لويز برجوا و«العلاج بالفن»… كسر حدود الراهن بإيقاع متمرد

2022-02-15

هناء عبد الخالق *

يحمل العمل الفني بصمة وملامح صاحبه أو منفّذه، فهو كما الكائن الحي ينقل الجينات الوراثية ممن سبقه، ويمنحها لمن سيأتي بعده. هو يحمل جيناته وبصمته للدلالة على عصره وظروف الفنان في ظلال هذا العصر. انطلاقا من هذه الرؤية يمكن القول إن كل الأعمال الفنية في التاريخ تتوالد وتستمر، والمبدع هو المؤرخ والمعالج الأول لأحاسيسه، وظروف القلق والمعاناة المحيطة به.
فللفن قدرة شفائية مذهلة، هذا ما يؤكده لنا خبراء علم النفس، ومعظمهم يوصي باللجوء إلى الإبداع مهما كان نوعه، لتفادي الوقوع في شراك الضيق والاكتئاب. فحين تتشابك في ذهن الإنسان ذكريات وأحداث مؤلمة يكون قد تعرض لها في الماضي أو في الحاضر، قد يصبح التعبير من خلال الفن الملاذ الوحيد، وخطوة إلى العلاج كما نصح به أرسطو «الفن شكل من أشكال العلاج».
أقول هذا الكلام اليوم لأننا بأمس الحاجة إليه في زمن تردي الوضع الاقتصادي، السياسي، الاجتماعي والوبائي فنبحث عن نماذج تمدنا بالقوة. فكثير من الفنانين والمبدعين تعرضوا في طفولتهم للمآسي الشخصية، أو المآسي الجماعية كالتشتت والحروب وغيرها.. لكنهم تمكنوا بقوة الإبداع من التغلب على الألم والحرمان، وتحويل المعاناة إلى روائع فنية خالدة.
لويز بورجوا ((Louise Bourgeois فنانة أمريكية (1911) على طريقة مارسيل دو شامب، كلاهما ولد في فرنسا، ونشر مسيرته الفنية في أمريكا، زمن الحرب والعزلة. هي نموذج ربما تلامس رفة جناحها روح آخرين في أقاصي الكرة الأرضية بتعبير يشبه مصطلح (تأثير الفراشة). متخطية هنا مفهوم غالبية نماذج المقالات، بوجود معرض حالي لها أو مناسبة تخصها، كونها غادرتنا منذ سنوات طويلة (2010). ما دفعني إلى الكتابة عنها، شخصيتها الفذة وتحويل معاناتها وقودا للفن من خلال أعمال قادتها إلى المعاصرة منذ ما يقارب القرن من الزمن.

التحرر من الألم والخوف (Cells)

تمحورت أعمال برجوا الأولى حول الإنجاب والولادة والأمومة، حول المرأة في المنزل، فمزجت بين الجسد والهندسة المعمارية، وبين الأعضاء والأشكال الهندسية. هو هروب إلى عمق اللاوعي، لتروي قصة فنها مع الجسد دون خوف من المحرمات. فنفذت الفنانة هياكلها المغلقة التي عرفت بعنوان (Cells) بحيث بدأت الطريق بعمل أطلقت عليه اسم خلية cellule وهو واحد من أقفاص السلك الشهيرة، الذي صمَّمته الفنانة للتخلص من الألم والصدمة. وعمل آخر cell Choisy القفص نفسه من السلك أو شبيه الزنزانة، الذي يحوي أيضا نموذجا من منزل العائلة البورجوازي، حيث عاشت طفولتها تنتظر المكافأة في حياة أفضل يعيشه بلدها، فوازنت بين الناس الذين أعدموا داخل عائلاتهم، والماضي الذي أعدم في الحاضر. اعتبرت الكاتبة روزي ديكنز أن «الزنزانات بالنسبة للفنانة، تمثّل أنواعا مختلفة من الألم: الفيزيائي، العاطفي، السيكولوجي والعقلي. وهي في بعض الزنزانات، استخدمت الزجاج المكسور والآلات الصناعية لتوحي بالعذاب والألم أي نقص الخصوصية والحماية».
هي أعمال تجهيزية، بنسيج هندسي صرف، يعتمد البناءات المفتوحة بشكل جزئي، فيحيل الشكل إلى وحدة من العلاقات المرئية، ذات الارتباط المجازي بالخارج، حيث تختفي المدلولات المباشرة بالخارج وينحصر اهتمام المشاهد بالرموز الداخلية. وتصبح العلاقات اللونية وتأثيراتها، هي المدركات البصرية المُتاحة، للربط بين الداخل في التجربة الفنية والخارج أي الواقع. في أعمالها اختزال للمساحة والكتلة، تجاور للعتمة والضوء، تجانس وإيحاء بين البرودة والدفء، اختراق للكتلة الإنسانية المتجسِّدة في اليدين المتقاربة والمعزولة في آن.
أرادت برجوا أن تتحرر من خلال هذه التركيبات Cells وتتجاوز فخ الألم والخوف، وهي تركيبات مغلقة، مثيرة للاهتمام، يُطلب من المشاهد النظر إلى الداخل في ترتيبات الأشياء الرمزية، بينما الخلايا الأخرى عبارة عن غرف صغيرة تستدعي دخول المشاهد إليها.

الرموز وكسر حدود الراهن

رموز الفنانة كانت دليلا واضحا على الأجواء المشحونة، التي سيطرت على عائلتها، فقادتها إلى تفجير قلقها وتوترها على الأشكال التي تحاول تغييرها، تدميرها، وإعادة بنائها، للوصول إلى التجربة المغامرة، التي تكسر حدود الراهن، وتنطلق إلى تناغم الحياة. فابتعدت عن تخصصها أي دراسة الرياضيات في جامعة السوربون، بسبب النظريات البعيدة عن مزاجها، لتعود وتدرس الفن في مدرسة الفنون الجميلة. عاشت لويز مع عائلتها في Choisy-le-Roi في فرنسا، وكانت مهنة العائلة ترميم السجاد القديم. فبدأت في عمر العشر سنوات، تساعدهم برسوم السجاد وإكمال الموتيف البائد، بعد أن غاب الرسام لديهم. هذا العمل، كان أول احتكاك لها بالفن، وما شجعها وأعطاها دفعا قويا، تشجيع العائلة بأن تحلّ مكان الرسام. في هذا الوقت، اكتشفت علاقة حب، بين والدها ومعلمتها للغة الإنكليزية، وتغاضي والدتها عن هذه الخيانة رغم معرفتها وألمها وخوفها من الهجر من أجل الحفاظ على العائلة، وهذا ترك عميق الأثر في نفس الفنانة وفي أعمالها في ما بعد. تقول بورجوا: «أنواع مختلفة من الألم، جسديا وعاطفيا ونفسيا وعقليا وفكريا… فكل خلية تتعامل مع الخوف تنتج الألم، كل خلية تتعامل مع متعة المتلصص، ولذة النظر والنظر». التقت عام 1937 بمؤرِّخ الفن الأمريكي روبرت غولدواتر Robert Goldwater وتزوجت وانتقلت معه إلى أمريكا عام 1938، وكانت لها اتصالات كثيرة مع فنانين سيرياليين، غادروا فرنسا إلى نيويورك، خلال الحرب العالمية الثانية.

بصمة الطفولة والإيقاع المتمرد

قادها مفهوم التحدي المرتبط بإرادتها وقدرتها على طرح الأسئلة المنتجة، لأفعال إبداعية ذات إيقاع متمرد. لم تمُل برجوا إلى التأنق والهدوء، بل إلى الفوضى المنظَّمة، إلى كسر حدود الخوف. أرادت لجسدها أن يكون حرا أن تحرّر خلاياها من الخوف المقترن بالألم. وكأني بتعبير أنسي الحاج يجسد حالتها «واحدة من أهميّات الفن، هي أنه يذكّر الجسدَ، بأنه مخلوقٌ أصلا للمتعة لا للكدح».
لويز بورجوا فنانة عاشت في نيويورك، ظهرت في الساحة الأوروبية، منذ عام 1989 كما أرَّخ لها دانييل سوتيف Daniel Souttif من خلال معرض «سحرة الأرض». تأثرت أعمالها الفنية ببصمة طفولتها وتأصّلت بها، فأقامت مجموعة من المنحوتات العملاقة، سمتها الأم Maman وهي عبارة عن عنكبوت ضخم يمثل أمها. فهي أفضل صديقة لها، ذكية صبورة، نظيفة ومفيدة، والعنكبوت هو رمزٌ لها، ومثلما ينسج العنكبوت بيته خيطاً خيطاً، تصلح والدتها السجاد وتحيكه بالإبرة والخيط. بدأت الخطوات الأولى لهذا العمل الفني عام 1940 برسومات أوّلية، ليتم تجسيدها في البرونز والفولاذ عام 1990، وكُرّر العمل عدة مرات، فلا تزال العديد من نسخه المصبوبة بالبرونز موجودة حول العالم.
نصف قرن من الزمن وهذه الحشرة الحائكة، المشابهة لوالدتها وهي تحيك بصبر، تخترق ذاكرتها وشعورها، فيه تجسيد لحشرة ضخمة، لكنها في الوقت نفسه حامية ومصالحة. هنا نجد التناقض المربك في مجمل أعمال الفنانة، فهي تستند إلى الذاكرة والعاطفة المشحونة، تخترقها ذكريات الطفولة. واتَّبعت في تجسيد ذلك منطقا ذاتيا، استخدمت فيه جميع المواد والأشكال وهذا أعطاها خصوصية في الفن المعاصر وكان لها تأثير كبير، على كثير من الفنانين المعاصرين.
استطاعت برجوا جذب المُشاهد، من خلال الدهشة، والاستفزاز لمشاعره، بابتكارات اعتمدت الجسد وحركته وعلاقاته وتكويناته الفنية المتطورة.
لويز برجوا ساهمت في تحرير القلق والخوف إلى إبداع فردي لكنه نموذج لفضاءات جماعية جديدة، لإيقاع حياة متمردة على الخبرات والإنجازات السابقة، بإضافتها أشكالا جديدة قدمتها للجمهور بتحول سريع، عبّر عن وعي جديد ومختلف في عصرها.

*أكاديمية وتشكيلية لبنانية







شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي