جهود منذ بداية الاحتلال.. التاريخ السري لبرنامج إسرائيل النووي

الأمة برس - متابعات
2022-08-08

التاريخ السري لبرنامج إسرائيل النووي (ا ف ب)

نشرت مجلة «ناشيونال إنترست» مقالًا لزاكاري كيك، مدير التحرير السابق للمجلة الأمريكية، حول التاريخ السري لمشروع بناء الأسلحة النووية في إسرائيل، موضحًا أن المشروع اعتمد إلى حد كبير في تمويله على تبرعات الأثرياء اليهود.

ويستهل الكاتب مقاله بالإشارة إلى أنه على الرغم من أن إسرائيل لا تعترف رسميًّا بأنها تمتلك ترسانة من الأسلحة النووية، فإنه من المعروف جيدًا أنها تمتلك ذلك (على الرغم من الخلاف حول العدد المحدد للرؤوس الحربية التي تمتلكها). ومن المعروف جيدًا أيضًا أن الولايات المتحدة عارضت برنامج الأسلحة النووية الإسرائيلي خلال عهد الرئيس الأمريكي الأسبق جون إف. كينيدي، كما عارضته إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق ليندون جونسون، ولكن بدرجة أقل.

لكن هناك جزءًا من التاريخ غير معروف جيدًا في هذا الصدد، وهو أن كثيرًا من التمويل الذي أُنفِق على برنامج الأسلحة النووية في إسرائيل كان مصدره أمريكيين عاديين في جهد اضطلع به أبراهام فاينبرج، وهو أمريكي بارز عمل مستشارًا غير رسمي لكل من الرئيس كينيدي والرئيس جونسون.

يلفت الكاتب إلى أن اهتمام إسرائيل بالأسلحة النووية يعود بالأساس إلى ما أسماه «نشأة الدولة اليهودية في عام 1948»، في إشارة إلى النكبة الفلسطينية وبداية احتلال فلسطين. وكان الزعيم المؤسس للدولة العبرية، ديفيد بن جوريون، يكابد أقصى درجات القلق مما وصفه الكاتب بالعداء المستمر الذي واجهته إسرائيل من جانب جيرانها العرب، وهي دول أكبر حجمًا مقارنةً بحجم إسرائيل، في إشارة إلى جماعات المقاومة العربية ضد الاحتلال الإسرائيلي.

رأى بن جوريون أن الأسلحة النووية هي الملاذ الأخير لضمان بقاء الدولة اليهودية، وكانت المشكلة التي واجهها بن جوريون وأقرب مستشاريه هي أن «دولتهم» كانت فقيرة وغير متطورة نسبيًّا (في ذلك الوقت) ولا تمتلك الموارد التكنولوجية والمادية اللازمة لدعم برنامج أسلحة نووية محلي. وتمثل أفضل أمل لإسرائيل في امتلاك أسلحة نووية في العثور على رعاية أجنبية.

فرنسا تبحث عن ذريعة للتدخل

ويشير الكاتب إلى أنه خلال منتصف الخمسينيات من القرن العشرين على وجه التحديد، كانت سيطرة فرنسا على الجزائر موضع خلاف متزايد بسبب الثورة المحلية (ثورة التحرير الجزائرية أو حرب الجزائر التي اندلعت في نوفمبر (تشرين الثاني) 1954) كانت تتلقى دعمًا كبيرًا من الزعيم المصري الأسبق جمال عبد الناصر.

وكانت فرنسا تَعُدُّ الجزائر جزءًا منها وليست مجرد مستعمرة من مستعمراتها. وردَّت باريس على ذلك بطلب المساعدة من إسرائيل في توفير معلومات استخباراتية عن الوضع الجزائري مقابل حصول إسرائيل على الأسلحة التقليدية الفرنسية. وبرزت الفرصة لتحويل هذا إلى تعاون نووي في عام 1956 عندما طلبت باريس من إسرائيل تزويد فرنسا وبريطانيا بذريعة للتدخل عسكريًّا في مصر، فيما أصبح يُعرف بأزمة قناة السويس (العدوان الثلاثي على مصر أو حرب 1956).

ويشير الكاتب إلى أن بن جوريون كان لديه تحفظات كبيرة حول مشاركة إسرائيل في هذه الخطة. غير أن هذه التحفظات جرى التغلب عليها عندما وافقت فرنسا على تزويد إسرائيل بمفاعل أبحاث صغير مماثل لمفاعل «EL-3» الذي شيدته فرنسا في منطقة ساكلاي بضواحي باريس.

وبالطبع، سرعان ما فشل غزو السويس بسبب تهديد كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي لإسرائيل وفرنسا وبريطانيا بطرقٍ مختلفة لدفعهم إلى الانسحاب من مصر. ولم تكن فرنسا قادرة على حماية إسرائيل من تهديدات هذه القوى العظمى. لكن قبل الموافقة على الانسحاب، طالبت إسرائيل باريس بتعزيز التعاون النووي. ووافقت فرنسا على تزويد إسرائيل بمفاعل أكبر بكثير لإنتاج البلوتونيوم في مدينة ديمونا، واليورانيوم الطبيعي لتزويد المفاعل بالوقود ومحطة لإعادة المعالجة – وهو كل ما تحتاجه إسرائيل لاستخدام المحطة لإنتاج البلوتونيوم لصنع قنبلة باستثناء الماء الثقيل.

المشروع النووي

وألمح الكاتب إلى أن مساعدات فرنسا لإسرائيل مثَّلت ضربة موفَّقة للغاية – لم توفر أي دولة من قبل أو منذ ذلك الحين لدولة أخرى مثل هذا القدر الهائل من التكنولوجيا اللازمة لبناء قنبلة نووية. غير أن إسرائيل بذلك لم تقطع سوى نصف المسافة للوصول إلى الأسلحة النووية. وكان لا يزال يتعين على بن جوريون توفير الأموال اللازمة لدفع ثمن الصفقة النووية لفرنسا.

ولا يدري أحد كم كانت كُلفة بناء منشآت ديمونا النووية، غير أنه من المرجح أن تكون إسرائيل دفعت لفرنسا ما لا يقل عن 80 إلى 100 مليون دولار بأسعار عام 1960. وكان هذا مبلغًا هائلًا من المال بالنسبة لإسرائيل في ذلك الوقت. وعلاوةً على ذلك، كان بن جوريون قلقًا من أنه إذا حوَّل الأموال المخصصة للدفاع إلى المشروع النووي، فإنه يستجلب معارضة الجيش الإسرائيلي، الذي كان يعمل في ذلك الوقت على قدم وساق لبناء جيش تقليدي ليواجه الجيوش العربية في المنطقة.

وبدلًا من ذلك، قرر رئيس الوزراء الإسرائيلي إنشاء صندوق خاص لتمويل الصفقة مع فرنسا. ووفق ما وثَّق مايكل كاربين (صحافي إسرائيلي اشتهر بالتحقيقات الوثائقية) في تأريخه الممتاز عن البرنامج النووي الإسرائيلي في كتابه «القنبلة في القبو»، طلب بن جوريون من موظفيه ببساطة «الاتصال بآبي»، في إشارة إلى آبي فاينبرج. وكان فاينبرج من كبار رجال الأعمال المانحين وزعيمًا يهوديًّا أمريكيًّا ذا علاقات وثيقة بالحزب الديمقراطي الأمريكي. وقبل دخول أمريكا الحرب العالمية الثانية، كان فاينبرج قد جمع الأموال لمساعدة يهود أوروبا على الهجرة إلى فلسطين.

