فيلم «ساعي البريد وبابلو نيرودا»: عوالم الاستعارات والحب والشعر

2022-01-14 | منذ 2 يوم

عبدالله الساورة*

 

تأتي عظمة الفيلم الإيطالي «ساعي البريد وبابلو نيرودا» 1994، من إخراج مايكل رادفورد، من دقة خطوطه السردية وقيمة صوره المثيرة للذكريات، وعمق الاستعارات. عرض فيلم «Il Postino» ، وهو عنوانه الأصلي، لأول مرة في إيطاليا في مهرجان البندقية السينمائي في 1 سبتمبر/أيلول 1994 ووزع في صالات العرض السينمائية الإيطالية في 22 سبتمبر 1994.

رسائل الحب والاستعارة

تم نقل رواية «الصبر المحترق» للكاتب التشيلي أنطونيو سكارميتا، إلى السينما بعمق حكاية تغمرها الإيماءات والكلمات، والصمت عن علاقة فضوليّة من التواطؤ والصداقة بين الشاعر بابلو نيرودا وساعي البريد بحسه المتواضع، إلى السينما، بنجاح غير عادي بكثير من الدلالات. أعاد المخرج صياغة الأحداث في الوقت المناسب من السبعينيات في تشيلي إلى جزيرة إيطالية في الخمسينيات من القرن الماضي، حيث تم نفي بابلو نيرودا لأسباب سياسية. تعرف ماريو على نيرودا عندما أصبح ساعي البريد يجلب له البريد إلى منزل الشاعر المنعزل. فتنشأ تدريجيا علاقة تعاون وإعجاب، عندما يساعد الشاعر، ساعي البريد على إغواء نادلة بياتريس (ماريا غراتسيا كوتشينوتا) بما تحمله الكلمات من استعارات ومجازات. يرسم الفيلم تاريخا غير منزعج من حواف لصداقة عاطفية تجمع بين الشعر والصداقة والحب والسياسة بشكل مستتر. ماريو روبولو (ماسيمو ترويسي) هو ابن صياد يعيش في جزيرة صغيرة قبالة سواحل إيطاليا. سيصل الشاعر التشيلي بابلو نيرودا (فيليب نوارت) إلى البلدة الصغيرة منفيا، بسبب الاضطهاد السياسي الذي تعاني منه في بلاده. سيحصل ماريو على وظيفة ساعي البريد وسيتعين عليه حمل مراسلات المؤلف الشهير، وبالتالي التعرف عليه عن كثب وإقامة صداقة وثيقة معه.
تدور حكاية الفيلم في قرية صيد دافئة في إيطاليا، زارها بشكل مفاجئ المحامي والشاعر التشيلي بابلو نيرودا، الذي ستؤثر كلماته في نهاية المطاف في ساعي البريد الشاب الخجول ماريو روبولو، العاشق للشابة بياتريس، الذي يتلقى جفاء كبيرا منها وعن وقع الكلمات على قلبها. الفيلم عبارة عن تحفة تمثيلية للسينما الإيطالية، مزيج بين الأدب اللاتيني والأجواء الإيطالية، عبر متواليات سردية بسيطة ودقيقة مدعومة بموسيقى تصويرية ساحرة، وموجودة في كل مكان، من تأليف لويس إنريكي باكالوف، لكن أيضا من أداء رائع من قبل اثنين من عظماء السينما الأوروبية، فيليب نويرت وماسيمو ترويسي، الأول نموذج لكاتب كبير يحتذى به ومهتم بتلميذه المتحمّس، ترويسي الرائع، الذي يجسد حنان ولطف وتواضع الرجل العادي، بقيادة يد عملاق من الأدب.
يكمن جزء كبير من جاذبية هذا الفيلم في بساطة القصة التي نمت منها بعض الحوارات بشكل إبداعي، تغوص في شرح معنى الاستعارة والمجاز والحب والصداقة، وهي متعة فكرية وشعرية؛ كل هذا يتجسد في ساعي البريد – ماسيمو ترويسي/البارع – الذي تستحق شخصيته الساذجة والنظيفة، صداقة عميقة من لدن الشاعر. كل هذا يثريه أيضا الجمال الغامض للبحر والسحر الجنوبي للمناظر الطبيعية، وجاذبية (بياتريس) وجلبة خالتها اليقظة، والكاهن وسكان القرية ونظراتهم، وهي شخصيات مرسومة بملف شخصي ناجح ومحبوب. تمكن الممثل فيليب نويرت من التماهي في شخصية بابلو نيرودا الحصيف واللطيف والعاطفي وصاحب الرؤية العميقة للأشياء. في المقابل تتعايش أفكار نيرودا الاشتراكية مع عقليات سكان القرية بشكل سلس مثل شجرة الزيتون في العقليات البسيطة لهؤلاء السكان المحليين. الاتجاه ثابت وتقليدي، دون ضجة ، مصحوبً بإيقاع وروح المكان والزمان والشخصيات التي تتحول إلى نوع من الواقعية الغنائية للقصة.

 

حواف الشخصيات

يعطي هذا الفيلم الحياة لبعض الشخصيات الأدبية الحقيقية، ذات الحساسية الكبيرة مرفوقة بأوجاعها وأحلامها وصخبها، تمزج بين المرارة واللطف. يأخذ الفيلم في بناء شخصياته بحواف سيريالية إلى حد ما، ليحكم أخيرا في الطبيعة الغنائية القريبة جدا والأنقى من تقاليد الواقعية الجديدة. يشرح المخرج نفسه تكيفه للنص: «يستند كتاب أنطونيو سكارميتا، الذي تدور أحداثه في الجزيرة السوداء، في تشيلي عام 1973، ويروي لقاء بين مراهق يبلغ من العمر 17 عاما وشاعر يبلغ من العمر 73 عاما، لكننا نقلنا القصة إلى إيطاليا واكتشفنا أن نيرودا، في عام 1952، كان في كابري أثناء منفاه. هناك مكث ما بين ستة أشهر وسنة ثم عاد إلى التشيلي. (…) ذهبت إلى إيطاليا وانغمست في ثقافتها. أنا لست الأجنبي الوحيد الذي صنع فيلما إيطاليا. صنع ميخالكوف فيلما، كما صنع تاركوفسكي فيلما آخر لكن لم يصنع أي منهما فيلما إيطاليا حقا، وبدلاً من ذلك استخدموا إيطاليا كمرحلة لسرد قصة».
كان مفتاح الفيلم هو تقديم هذه الثنائيات أو التقابلات بين ساعي البريد/ ماسيمو ترويسي، الذي يمثل العفوية والصدق في العواطف، تجاه العاشقة أو تجاه الشاعر وحسه المرهف وسرعة تعلمه، والشاعر بابلو نيرودا من قبل المخضرم فيليب نويريت، الذي جسد «الأنا المتغيرة” الجديرة بالثقة والذي يعرف كيف ينقل حنينه وشخصيته السياسية الإبداعية بشكل سلس. يسلط الفيلم الضوء على التعليم الذي يتلقاه ساعي البريد شبه المتعلم بشكل غير مباشر من الشاعر التشيلي، وكيف يثري الكاتب العظيم نفسه أيضا بولاء صديقه، الذي يرد على احتجاج الشخص الذي سرق قصائده غاضبا «الشعر ليس لمن يكتبه بل لمن يستخدمه». يحقق الفيلم تسلسلات أنثولوجية مثلا، عندما يسجل ساعي البريد للشاعر على شريط من جزيرته أصوات يلتقطها من البحر ومن الرياح، أو عندما يؤلف استعارته الأولى على الشاطئ، أو خطابه الممتن والمتواضع في مواجهة النسيان الواضح لبابلو نيرودا.

عوالم نابولي

إن أكثر ما يميز (Il Postino) هو استحضار عالم نابولي الريفي والذهنيات الحادة التي تمكن مايكل رادفورد أيضا من تقديمها، بناءً على نص مكتوب بدقة قام بها متخصصون Scarpelli و Pagignano و Furio ، بالإضافة إلى الممثل ترويسي، بتجنب الحركات المثيرة للشهوة الحسية في الرواية الأصلية، والأسلوب الحسي للشاعر، ما مكن من تقديم دعاية مبطنة لنهج اشتراكي.. وحدت كلا الشخصيتين بمشاعر مختلفة، التأمت بحسها الإنساني على شكل صداقات متينة بمناظر طبيعية في غاية الروعة.
النهاية مع أبيات الشاعر المكرسة لساعي البريد، الذي طالت معاناته، هي أفضل ملخص لفيلم يسجل في تاريخ الفن السابع لجماله وصراحته العميقة. علاوة على ذلك، يمكن القول، إن هذا العمل السينمائي قد تجاوز العمل الأدبي بكثير.
ينتهي الفيلم عدة مرات، كما هو حال تلك السيمفونيات العظيمة التي تعاد بعد أن تصل إلى ذروتها بنهاية مضاعفة غير نهائية، تحمل أكثر من أفق. الفيلم تكريم وإرث فني للراحل ماسيمو ترويسي، الذي توفي بعد وقت قصير من اكتمال تصوير الفيلم بسبب مشاكل صحية في القلب.

 

*كاتب من المغرب







كاريكاتير

إستطلاعات الرأي