جيران البيت

2021-09-28 | منذ 4 شهر

لطف الصراري*

في عتمة ليل صيفي ماطر، أصغت الحاجّة ياقوت لقعقعة رشاشات الكلاشينكوف وهدير الرشاشات المتوسطة ودويّ المدافع. كانت تأتي من بعيد؛ من التلال المكتظة بالمنازل الآهلة والمهجورة، وبالمعسكرات والمواقع القتالية. مضى شهر وعشرة أيام منذ نزح جميع سكان الحيّ عدا عائلتها. لكن هذا فقط، ما كانت تظنه طيلة تلك الليالي التي بلغت ذروة وحشتها ليلة الرابع عشر من شعبان.

في اليوم الذي بدأت فيه المقذوفات تصل إلى الحي الذي تسكنه ياقوت الحافي، نادى مؤذن المسجد بعد فراغه من أذان الفجر، بأن عاقل الحارة ومدير قسم الشرطة في الحي، يطلبان من جميع السكان عدم الصعود إلى سقوف منازلهم من بعد صلاة المغرب حتى شروق الشمس. هكذا وصلت الحرب إلى حيّهم، وفي اليوم الثالث، أصابت طلقة قناص ابنة السيدة الخمسينية لتكون بذلك أول أمّ في الحيّ تفقد فلذة كبدها بهذه الطريقة الدنيئة من القتل.

لم يسأل أحد عن الجهة التي جاءت منها رصاصة الغيب لتفجّر دماغ الفتاة الشابة، فقد كان الكثير من شبان ورجال المدينة منخرطين في القتال مع هذا الطرف أو ذاك، بمن فيهم جيران ياقوت. في البداية خرجوا من أحيائهم متحمسين للقتال في جبهتين فقط، إحداهما شرق المدينة والأخرى في شمالها، لكن بعد أن لاذ المقاتلون بأحيائهم واتخذوا من أزقتها وبيوتها متارس ودرايا؛ انفجرت جبهات القتال كالدمامل في الأحياء السكنية.

في غضون أسبوع من مقتل الشابة المتخرجة لتوها من الثانوية العامة، أُجبر كل سكان الحي على النزوح، إما نحو الأحياء الطرفية للمدينة، أو نحو الأرياف التي لم تمرّ فيها بعد خارطة الحرب. غير أن ياقوت رفضت مغادرة منزلها، وردّت بغضب على المقاتلين الذين جاؤوا ليسدوها النصح بإخلائه لكون موقعه مرتفعًا ومكشوفًا للعدوّ في الضفة الأخرى من أخدود السيل.

كان مقاتل عشريني من أهالي الحيّ يقودهم، وظل يلحّ عليها لمغادرة المنزل قبل أن تفقد بنتًا أخرى أو ابنًا، أو «لا سمح الله، يقرح راسك أنت يا عمّة ياقوت». تصاعدت حدة غضبها حتى تمكنت من التعرف على صوته. سألت ولم تنتظر جوابه: «أنت أحمد ابن المهندس، صح؟»، «أعرف صوتك من بين ميّة آدمي»، ثم ذكّرته بأنها هي من قطعت حبله السرّي يوم ولادته، وعلّمت أمه كيف ترضع مولودها الأول وتضعه في القماط؛ «واليوم كبرت يا أحمد وأجِيت تقول لي أخرج من بيتي والّا شِقْرح راسي!»، «أينِهْ أمك وإخوتك، ومن هم اللي بعدك هاذولا؟ ليش ملثمين ساع النسوان، هاه»؟ «كلنا من عيال الحارة يا عمّة ياقوت، الناس كلهم نزحوا ما باقي إلا أنت وزوجك وعيالك».

ردّ عليها، وأخبرها بأن هناك ثلاث سيارات في الشارع الرئيس سوف تنقل آخر العائلات لكي يتمكن «الشباب» من صدّ أي هجوم يأتي من الحارة المقابلة. لم يفته أن يشمل حراسة البيوت من السرقة ضمن مهام المقاتلين المولودين لتوهم. لكن لا فائدة؛ ياقوت حسمت أمرها وأمر عائلتها؛ لن تخرج من بيتها سواء كتبت لها النجاة أو الهلاك.

يطل بيت الحاجّة ياقوت على مجرى سيل عميق يفصل بين أكمتين، بُني عليهما الحيّان منذ مئات السنين، والآن كل منهما عدو للآخر. انصرف المقاتل الذي استقبلته فور خروجه من بطن أمه، مع رفاقه، فأمسكت حافَة الباب الحديدي لتغلق المنزل المحصّن؛ دور أرضي مبني بأحجار الجرانيت شديدة الصلابة ومتوافرة في مجرى السيل منذ نشأ جبل «صبِر» المهيب، لكن الطابق الثاني مبني بالطوب الأحمر المحرّق.

قبل أن تطبِق الباب تمامًا، حذّرها ابن المهندس من أنهم قد يصعدون إلى سطح منزلها عبر الأسطح الملاصقة له، وأن البيت سيكون معرضًا للقصف من الطرف الآخر. تحذيره خرج بنبرة ابن حارة صار لتوه مقاتلًا مغوارًا، وليس بتلك النبرة التي يلقيها جنديٌّ مدرّب على فنون القتال وقوانينه.

الحرب هنا لا قانون لها، ومع ذلك أصرّت ياقوت على المرابطة في مأواها الوحيد، مع ابنتها الكبرى وابن في الثانية عشرة، وزوج مصاب بالسكري وبأمراض أخرى لا حصر لها منحته إياها الحرب كهبة إلهية. أما خامس فرد في العائلة، فكانت زوجة الابن الأكبر الذي انخرط في القتال مع الطرف الآخر.

عاشوا جميعًا في الطابق الأرضي شهرًا وعشرة أيام، على مؤونة جلبتها ياقوت لتكفي العائلة لشهرين. عندما كان يشتد القتال ليلًا أو نهارًا، يهرع الخمسة إلى قبو يشبه الكهف كان إلى ما قبل خمس وعشرين سنة، بيتًا للخراف التي أدارت بها ياقوت معيشة عائلتها برخاء.

للقبو باب من الخارج بطول خروفين، غير أن رب البيت استجمع قواه وفتح له بابًا من أرضية المطبخ، ثم ردم باب الخراف بحجرين كانا مخصصين لوضع العلف. وطيلة الأربعين يومًا لم يعلم أحد من عائلة الحافي عدا ياقوت، أن قرابة عشر عائلات من سكان البيوت غير المطلة على أخدود السيل، لم تنزح هي الأخرى خوفًا من التشرد. وفي تلك الليلة المقمرة من شهر مايو، كان القمر يظهر ويختفي مع تجدد زخات المطر، والبروق تتلاحق فيتشكل ضوء زاهٍ لثوانٍ يصل خلالها إلى كل زاوية في البيت. قامت ياقوت كعادتها بعد منتصف كل ليلة، لكي تتفقد مؤونة مطبخها، فوجدت أواني دقيق القمح والسكر والزيت وعدة علب للبهارات مفتوحة. أما علبة الملح، فقد اختفت من مكانها.

كان في يدها ولاعة بضوء لا بأس به، لكنه بدأ يتضاءل كما لو أن بطارياته الثلاث، المدورة وضئيلة الحجم، بدأت تنفد. ذلك هو الضوء الوحيد المسموح به في بيت يقع في واجهة جبهة قتال. بمساعدة اللمعان المتلألئ للبروق المتلاحقة، تحققت ياقوت من المشهد مرة أخرى، بما في ذلك باب القبو الذي كان مفتوحًا كالمعتاد خلال الليل. الأشعة الفضية نفسها أضاءت طريقها إلى الغرفة التي يكتظ فيها أفراد العائلة عندما تكون المعارك هادئة. أيقظت زوجها بصوت هامس: «جيران البيت…».

لا شك في أن همسها كان حرصًا على عدم إيقاظ الأولاد، لكن ذلك لا يعني أن هاتين الكلمتين يمكن أن تلفظا بصوت عالٍ داخل البيت في أي وقت؛ لأن «جيران البيت» لديهم آذان مرهفة مثل أجسادهم التي لا ترى إلا فيما ندر. كانت آية، ابنتها المرحومة، أكثر من يراهم في طفولتها، وقد اعتادت أن تخبر أمها على فترات متقاربة، بأنها تلعب مع أطفال آخرين في المنحدر أسفل بيت الخراف.

كانت ياقوت تعوّذ أولادها باستمرار كما يفعل والدهم، لكن بالنسبة لآية، استدعى الأمر تعليق تميمة في ساعدها الأيسر على الجلد مباشرة. فعلى الرغم من تأكدها من أن جيران بيتها مسالمون، إلا أن ياقوت، كحال قومها جميعًا، تعتقد أنه يتوجب إبقاء مسافة حذر آمنة «بين الإنْسي والجني».

نادرًا ما كانت تسرد بعض قصص المواجهة مع الجن لأولادها، على الرغم من أن جَعْبَتها مليئة بدراما أشهر المواجهات مع الجن الأشرار. الأكيد بالنسبة لها أن هؤلاء الأشرار لا يقتربون من البيوت عادة، إلا إذا استضافهم «جيران البيت»، وأنه غالبًا ما يكون المستضيف أحد الأولاد العصاة أو المخبولين. لديها الكثير من المعرفة بهذا العالم، وهي تنقلها لأولادها أولًا بأول منذ صغرهم كتعليمات للوقاية من أمراض الشتاء.

بهذه الثقة المعرفية اجتازت الممر بين الغرفة والمطبخ وقلبها يرتجف، وأصابعها ناشبة في ساعد زوجها الذي يفوقها معرفة وخبرة بالمبادئ الأساسية والروحانية لوضع حدّ لذلك التعدي على حرمة بيته. باتت الرعود قريبة والأضواء الفضية أكثر حدة، وبدأت زخة مطر جديدة بغزارة منذ القطرات الأولى.

عندما وصل الزوجان إلى المطبخ، توجه الزوج ذو الوجه الجليل، بلحيته الخفيفة المصبوغة بالحناء، نحو مغسلة الأواني، بينما جلست ياقوت على إناء القمح بعد أن أعادت إليه غطاءه. توضأ الرجل الوقور، وعندما وصل إلى غسل القدمين وجد صعوبة في رفعهما إلى محاذاة الصنبور، فظل يغترف الماء بأصابعه ويمسحهما، في حين يتكئ باليد الأخرى على سطح المغسلة المصنوعة من حديد الزنك الرفيع.

توجّه نحو الشمال كمن يتهيأ للصلاة، لكنه لم يصلّ، بل تنحنح وسيطر على انزلاق قدميه المبللتين واستعاذ «من الشيطان الرجيم». كرر الاستعاذة مرتين أخريين، وألقى تحية رجل متدين: «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته». لا توجد استجابة، كرر التحية، وتكرر صمت تغزله قطرات المطر على الجدران والسقوف، ثم تحوله إلى رعد تتلاشى انفجاراته في الأفق.

لمعان بروق منفردة ومتصلة، ودوي رعود وصمت تغزله قطرات المطر وتسكبه من المزاريب إلى مجرى السيل، حيث الكثير من الجثث تنتظر تدفق المياه من الأخاديد العليا للجبل. طال الصمت حتى وصل إلى إصبع ياقوت فضغطت بفزع زر الإضاءة في الولاعة، مصوبة الضوء على الوجه الخاشع. انكمشت عيناه إمعانًا في الإغماض، واكتست تمتماته بصوت راجف يكرر صيغة من الاستعاذة أكثر فتكًا: «أعوذ بكلمات الله التامّات من شرّ ما خلق…».

سحبت المرأة الصلبة زر الإضاءة إلى الخلف ورددت مثله، لكن بصوت سحبه الخوف إلى البكاء خلال ثانيتين فقط. توقف المطر فجأة كما بدأ، ودوّى رعد متزامن مع شرارة برق تخطف الأبصار بهالة صفراء خفيفة. رأت ياقوت كرة لهب بيضاء تدخل من نافذة المطبخ وتخسف بباب القبو نحو الأسفل، قبل أن تشطر زوجها نصفين وتمرق من أمامها نحو الصالة.

كانت تعرف بحكم نشأتها الريفية أن البرق إذا شطر إنسانًا نصفين، فينبغي الابتهال لكي تصطدم الشرارة بأقرب حاجز وتعود من نفس طريق دخولها. لذلك لم تهرع نحو جثة زوجها، وفي الحقيقة لم تكن تستطيع الحراك من مكانها. لكن وبعيدًا من حالة ياقوت، ارتدت الكرة الملتهبة بسرعة البرق بالمعنى الحرفي، وخرجت من حيث دخلت. سمعت أنين زوجها واستغاثته بالله، ثم تلقفته وهو يزحف باتجاهها ويسند ظهره إلى إناء دقيق القمح، أو بالأحرى على ساقيها. كان يتلو آيات من سُوَر متفرقة وما لبث أن استكانت حركته وتجاسر صوته، وبدأ باستجواب تأتي الردود عليه بصوت نصفه حشرجة:

«لماذا اعتديتم على حرمتنا؟»، «أنتم من بدأ الاعتداء على مسكننا»، «نحن من بنى البيت وليس أنتم»، «لماذا لم تنزحوا مثل الآخرين؟»، ثم صمت الرجل الوقور قليلًا، وردّ بسؤال آخر: «لماذا تسرقون مؤونتنا ونحن محاصرون؟»، «لأنكم لا تبقون لنا ما نأكله بعدكم»، «أنت كذّاب أشِر…»، «طعامكم مالح ونحن نريد أن نأكل معكم…»، ثم تفتقت قريحة ياقوت فقاطعت السيد حشرجة بجملة اعتراضية كاشفة: «الملح سُمّكم يا ملاعين؛ الناس يقولوا عيش وملح وأنتم تسرقوهم الاثنين».

تختلط الحشرجة وتتكاثر ويشذّ عنها صوت قهقهة أطفال، فيتدخل الرجل وقد تخففت نبرة الوقار في صوته إلى مستوى مالك مخبز لم تعد شعلته متقدة: «نحنا عارفين انكم مش ناس، بس انتم معادكمش حتى جنّ. تؤذونا ونحنا محاصرين والحرب فوق رؤوسنا». يكركر المدعو حشرجة حتى يصير خشخشة، ثم يقول بصوت جهوري وساخط: «حربنا أكبر من حربكم. اخلدوا إلى النوم».

 

  • قاص يمني

 







كاريكاتير

إستطلاعات الرأي