ويستعّد الشاب لخلع البزة العسكرية والالتحاق بأكاديمية الموسيقى في Varsovie ويقوم بزيارة إلى الغابة التي قضى فيها فترة طويلة من حياته، يسمع حفيف الأوراق الساقطة ويتذكر كيف هاجم مركز الألمان وأوقع بينهم القتلى، يتذكر أصدقاءه الذين قُتلوا وهو يسمع من بعيد صوت مدفع الحرية الذي يعلن هزيمة النازية، يتذكر ولادة zosia لطفله الأول في الغابة في ظروف غير إنسانية، وكيف تنتصر الحياة على الموت المتربص. ويتذكر موت صديقه المقاوم الذي كان يمّده بالكتب، والذي طلب منه قبل أن يموت إكمال الرواية التي كان يكتبها، ولم يستطع إنهاءها، أن يكتب عن الجوع، البرد الشديد، الثلوج، القهر، الذي لم يستطع أنّ يهزم عزيمتهم وبقي المكان للأمل، والحب، والتشبث بالحياة، على الرغم من الموت الذي يحيط بكل شيء، تجربة الحرب المهلكة التي عاشوها، ويقول له يجب أنّ يعرف العالم كل شيء ويكونوا فخورين بنا.

جسدت الرواية الملحمة الإنسانية بكل عذاباتها، إخفاقاتها، ونجاحاتها، ومصيرها المرهون في كل حقبة زمنية، لبعض الأشرار الذين يفرضون قوانينهم، يزرعون الدمار والقتل، ويُحيلون العالم إلى فضاء من الرعب والبؤس والقهر، وضرورة تسليط الضوء على ما حدث كي لا يبقى في طيّ النسيان، وتوثيق مرحلة لتكون مرجعا للأجيال القادمة، هذه الرواية تُلقي ظلالها على عالمنا الحالي ولسان الحال يقول.. ما أشبه اليوم بالأمس.

كاتبة سورية








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي