تحقيق استقصائي: الثقافة في اليمن تبيع أحشاءها: أدباء وصحفيون يمنيون يعرضون مكتباتهم وأعضاء من أجسادهم للبيع بسبب الحرب

الامة برس
2026-06-08 | منذ 1 ساعة

يثبت هذا التحقيق الاستقصائي بالأدلة، والشهادات، والبيانات الرقمية، أن الحرب الدائرة في اليمن لم تكتفِ بتدمير البنية التحتية المادية، بل أحدثت قصفاً ممنهجاً للبنية الثقافية والإنسانية (الامة برس)إعداد وتوثيق: هايل علي المذابي- تعدّ المأساة الإنسانية في اليمن أبعاداً لم تعد تقف عند حدود الحصار والدمار والنزوح، بل باتت تتسلل إلى العمق الأخلاقي والثقافي لبلدٍ كان يُوصف يوماً بـ "السعيد". ففي الوقت الذي تمخر فيه آلة الحرب عباب يوميات المواطن اليمني البسيط، تعيش النخبة المثقفة من أدباء، وصحفيين، وفنانين تشكيليين مأساة وجودية فريدة من نوعها؛ مأساة تجبر أرباب الفكر والكلمة والريشة على مقايضة هوياتهم المعرفية، وأعضاء أجسادهم الحية، لتدبير ثمن خبز مرير أو لتسديد مديونية علاج أو إيجار شقة تحميهم من الطرد إلى أرصفة الشوارع.

في هذا التحقيق الاستقصائي، نفتح ملف الجوع الثقافي العاصف في اليمن، ونوثق بالشهادات الحية والوثائق، الصدمة التي هزت الأوساط الإنسانية والإعلامية، بعدما تحولت منصات التواصل الاجتماعي من منابر لنشر الإبداع، إلى "حراج علني" لبيع أمهات الكتب، واللوحات الفنية، وصولاً إلى إعلان التنازل عن الكلى والأعضاء البشرية، وسط غياب شبه تام للجهات الرسمية وتجاهل مريب من أطراف الصراع ومؤسسات الدولة.

أولاً: أجساد للبيع على رصيف المديونية.. قصة الصحفي أنور العامري

بين كواليس المكاتب الصحفية المرموقة، وتفاصيل الكرفانات الضيقة في ركام النزوح بمأرب، تختصر قصة الصحفي اليمني "أنور العامري" فصلاً مظلماً من فصول الخذلان الرسمي؛ إذ لم يجد الرجل الذي شغل منصب مستشار وزارة الدفاع والنائب السابق لرئيس تحرير صحيفة "26 سبتمبر" الحكومية العريقة، مفراً من عرض أغلى ما يملكه الإنسان لمواجهة قسوة الحياة: جسده.

 منبر الكلمة يتحول إلى حراج للأعضاء البشرية

بكامل قواه العقلية، وبمرارة خطتها الحروف على منصة "فيسبوك"، أعلن الصحفي العامري عن رغبته في بيع إحدى كليتيه لسداد ديونه المتراكمة التي بلغت قرابة (12) ألف ريال سعودي (ما يعادل 3 آلاف دولار أمريكي). تلك الديون لم تكن ترفاً، بل كانت ثمن فواتير علاج والده الباهظة، وتراكمات إيجار منزله الذي عجز عن سداده، مما أدى به في المطاف الأخير إلى النزوح والعيش داخل كرفانة حديدية في محافظة مأرب.

> "أنور العامري: "أعلن وأنا بكامل قواي العقلية عن رغبتي في بيع إحدى كليتي لسداد ديوني المتبقية عليّ... بعد أن وصلت إلى طريق مسدود واستنفدت كل إمكاناتي المادية وعلاقاتي، وتخلّى عنا الأقارب والأصدقاء حتى مسؤولي الحكومة الذين تربطني بهم علاقات قوية."

وثائق رسمية تكشف عمق الخذلان

يكشف التحقيق عن وثيقة رسمية صادرة عن دائرة التوجيه المعنوي بوزارة الدفاع اليمنية، وموجهة مباشرة إلى وزير الدفاع، الفريق الركن محسن محمد الداعري، تطلب بوضوح صرف مساعدة مالية طارئة للرائد والصحفي أنور العامري لإنقاذه من المديونية التي لحقت به جراء علاج والده وشراء "كرفانة" للسكن فيها بعد طرده من منزله المستأجر. ورغم توقيع مدير الدائرة العميد الركن أحمد بن أحمد الأشول على الرسالة، إلا أن صدى الاستجابة ظل غائباً، مما دفع بالعامري لإطلاق صرخته الشهيرة المصورة: *"نحن نموت جوعاً، من أين نعيش؟ من أين نأكل؟ من أين نشرب؟".

إدانة مجتمعية واحتجاج رقمي

أثار إعلان العامري موجة غضب وتضامن واسعة على وسائل التواصل الاجتماعي وبرامج التلفزيون العربية (مثل برنامج "شبكات" والجزيرة "ترند ويك"). واعتبر زملاؤه ومتابعوه أن هذا الإعلان ليس مجرد طلب استغاثة، بل هو "وثيقة إدانة تاريخية".

علق الناشط "أنس" قائلاً: "ما كتبته ليس مجرد إعلان، بل وثيقة إدانة لمجتمع أصم، ولقيادات فقدت إنسانيتها، ولزمن صار فيه الوفاء نادراً والنكران هو القاعدة".

وحذر الكاتب "عبد الله الراجحي" من مآلات الصمت: "سنسقط تباعاً كما سقط هو.. سنصل إلى أسوأ من بيع كلية.. بصمت.. لأننا جميعاً أصبحنا نتفرج على الغرق وكأننا لا نقف في نفس القارب المثقوب".

 ثانياً: ثمانية آلاف كتاب مقابل عام من الإيجار.. مأساة الشاعر محمد القعود

لم تكن أجزاء الأجساد هي السلعة الوحيدة المطروحة في سوق البقاء؛ فالأديب والمثقف اليمني، رئيس اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين بفرع صنعاء، الشاعر "محمد القعود"، فجّر صدمة ثقافية موازية حينما أعلن عن عرض مكتبته الشخصية الضخمة التي تضم أكثر من 8 آلاف عنوان في مختلف مجالات المعرفة للبيع العلني.

"لعنة الثقافة" وتأثير انقطاع الرواتب

تحت وسم #مكتبتي_معروضة_للبيع، كتب القعود بيانه المؤلم، واصفاً نفسه بأنه "مصاب بلعنة الثقافة". وجاء هذا القرار الصعب بعد عام كامل من العجز عن دفع إيجار الشقة التي تؤويه هو وعائلته في صنعاء، وتراكم الديون الإنسانية عليه بسبب انقطاع الرواتب المفروض منذ سنوات الصراع.

> "محمد القعود": "قررت بيعها لأسدد بعض الديون التي تراكمت علي وفي مقدمة ذلك تسديد إيجار الشقة التي أسكن فيها والتي أصبحتُ مهدداً بإخراجي منها خلال الأيام القادمة... مع اعتذاري لنفسي ولأسرتي ولكتبي عن كتابة ونشر هذا الإعلان الموجع الذي لم أكن أتخيل في يوم من الأيام أنني سأكتبه وأنشره".

وفي تقرير بثته قناة فلسطين، ظهر الشاعر وهو يقرأ بحرقة من ديوانه "خَبز الجُوع" متسائلاً عن مصير المثقف اليمني في الغد: "ماذا نبيع في الغد؟ هل أبيع كلية؟ أبيع قلب؟ أبيع دم؟ أبيع ماذا؟".

ردود الفعل: غضب ضد سياسات الإفقار والتجهيل

تفاعل الشارع الثقافي اليمني بمرارة مع قضية القعود، ووجه الأكاديمي "عبد الخالق سيف" لومًا شديدًا للظروف السياسية القائمة، معتبراً أن ما يمر به القعود يمثل ""ثقافة الفقر والتجهيل والانقلاب"، التي ضربت العاصمة صنعاء. فيما علق الإعلامي "فيصل الشبيبي": "مؤلم ومحزن جداً أن ترى أديباً ومثقفاً منح اليمن عصارة فكره وعمره يعرض مكتبته للبيع كي يقضي ديونه ويشبع جوع أطفاله... قاتل الله من كان السبب، ومن أوصلونا إلى هذه الحال".

ثالثاً: حسن عبد الوارث.. بيع أمهات الكتب لشراء الغذاء ومواجهة "زمن الأفعى"

امتدت عدوى بيع المكاتب المعرفية لتطال قامات كبرى في عالم الصحافة والمقال والسياسة اليمنية. الكاتب الصحفي رئيس تحرير صحيفة "الوحدة" الحكومية وعضو اتحاد الأدباء، الراحل "حسن عبد الوارث"، أعلن هو الآخر عن عرض مكتبته الضخمة التي تحوي زهاء 5 آلاف عنوان، تضم بين رفوفها أندر أمهات الكتب العربية والعالمية، للبيع من أجل توفير الغذاء الأساسي لعائلته.

ثلاجات خالية وطباخات غاز للبيع

عبد الوارث، المعروف بمواقفه المنحازة للضحايا ومبادئه التي قبض عليها كالجمر ضد القتلة وأطراف الصراع، كتب معلقاً بتهكم سوداوي على الأوضاع الاقتصادية قبل إعلانه بيع المكتبة، مشيراً إلى أن "ثلاجات الملايين من اليمنيين تخلو حتى من الماء الصالح للاستخدام الآدمي، وقد باع الكثيرون ثلاجاتهم لانعدام فائدتها... وغداً أو بعد غد سنبيع طباخات الغاز ونبقي على أجهزة التلفاز لنشاهد صورنا بين القتلى".

 الأنفة المكسورة بنصل صدئ

عبر تقرير نشره موقع "العربي"، يروي المصور اليمني الشهير "عبد الرحمن الغابري" عن صديقه عبد الوارث قائلاً: "أعرف حسن صديقاً وزميلاً وصاحب أنفة، تأخير وقطع الراتب جعله يقدم على هكذا إعلان.. ما أقساها من مرحلة". وبدوره، لخص الكاتب "صادق القاضي" الأزمة الإنسانية للمثقفين الذين لم يغادروا البلاد: "الحاجة ولا شيء غير الحاجة.. الرواتب متوقفة منذ أشهر وأطراف الصراع لا تبالي... المثقفون الذين لم يتمكنوا من الهجرة مهددون بأسوأ ضروب التعاسة".

أما صديقه الكاتب "نبيل الشرعبي" فقد رثى هذه الحال بكتابة خطها في عتمة شوارع صنعاء، مستذكراً زمن عبد الوارث الجميل ومقارناً إياه بالواقع الحالي: "بعد خمسة عشر عاماً وفي وقت متأخر من إحدى مساءات ليالي صنعاء القارسة داهمني وجهك الباسم... يتنزل من صمته شلالات ضوء عابقة بتضاريس زمن جميل لبده البارود، وفحيح أفعى تتلوى على خصر المكان وتهصر الوقت لينسكب في مآقينا وطن متهالك".

 رابعاً: اتساع رقعة الحراج الثقافي.. صبري الحيقي وإبراهيم فتحي وشهاب المقرمي

لا تقف المأساة عند أسماء بعينها، بل يكشف التحقيق عن نمط متكرر وسلوك جماعي قسري بات يسلكه المبدع اليمني كخيار وحيد للبقاء.

 الفنان والناقد صبري الحيقي: أعلن الأديب والفنان التشكيلي والناقد صبري الحيقي، الذي احتمى بعالم الإبداع لعقود طويلة، عن عرض مكتبته الخاصة للبيع، والتي تضم ما يزيد عن عشرة آلاف عنوان، وذلك لمواجهة متطلبات المعيشة وضغوط الحرب القاسية (حسب ما وثقه الأديب طه الجند).

 الصحفي إبراهيم فتحي:

 الصحفي بوكالة الأنباء اليمنية الرسمية (سبأ)، اضطر لبيع حاسوبه الشخصي (الـ لابتوب) - وهو أداة عمله الوحيدة - من أجل توفير تكاليف علاج طفله، إثر تأخر الرواتب الحكومية، مؤكداً أن العشرات من زملائه باعوا أثاث منازلهم وهواتفهم النقالة في الخفاء دون الكشف عن هوياتهم حرجاً من المجتمع.

 "الفنان التشكيلي شهاب المقرمي: رائد الفن التشكيلي وصاحب اللوحات الشهيرة، نشر على حسابه بياناً مقتضباً يختزل ذل الحاجة: (نتمنى أن نجد مشترياً لهذه اللوحة ونخلص من إيجار الشهر مبكراً)، وهي لوحة زيتية قُدرت بقيمة زهيدة (500 دولار) فقط لدفع مظلمة الطرد من السكن، مما دفع قنوات فضائية (مثل قناة الجمهورية) لتخصيص فقرات لدعمه.

خامساً: قراءة في الجذور والمآلات.. شهادة الأديب الراحل محمد المساح

لكي نفهم كيف وصل المثقف اليمني إلى هذه الحافة السحيقة، يرجع بنا التحقيق إلى جذور تشكّل الوعي الثقافي في اليمن من خلال السيرة الذاتية والتاريخية للأديب والصحفي الراحل "محمد المساح" (مواليد 1948)، صاحب العمود الشهير "لحظة يا زمن".

من بيع الصحف في عدن إلى صدمة "فرنكنشتاين"

يروي المساح في مذكراته الموثقة بكتاب "لحظة يا زمن المساح"، كيف خرج الجيل الثقافي الأول في الستينيات من "كهوف الظلام الإمامي"؛ حيث كان والده بائعاً متجولاً لـ "التمباك"، وعمل هو في غسيل الصحون وتوزيع الحليب وبيان الصحف بشوارع عدن (الأيام، فتاة الجزيرة، اليقظة) ليوفر ثمن الكتب، قبل أن يدرس الصحافة في قاهرة الستينيات ويعود ليصبح رئيساً لتحرير صحيفة "الثورة" عام 1972.

كان ذلك الجيل يجمع الكتب "بشق النفس" ويرسلها إلى القرى لتأسيس وعي شعبي يخرج البلاد من الجهل. لكن المساح، قبل رحيله وتوقفه القسري عن الكتابة في مارس 2016، أطلق تحذيراً واصفاً الأجواء الراهنة في اليمن بأنها تفوق طاقة الاحتمال الأدبي:

"محمد المساح": "لا مشاريع مستقبلية لأني شاروح القرية أرقد وأموت... لأن الجو الآن مرعب وخانق.. كأننا في عهد فرانكشتاين.. الأحداث لا تشجع على الكتابة، والصدق أن هذه المرحلة شطبت شيئاً جميلاً ولا تستحق أن تسجل في التاريخ... أحياناً أسأل نفسي: يا مساح أين بتروح هذه الكتب التي جمعتها بشق النفس؟ وأخاف أن تتفرق الكتب ولا يوجد أحد يهتم بها".

 الخلاصة والتوصيات: صرخة في وادي الصمت

يثبت هذا التحقيق الاستقصائي بالأدلة، والشهادات، والبيانات الرقمية، أن الحرب الدائرة في اليمن لم تكتفِ بتدمير البنية التحتية المادية، بل أحدثت قصفاً ممنهجاً للبنية الثقافية والإنسانية، وحولت رموز الفكر إلى ضحايا مباشرين لسياسات قطع الرواتب، والإفقار الممنهج، والتجاهل الإنساني.

 يوصي التحقيق بالآتي:

  1. إنشاء صندوق طوارئ دولي مستقل: تشرف عليه منظمات أممية (كاليونسكو والاتحاد الدولي للصحفيين) لدعم الأدباء والكتاب والصحفيين اليمنيين في الداخل دون الخضوع للاستقطاب السياسي.
  2. تبني المكاتب المعرفية المعروضة: دعوة الجامعات والمؤسسات الثقافية العربية لشراء هذه المكتبات الضخمة (مكتبات القعود، عبد الوارث، الحيقي) كحزم كاملة والإبقاء عليها كمكتبات عامة تحمل أسماء أصحابها، منعاً لتبعثرها وضياع أمهات الكتب.
  3. الضغط لصرف مرتبات الموظفين: إلزام أطراف النزاع اليمني بتحييد الملف الاقتصادي وصرف مرتبات موظفي المؤسسات الإعلامية والثقافية الرسمية بشكل عاجل ومنتظم.











كاريكاتير

إستطلاعات الرأي