الظّلّ

2021-10-16 | منذ 3 شهر

محمد عمر خليل/ السودان

وداد طه*

هل هناك صدفة؟ أكانت صدفة أن ألتقي واحداً من أكثر الرّجال خوفاً من الحبّ، أنا الملهوفة إليه؟ أصل إلى نتيجة واحدة حين أفكّر بصفاء، إن كان من الممكن أن تلتقي في حياتك بخوفك فقد التقيته. لقد وضعت الحياة في طريقي ظلّي، عتمتي المخيفة، سوادي القاتل، غموضي الحارق، هشاشتي ولعناتي كلّها تجسّدت في عُمر.

لا أقول هذا كي أجعل من هذه القصّة عملاً فنيّاً يستحقّ القراءة، ولا أقول ذلك الآن لأنّي أمسك بهذا السّلاح اللامع، وبطلقة واحدة يمكنني أن أنهي حياة امرأة عاشت حياة بائسة لأنّها لم تعرف نوعاً آخر للحبّ الذي تبحث عنه كلّ النّساء. أقول هذا ببساطة لأنّه إن كان في هذا العالم حقيقة، فهذه هي الحقيقة.

التقينا صدفة منذ ثلاث سنوات عند صديق مشترك، خطفني الشّبه بينه وبين لاعب كرة مضرب أحبّه كثيراً، ورحت أناديه باسمه طوال الجلسة التي لم يكن مخطّطاً لها أن تدوم أكثر من عشر دقائق كما زعم كريم وهو يناديني كي أنضمّ إليهم هو وصديق له عالم فلك. كان الموضوع جديداً ومغرياً، فلم أكن أتوقّع أن يكون مثل أولئك النّاس، قريبين منّا أو أنّه يمكننا التحدث إليهم.

بدا ودوداً ومنفتحاً وصاحب نكتة، لم أشعر بالوقت، وحين غادر كريم، انتقلنا إلى مقهى آخر وبقينا حتى المساء نتحدّث. تكلّمنا في كلّ شيء خلال الأيّام التي تلت ولساعات، أقصرها كان عشر ساعات، وعبر الهاتف إن لم نلتقِ.

رأيتُ فيه أحلامي، كلّا أنا قبل أن ألتقيه لم أكن قد عرفتُ أنّ لي أحلاماً، أو معايير فيمن أحبّ، كنتُ فقط أنتقل من تجربة إلى أُخرى كي أنسى ما قبلها، أو ألهو عن الحسرة التي تركتها فيّ. الآن فقط أدرك أنّي كنت ألامس الحياة من السّطح، لم أعرف أنّ تحت طبقات التجارب حقيقة علينا اكتشافها، وأن تلك التجارب كانت نتيجة خياراتي وأنّ تلك الخيارات سيّرتها مخاوفي. أحياناً حين كنّا نتصادم كنتُ ألومه، ولم أفهم أنّه يجعل كلّ شيء على السّطح، وأنّ ذلك الرّجل المتّزن المرح يرتدي قناع المعرفة واللامبالاة والسّعادة بحسب المناسبات والمواقف والأشخاص. كنتُ أرى في حبّه أن يمتلك أكثر من كلّ شيء، ماديّة ادّعيت أنّها ليست فيّ، ولم أفهم أنّه كان خائفاً.

شعرتُ بأنّ ثلاث سنوات كافية كي يحدّد موقفه، لم تكن المرّة الأولى التي نتجادل حول علاقتنا، فقد عرفنا طلعاتٍ ونزلاتٍ، وخيباتٍ وآلاماً وانفصلنا أكثر من مرّة؛ كان يهرب من الارتباط وكنت أريده. رأيت في توجّهي نحو علاقتنا بدافعيّة وطواعية مساراً طبيعيّاً لقصّة حبّ يجب أن تؤول إلى الزّواج أو الارتباط، من دون أن أطرح على نفسي أيّ تساؤل أو تشكيك.

وكان يهرب من أيّ حديث عنه من دون تردّد أو مراعاة لمشاعري. لم أكلّف نفسي عناء معرفة إن كان عُمر مناسباً لي أو لا، وإن كنتُ حقّاً أرغب في الزّواج بدافع الحبّ أو العادة والعرف.

كان يفرّ وأنا أقدم، هو يهرب من الماضي، وأنا أهرب من الآتي. لا هو يعي أنّ وجع الهرب أشدّ من وجع المواجهة، أنّ الوجع أحياناً هو الدّواء الذي نحتاجه. ولا أنا لم أعترف أنّ المواجهة هروب نحو الأمام. كم كنّا نشبه بعضنا، ولكن هل تلتقي المتشابهات؟ هل تؤدّي طرق المدينة كلّها بالضرورة إلى البيت؟

حين استأجرنا ذلك البيت في الجبل، أوهمتُ نفسي أنّ ذلك علامة على التزام عمر بعلاقتنا، ولا أدري كيف بنيت بعد خياناته العديدة تصوّراً أنّ ذلك المكان الذي أثثته بعناية، سيجعله يحبّ فكرة الزّواج ويتقبلها. يمكن لأنّه كان يرفض كلّ فكرة لها أربعة جدران، حتّى الجنس بتنا نمارسه في السّيّارة، يقول مشجّعاً: "ألا تريدين أجواءً رومانسيّة؟ هاك اصرخي براحتك، لا سقف هنا سوى السّماء".

كان البيت معنى مقدّساً بالنّسبة إليّ، لم أتمكّن من أن أتخلّى عن رغبتي في أيّ بيت، أقول ونحن عائدان مساء مشيرة إلى البيوت التي تتناثر معلّقة فوق الجبل: "إنّها نجوم... ترى ماذا يفعل النّاس في البيوت في الليل؟". ألتفتُ إليه فأجد صدّه سكوتاً أو تقليباً في الرّاديو عن أيّ صوت آخر غير وخز كلماتي.

تربّيت في أسرة محافظة، تقيم العبادات، تعيد كلّ شيء إلى الدّين وتسمع فيها كلمة الله تتردّد حتّى في أثناء التهديد خلال المعارك الزوجيّة. لم يكن السّفر مسموحاً به، لكنّي حصلت على بعض الحريّة ببلوغي الأربعين، وكانت رحلتي الأولى إلى أوروبا.

زرتُ إيطاليا، كان عمر يسكن في إيطاليا قبل أن يعود إلى بيروت، لم يحدّثني كثيراً عنها، لكنّه كان حين ينفعل أو يريد إضحاكي يثرثر بالإيطاليّة فيبدو مهرّجاً، كان يحلو له أن أرى قدراته التمثيليّة. أخرج إلى السّاحات، أتمشّى طويلاً سارحة في لا شيء، كأنّ غيمة تسبح في رأسي، أشتري قهوة، أقصد إحدى الحدائق، أطيل الجلوس، لا أرى شيئاً أو أحداً إلّا وأتذكّر عمر.

في يوم كنتُ خارجة من البيت، أسير في الرّواق المشترك الذي يصل الشّقق ببعضها في ذلك المبنى الذي استأجرتُ فيه غرفة تطلّ على حديقة خلفيّة، أرى من النافذة العريضة عجوزاً تنشر ثيابها أو تلمّها في سلّتها الورديّة، أتذكر جارتنا أمّ خليل، بثيابها البيضاء وشالها الرّقيق الأزرق، أبتسم كم يشبه البشر بعضهم بعضاً، يستوقني باب مفتوح، لم ألاحظه من قبل، يدفعني شيء ما، أطلّ فأجد رجلاً خمسينيّاً، عاري الصّدر، يرتدي شورتاً كاكيّاً، أستميحه عذراً، فيبتسم مشجّعاً على الحديث، أسأله إن كان يجيد الإنكليزيّة، فيشير بيده أنْ قليلاً، ألاحظ أنّه يضع كحلاً في عينيه، ولكنّي أربط ذلك بما أعرفه من عادات الأجانب الغريبة بالنّسبة إلينا، أعرف أنّه مخرج، وبعد أن نتحدّث بلغة نصفها إشارات وإنكليزيّة مشوّهة، أترك له رقمي الإيطاليّ.

بعد أيّام أجد رسالة من ألبيرتو يدعوني فيها إلى الانضمام إليه هو وأصدقائه مساءً، فهو يقيم حفلة: "سيكون من الجميل لو التقينا قبل أن تغادري"، أبتسم وأقصد المدينة للتنزّه كما كلّ يوم، وحين أعود إلى غرفتي أسمع أصوات الموسيقى، كنت قد قررت ألّا ألبّي دعوته، وأكتفي بأن أترك له هديّة عند باب شقّته مع بطاقة تدلّ على أنّي مَن تركها. لكن حين نظرت إلى المرآة ورأيت وجه عمر أصلحت مكياجي سريعاً، نفضت رأسي أُبعد خياله سريعاً، وأمسكت بعلبة الشوكولا التي أحضرتها لألبيرتو وتوجهت إلى الحفلة.

اقتصرت تلك الحفلة عليّ وعلى صديق ألبيرتو الذي انضمّ إلينا بعد ساعة، وعرفت أنّه يخطّط للزّواج منه، رغم أنّه يكبره بعشرين عاماً، قال وهو يتخذ صوت امرأة تهذي بحبّها: "إنّه يذكرني بعمر". ظننت أنّي لم أفهم لفظ الاسم، لكنّ ألبيرتو قام من مكانه وأحضر ألبوم صور: "ووتش، سي هاو بيووتفوول"، قال بلكنته الإيطاليّة الموسيقيّة.

نظرت فإذا بي أمام صورة عمر، عُمَري أنا، عمر الذي عرفته ثلاث سنوات، أكلت وشربت وضحكت وبكيت وتشاجرت وحلمت ومشيت، ولكن يبدو أنّي لم أعرفه قَطّ. لا أدري كيف تمالكت نفسي وهو يريني صوراً جمعته بعمر الذي كان يحلو لألبيرتو أن يدعوه وهو يقلّب الذّكريات: "أومري"، ناسباً إيّاه إلى نفسه.

كان لا يزال شاباً، ولم يكن قد خسر شعره بعد، عرفته أجل، هو نفسه عمر، هل هناك صدفة؟ لا أعتقد، فكيف كان لي أن أعرف أنّ حدثاً بسيطاً يشبه زقاقاً معتماً وغير مرئيّ في مدينة كبيرة سيقودني إلى الحقيقة.

كنتُ أبحث عن إحدى الكبّايات البلاستيكيّة التي اعتدنا أن نحضرها معنا في كلّ طلعاتنا، فعمر يحبّ الشاي وأنا صرت مثله، ولم يكن مشوارنا اليوميّ إلى الجبل يخلو من شرب الشّاي مع الكعك. وفيما أبحث وجدتُ بطاقة هويّة قديمة: "أهذا حقّاً أنت؟"، ضحكت بهستيريّة، حاول أن يستردّ البطاقة منّي، إلّا أنّي أبعدتها وأمعنت النّظر فيها.

عيناه كانتا أكبر حجماً وشعره أجعد ويميل إلى اللون الأشقر، ينظر ساهماً، لا تناسب نظرته صور الهويّة، يبدو جميلاً وحالماً، تماماً كما يبدو في الصّور التي جمعته بألبيرتو، الفرق أنّه في صورة الهويّة وحيد، بينما في تلك الصّور كان في أحضان ألبيرتو، يضع لسانه فوق لسانه، يقبله بحرارة، يحتضنه من الخلف مبتسماً، يلبس بلوزة قطنيّة مرقعة بألوان كثيرة وألبيرتو كذلك يرتدي البلوزة نفسها، يحتسيان البيرة بصخب وفي عيني عمر نظرة مجنونة صاخبة أعرفها.

أردتُ البقاء كي أعرف أكثر، لكنّي أحجمت، فما الفرق؟ هل ستغيّر معرفة المزيد أيّ شيء؟ لقد رحل عمر منذ أشهر، كتب لي رسالة قبل أن يغادر هذا العالم: "في عالم النجوم، هناك ظاهرة تسمّى تراجع عطارد، إذ يبدو للمراقب أنّ الكوكب في حالة تراجع عن مساره، بينما في الحقيقة هو كوكب ذكيّ ومخادع، فهو أسرع من الأرض، يسبقها فيتوهّم سكّانها بُطئها تسارُعاً... هكذا أحببتك يا صغيرتي".

كانت المرّة الأولى والأخيرة التي يقول إنّه أحبّني، ولم أعرف أنّه رحل إلّا بعد أيّام من انتحاره، فعطارد في تراجعه أثّر في حركة الاتصالات العالميّة فتوقّفت وسائل التواصل والهواتف وانطفأ كلّ شيء، وكأنّ الأرض أطفأت أنوارها حداداً عليه. هاتفني كريم، كان يعرف بانفصالنا، ولم يكن هذا يزعجه، ربّما ظنّ أنّ علاقتي به قد تعود إلى سابق عهدها، لم يكن كريم يعرف معنى أن أحبّ عمر.

بكيت أيّاماً طويلة، تماماً كما أبكي الآن وأنا أنظر من شبّاك الطّائرة الصّغير، وأتذكر صوره فرِحاً لاهياً سعيداً، شكواه من طول الحرب وظلم المجتمع وقسوة الأحكام: "هنا إنهم متأخرون في كلّ شيء، يحتاجون مئة سنة ضوئيّة كي يعوا... انظري، يلاحقون اثنين يقبّلان بعضهما ويتركون اللصوص يعبثون بمقدرات الأبرياء... أيّ مجتمع تريدين لي أن أنجب فيه؟". أستعيد عمر كاملاً فأراه للمرّة الأولى أشبه بمبشّر، يقول الحقيقة دون مواربة، لكنّه لا يجرؤ على اقترافها أمام الجميع.

تأتيني المضيفة بغطاء، ألفّ رجليّ به، أسمع المرأة في المقعد الخلفيّ تزجر ابنها: "نَمْ!". أغمض عينيّ، في بيتنا، قبل نحو عشرين سنة، حين كنّا نحيا في حيّ بسيط، لا يتعدّى سكّانه خمسة بيوت، جارتنا السوريّة تقف بالباب تنادي أمّي: "تعالي اقعدي". تترك أمّي السّكين التي في يدها، والتي كانت منذ لحظات تغزّها في ظهري، وهي تكزّ أسنانها وينتفخ وجهها أحمر قرمزيّاً: "قلت لك ألف مرّة لا تقتربي من ذلك الباب، إنت ما بتفهمي، هيك أحسن فيّقت أختك، ألم أقل لك أن تطوي الغسيل؟ ليش ما بتردّي عليّ ولك أنا ناقصيتك؟".

تردّ بصوت مخنوق "جاي"، تتركني، لا تنسى أن ترفس سلّة الغسيل الورديّة قبل أن تخرج من الباب، فيقع ما فيها، ألملمه سريعاً وأعيده، وعيناي تقطران دموعاً كثيرة، أفتح باب غرفة أبي، ليس هناك، لم يعد موجوداً بيننا منذ زمن، لم أجرؤ على أن أسأل أمّي عنه، تنسكب دموعي في رواق البيت الطّويل المعتم، تعلو الدموع، تغمر

الرّواق، يطفو مركبٌ أرى أبي فيه، ألوّح له بيدي، ينظر نحوي، يمسك مسدّساً يصوّبه من بعيد، لا أفهم ما الذي يجري، أين أمّي؟ أفتح باب البيت أركض نحوها، أمرّغ وجهي في فستانها الكحليّ، أمّي ساكتة وغاضبة، أنا أبكي، ودمعي موج فوقه يموج مركب أبي الأزرق... الرّواق المعتم يطول ويطول، وأنا أبتعد أكثر وأكثر، تدور الأرض، أحلّق، أرى النجوم مسرعة خاطفة، أدور، تتلاشى العتمة ويختفي كلّ شيء.

 

  • كاتبة فلسطينية مقيمة في لبنان

 







كاريكاتير

إستطلاعات الرأي