قصة قصيرة.. الحصان الطائر إلى الحَتْف

2021-10-31 | منذ 3 شهر

محمد مزيد

تأتي هند رستم الى الجندي هليل بأحلامه الليلية، وهو في موضعه بالحجابات الامامية في جبهة الحرب العراقية ضد ايران، وفي ليلة جاءت إليه، وهي تنشج وتبكي ببحة صوتها المثير، فاستيقظ هليل، وسألها ما الخبر؟ لماذا تبكين؟ قالت له «رأيت قائدكم الكبير، يصعد على الحصان، أخذني معه ووضعني أمامه، لا أعرف الى أين،

ولما سقط القائد من الحصان، بقيت أنا على ظهره، وهذا طار بي الى الأعلى، ومن شدة الخوف، أخذني الحصان الى زمن بعيد، الى المستقبل، فرأيتك، وياليتني لم أرك، ميتا في العراء مع المئات من الجنود من أبناء جلدتك، وها أنذا أطلب منك مغادرة هذا المكان فورا، لأنك ستدفن فيه ذات يوم»، ضحك هليل وبان أثر السجائر الرخيصة على أسنانه، فقال لها «هل الحصان معك الآن ؟» هزت رأسها بتلك الطريقة المثيرة كما

فعلت مع عمر الشريف في فيلم «ايه اللي انت عملته»، فقال «هيا خذيني معك ؟!» صعد هليل على ظهر الحصان وصعدت هند رستم أمامه، ولم يعرف كيف يمسك حبل اللجام اذ أخذت يداه ترتعشان، ولكن الفنانة عرفت مغزى ارتعاشه فاحتضنت رقبة الحصان وقربت فمها من أذنه وهمست بضع كلمات، طار بهما الحصان

الى الفضاء، فلم يلحظ أحد من الجنود طيران هليل وهند رستم، بسبب الليل المدلهم، ينظر هليل الى الاسفل ماسكا اللجام ويرى خلف المواضع قد أشعل بعض الجنود نارا خافتة لا يراها العدو، يحمون طعامهم او يعدون لأنفسهم الشاي، بعد دقائق من التحليق انحرف الحصان بطيرانه باتجاه الاراضي العراقية، ولما استوى، بدأ يصعد أكثر فأكثر في الفضاء الاسود المترامي، لا يريد هليل أن يصدق أنه الآن بصحبة الفنانة وهي تقود

اللجام، بدأت موسيقى كونية تفعل فعلها في جسده، فالتوتر وصل الى مستوى عال، لم يبلغ عنده من قبل حتى في انضج ايام مراهقته، ولا يعرف ماذا يفعل بهذا التوتر الذي بدأت الفنانة تشعر به وتقهقه مستمتعه، لم تشعر بالضيق من ذلك، بل أخذت تطلق ضحكات عالية النبرة متتالية بصوتها المبحوح الجميل الذي يعشقه.

ولما وصل بهما الحصان الى بغداد، كانت الأضواء الباهرة، ما أدهش هليل، وعند مكان يعرفه قرب دائرة الجوازات، سمعت الفنانة تحت أحد الابنية ثمة انين مبك لرجال يعانون من السجن تحت الارض، فقال لها يمكن هذه بناية الحاكمية، المكان الخاص بتعذيب السياسيين، بكت الفنانة فانطلق الحصان الطائر الى الاعلى، ذلك لأن

نشيج الفنانة على مصير اولئك الرجال يثير فيه التوتر، حلق الحصان بعيدا في الفضاء، ثم أخذ فرة صغيرة على القصر الجمهوري، كانت ثمة طيور بنفسجية ووردية وزرق وحمر تسبح في بحيرات عديدة، وثمة اشجار عجيبة لم ير مثلها هليل في حياته قط، انتهت فرة الحصان، وبدأ يصعد الى الفضاء وأخذ يطوي المسافات باتجاه الجنوب، حتى وصلا الى الكويت، كانت ارتال القوات العراقية تتلقى الضربات الصاروخية الموجعة المنسحبة من المدينة باتجاه البصرة.

طر الفجر، والطيران مازال يوجع بضرباته القوات العراقية، تتطاير الجثث من المدرعات وحاملات الاشخاص والدبابات، ولما وصل هليل والفنانة الى مكان معين، هبط الحصان في منتصف شارع الموت بين الكويت والبصرة، وقفا الى جانب سيارة حاملة للاشخاص كانت آثار الشظايا مغروزة في الصدور والوجوه، كانت الجثث ملقاة على جانبي العجلة، نظر هليل الى نفسه، وهو ملقى مثل الجنود المتفحمين على الارض المحروقة، بكى هليل على مصيره الأسود، وبكت معه الفنانة، ثم امتطيا الحصان وعادا الى الطيران، حتى جن الليل عليهما ثانية، بعدها هبط الحصان في المكان نفسه، حيث موضع هليل وزملائه، ودخل اليه وهو يرتجف.

ودعته الفنانة... وفي الليلة التالية، جاءت الفنانة بالحصان، وأيقظت هليل، هل تحب أن ترى مصير قائدكم هذه الليلة، فقال لها فرحا «ياريت»، صعد خلفها، طار بهما الحصان في الليل ايضا، واتجه الى البراري خارج مدينة تكريت، وقبل هبوطهما، قالت له، هنا يرقد القائد في هذه الحفرة، بقي الحصان يحوم حول الحفرة، وصاح هليل بأعلى صوته «سيدي.. سيدي»، وحتى لا تنكشف لعبتهما، همست الفنانة بأذن الحصان بضع كلمات ثم حلق طائرا مثل النسر في براري الفضاء الاسود وأخذ هليل يغني ويهز كتفيه تاركا الفنانة التي كان يتمسك بها قبل قليل «سيدي اشكد أنت رائع سيدي.. سيدي».







كاريكاتير

إستطلاعات الرأي