وبعد انتهاء الحرب، ذهب مثل بن جوريون إلى أوروبا لمشاهدة معسكرات اعتقال المحرقة النازية. وكذلك ساعد في تهريب الناجين من المحرقة إلى فلسطين في وقت فرض فيه البريطانيون حصارًا لمنع الهجرة اليهودية غير الشرعية. وخلال هذا الوقت، أقام روابط دائمة مع عديد من الرجال الذين أصبحوا فيما بعد قادة كبار في دولة الاحتلال. وعند عودته إلى الولايات المتحدة، ساعد في الضغط على الرئيس الأمريكي الأسبق، هاري ترومان، للاعتراف بالدولة اليهودية بمجرد إعلان استقلالها. وفي المقابل، ساعد فاينبرج في جمع الأموال لحملة إعادة انتخاب ترومان.

معهد سونيبورن وصفقة ديمونا

يضيف الكاتب: وهكذا، كان من الطبيعي أن يتجه بن جوريون في أكتوبر (تشرين الأول) 1958 إلى فاينبرج للمساعدة في جمع الأموال اللازمة لمشروع ديمونا. وفي الحقيقة، لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يلجأ فيها بن جوريون إلى الزعماء اليهود الأمريكيين لجمع أموال للقضايا الإسرائيلية. ولأنه رأى أن «حرب الاستقلال» (المسمى الإسرائيلي لحرب فلسطين بين عامي 1947 و1949 التي جرت على أراضي فلسطين تحت الحكم البريطاني) كانت وشيكة، توجَّه بن جوريون في عام 1945 إلى نيويورك لجمع الأموال لشراء العتاد لليهود في فلسطين، وهو ما نجح فيه بالفعل.

ووفقًا لما يذكره كاربين: «في الأوراق السرية للدولة قيد النشأة، سُمِّيَ المليونيرات الأمريكيون السبعة عشرة باسم رمزي هو (معهد سونيبورن)، على اسم مضيفهم (رودلف جي. سونيبورن). وفي السنوات التالية، سيسهم أعضاء هذا المعهد بملايين الدولارات لشراء الذخائر والآلات ومعدات المستشفيات والأدوية والسفن لنقل اللاجئين إلى فلسطين».

ويمضي الكاتب إلى أن فاينبرج كان واحدًا من المليونيرات السبعة عشرة الذين شكَّلوا معهد سونيبورن. وفي عام 1958 لجأ فاينبرج إلى عديد من أعضاء معهد سونيبورن، وكذلك إلى عديد من قادة اليهود في أمريكا الشمالية وأوروبا، من أجل جمع الأموال لمشروع ديمونا النووي بعد مناشدة بن جوريون في عام 1958. ونجح نجاحًا هائلًا. ومرةً أخرى وفقًا لما يورده كاربين «بدأت الحملة السرية لجمع الأموال في نهاية 1958 واستمرت لمدة عامين. وأسهم نحو 40 مليونيرًا بمبلغ إجمالي بلغ نحو 40 مليون دولار».

ويتساءل الكاتب: ما مدى أهمية مهمة فاينبرج في نجاح المشروع النووي الإسرائيلي؟ ويجيب قائلًا: إنه وفقًا لما يورده كاربين: «ما لم يكن بن جوريون متأكدًا من أن فاينبرج يمكنه جمع الملايين المطلوبة للمشروع من يهود العالم، لما كان سيُقدم على الصفقة مع فرنسا. ولم يكن بوسع إسرائيل في الخمسينيات ولا الستينيات من القرن الماضي أن تدفع ثمن التكنولوجيا المتقدمة المستخدمة في مفاعل ديمونا، وتبني رادعًا نوويًّا بالاعتماد على مواردها الذاتية».

ويختتم الكاتب مقاله بالقول: غير أن هذا لم يكن نهاية مشاركة فاينبرج في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية. وفي الواقع، بعد أن استعاد الديمقراطيون البيت الأبيض في انتخابات عام 1960، أصبح فاينبرج مستشارًا غير رسمي لكل من جون كينيدي وليندون جونسون. على سبيل المثال، في عام 1961، قاد فاينبرج الجهود المبذولة لإقناع بن جوريون بالسماح بالتفتيش الأمريكي على مفاعل ديمونا.







شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي