سينماتشكيلمسرحموسيقىتلفزيوننجوم أخبار فنيةلحنشاهدنحتسينما الخيال العلميرأي فنيأفلام وثائقيةمهرجاناتأفلام وجوائز

بعد عامين من الجائحة… السينما ما تزال في الصالات

2022-01-14 | منذ 2 يوم

سليم البيك*

 

بين لحظة وأخرى، كاد أحدنا في العامين الأخيرين ينعى السينما، يعلن حقيقةً هذه المرّة، موتَها بعدما تكالبت عليها ثلاثة عوامل اجتمعت أخيراً: التلفزيون الذكي كنسخة أحدث من الجهاز الذي ما برح يهدّد دُور السينما منذ وُجد، منصّات البث التدفقي والعروض المجانية على الإنترنت، وكلاهما ازدهر في العامين الأخيرين، الازدهار المتعلّق بالعامل الثالث هو، الجائحة البغيضة التي عاشها وما يزال يعيشها عالمنا، وما لحقها من دعوات للبقاء في المنزل، ومن إغلاقات لصالات السينما.
ما كان لواحد من هذه العوامل أو لاثنين منها أن يُعلي إلى السطح حديثاً صار مرقَّعاً مبقَّعاً من كثر استخدامه، وهو موت صالة السينما، التي زاحمتها على مكانها شاشاتٌ ومنصّاتٌ يصل ذكاؤها حدّ اقتراح فيلم لمشاهدته، بعدما اختيرت هي كوسيلة للمشاهدة. لكن خبراً انتشر عبر الوكالات قبل أيام، أفاد بغير كل تلك الأقاويل المكررة، التي ضمن المتوقَّع، يختار أصحابها أفلامهم حسب تسلسل «الأكثر مشاهدة» لهذه المنصات، أو بكبسة «شاهد شيئاً ما».
الخبر الجيّد آتٍ من فرنسا، حيث لا بد من أن يكون الخبر، إن كان جيّداً وخصّ صالات السينما، في زمن يبدو ظاهرياً، انحسارياً لعادة الذهاب إلى الصالة. لا بدّ من الأرقام لذلك، وقد صدرت هذا الشهر عن المركز الوطني للسينما في فرنسا.
خلال عام 2021، زادت نسبة المشاهدين في صالات السينما 47% عنها في عام 2020 (أي وصلت 96 مليون مشاهد، إن كان الرّقم ضرورياً). وقد عاشت فرنسا والعالم 2021 كلّه ضمن الجائحة، ومعظم 2020 إذ بدأت الإغلاقات فيها منتصفَ آذار/مارس، دون أن ننسى أن الصالات ظلّت مغلقة منذ بداية عام 2021 حتى 19 أيار/مايو. ما يعادل نصف العام تقريباً، وأنّها حين فُتحت، كانت ضمن طاقات استيعاب محدودة، وكان النّاس محكومين، وحتى يومنا، إن لم نقل بخوفهم، بتجنّبهم الذهاب إلى صالات مغلقة معتمة لساعتين، إلى جوار آخرين غرباء. يُضاف إليها أن الساعات الأنسب للسينما هي المسائية، ما جعل ظروف وساعات حظر التجول الذي امتد لأشهر، معيقاً إضافياً لكثيرين في ذهابهم إلى السينما، يُضاف القرار الفرنسي الأخير حيال السينما، وهو شرط إبراز نتيجة سلبية أو شهادة تطعيم، وأخيراً ألغيت النتيجة السلبية وتم استبدال شهادة التصريح الصحي بشهادة التطعيم. هذا كلّه، ومع الخوف والقلق الدائمين لدى الناس، لم يمنع من زيادة تقرب الخمسين في المئة، في عدد قاصدي دور السينما لمشاهدة الأفلام، رغم كل الإغراءات والمحفّزات التي تقدمها بدائل منزلية، ورغم الأزمات الاقتصادية، التي تسببت فيها الجائحة وقد توقّف الكثيرون عن أعمالهم، في كل العالم..

هذا ضمن مقارنة عامَي الجائحة 2020 و2021، ما يفيد بأنّ لا الفيروس، مهما تحوّر، ولا المنصّات مهما تذاكت، أمكن لها الحلول محلّ صالات السينما أو الحيلولة بين النّاس وبينها، لكن الأرقام لم تنتهِ هنا، فتوجد أخرى تقارن بين عامي 2019، ما قبل تفشي الفيروس و2020 وفيها تفاؤل سينمائي كذلك.
خلال الأشهر التي كانت فيها الصالات مفتوحة في 2021، تراجع الحضور في الصالات لم يتجاوز الربع (23%) عمّا كانت عليه في الأشهر ذاتها عام 2019. وبالتحديد، خلال كانون الأول/ديسمبر، فكانت نسبة الحضور متقاربة بين عامَي 2019 و2021، إذ تخطت التذاكر المباعة 20 مليوناً في 2021، مقابل تخطيها 22 مليوناً عام 2019.
هذه مؤشرات عامة يمكن سحبها نسبياً على دول عديدة، وإن كان حال السينما في فرنسا متقدماً عنه في غيرها. فقد سجّلت فرنسا أقل قدر من انخفاض عدد مرتادي دور السينما في أوروبا والولايات المتحدة خلال زمن الجائحة. وفي فرنسا كذلك، ومن بين قرارات حكومية أخيرة للحد من تفشي الفيروس، تم منع الأكل والشرب في أماكن من ضمنها السينما، ما يعني أن أصوات فرقعة الفشار في أفواه المتفرّجين لن تُسمع هذه الفترة في الصالات، وروائح الملح والخل لن تتفشى في العتمة كأنّها «مؤثرات خاصة» مرفقة بالفيلم. وهذا ما يجعل الفئة ذاتها (أو نسبة كبيرة منها) التي حرصت على مواصلة الذهاب إلى صالات السينما رغم الجائحة ومرفقاتها، تكثر من الذّهاب قبل أن يزول الفيروس وتعود الولائم إلى صالات السينما. ليست هذه الأرقام مجرّدة، أي ليس لأحدنا أن يسأل «حسناً، ما الذي يذهب الناس لمشاهدته هناك؟» سؤال يزامن نقاشات فارغة حول فيلم محدّدٍ جيّدٍ ومسلٍّ، إنّما يبقى سطحياً تجارياً استهلاكياً ملائماً لملء فراغ نهايات عام وبدايات آخر، على السوشيال ميديا، هو «لا تنظر إلى الأعلى» الذي بثّته نتفليكس أخيراً، مزامناً، للمفارقة، فيلماً ممتازاً بثّته المنصة كذلك ولم ينل تلك الشهرة، هو «يد الله» لباولو سورينتينو. نعود إلى السينما لنجيب عن السؤال الفصيح أعلاه.
كأنّها مصادفة، أو أنّ الأفلام الممتازة تسارعت إلى الصالات إثر خروجها من المهرجانات (كان وفينيسيا تحديداً كما سنلاحظ تالياً). ولا تكون البداية بغيره إن حضر، هو الإسباني بيدرو ألمودوفار في فيلمه «أمّهات متوازيات» الذي شارك في مهرجان فينيسيا السينمائي الأخير ونالت فيه بينلوبي كروز جائزة أفضل ممثلة، وفيه قصة امرأتين من جيلين مختلفين تلتقيان في مستشفى حيث ستلد كل منهما. يليه «بيتزا ليكوريس» للأمريكي بول توماس أندرسون، وفيه قصة صديقَي طفولة وعلاقة حب ناشئة بينهما. يليه «زوجة جاسوس» للياباني كيوشي كوروساوا، الذي نال جائزة أفضل مخرج في مهرجان فينيسيا العام الماضي، وفيه رجل يترك زوجته ليحضر في محكمة كشاهد. يليه «الحدث» للفرنسية أودري ديوان، التي نالت عنه الأسد الذهبي في مهرجان فينيسيا هذا العام، وفيه قصة للروائية آني أنرو عن تجربة إجهاض لفتاة. يليه «ثلاثة طوابق» للإيطالي ناني موريتي، وقد شارك في مهرجان كان الأخير، وفيه قصص ثلاث عائلات بورجوازية في مبنى سكني واحد. يليه «ليزوليمبياد» للفرنسي جاك أوديار، وقد شارك في مهرجان كان الأخير كذلك. وفيه علاقات حب وصداقة بين 3 فتيات وشاب. يليه «بطل» للإيراني أصغر فرهادي الذي نال الجائزة الكبرى في مهرجان كان الأخير، وفيه قصة سجين بسبب شكوى دَين غير مسدود. وغيرها من الأفلام الممتازة التي تلزم الذهابَ إلى الصالة والإعلان عن أنّ المشاهدة المنزلية للأفلام مهما كانت ضرورية، تبقى ثانوية وإضافية، وحسب.

 

*كاتب فلسطيني سوري







كاريكاتير

إستطلاعات الرأي