عبير نصراوي: إلتزامي بالفن وليس السياسة .. والموسيقى الغربية هي الأكثر تأثيراً في العالم

2021-09-21 | منذ 1 شهر

 عبير نصراوي

حوار- مصطفى الخليل

طالما أكد المشتغلون بالموسيقى على المكانة الرفيعة التي تتمتع بها، كونها لغة عالمية تحاكي النفس البشرية، وتسمو بالإحساس وتحلق به إلى عوالم لا يمكن القبض عليها وتلمس حدودها، في حين أن البعض ممن أحاطوا بأسرار الكلمة المسبوكة على اللحن بإتقان العارفين، ذهبوا بعيدا في هذا الاتجاه ليثبتوا أن للموسيقى مقدرة فذة على ترميم ما أفسدته الأيديولوجيات، وأن فيها أدواء ناجعة تخفف من وطأة الصراعات الدامية بين بني الإنسان.

عن التأثير المتبادل بين الموسيقى العربية والغربية، وعن الأسباب التي تقف خلف تبدل الذائقة الفنية للشعوب، وعن الفن الملتزم وهمومه، كان هذا الحوار مع الإعلامية والمطربة التونسية عبير نصراوي ..

تغنين الإنشاد الصوفي ممزوجا بالتراتيل المسيحية، ما هي هوية الفن؟

الفن له هوية واحدة فقط لا أكثر، الفن هو الفن، لكن المشاريع والأهداف، وكذلك الرسالة تختلف حسب زاوية النظر إليها وحسب توظيفها.

لست منشدة دينية، لكن عندي مشروع فني ضمن عدة مشاريع، ولذلك جاء الإطار العام للمشروع بطريقة الإنشاد الصوفي الإسلامي، ممزوجا بالتراتيل المسيحية، لإيصال هدف ورسالة هذا المشروع.

وما هدف مشروعك الفني «في قلب المتصوف»؟ وكيف بدأ؟

في «قلب المتصوف» هذا في نسخته الاولى، أما الثانية فكان اسمه «سلام باتشام» (SalmPacem) ومعنى كلمة «باتشام» باللاتينية السلام.

بدأت القصة في نوفمبر/تشرين الثاني 2015 حينما وقعت اعتداءات إرهابية على باريس، فوجدتُ نفسي كعربية وكمسلمة في موقف سيئ ومحرج، إذ أن باريس مدينة أحبها وأعيش فيها، وتربطني بها علاقة وطيدة.

لكن بعد هذه الاعتداءات أصبحتُ ضحية، فالإرهابيون في هذا التفجير لم يقتلوا الفرنسيين أو المسيحيين، فقط، بل قتلوا كل الناس، مسلمين ومسيحيين ويهودا وملحدين. وهم طبعا دون دين أصلا بالنسبة لي.

لأن الإسلام الذي تربيت عليه يرفض أن تقتل باسمه، ويرفض أن تقتل الناس لترهب نظاما سياسيا، هذه هي النظرية التي يسيرون عليها، طريقة ناس مرضى من وجهة نظري، فمن هنا وجدت نفسي من الممكن أن أكون ضحية، كباقي الضحايا الذين سقطوا في هذا التفجير.

أما الجزء الآخر من الحكاية فأنا كمسلمة أعيش في هذا البلد، من واجبي أن أوضح لأهله وسكانه، لماذا يتصرف الإرهابيون هكذا، ولماذا يقتلون دون وجه حق.

 فصرت أقوم بتفسير الإسلام وسماحته، والهدف أن أبرر ما جرى، وأن هناك فرقا واسعا ما بين الإسلام والإرهاب، وذلك للدفاع عن نفسي، وعن ديني، فبينت أن نظرية الإسلام في قواعدها الأساسية ترفض التطرف، وترفض القتل، فالدين الإسلامي يقول لك اصلح باللسان ولا تقتل.

ومن هذا المنطلق توجهت لمخاطبة المجتمع الفرنسي من خلال الموسيقى، ومن هنا انطلقت فكرة مشروع في «قلب المتصوف». وشرحت فكرة العمل لأعضاء فرقة الكورال، وهم مسيحيون فرنسيون ونالت إعجابهم.

فقدمنا عام 2016 العرض الأول في «معهد العالم العربي» في باريس، وبعدها في إيطاليا، ثم في تونس، وقدمناه في أكثر من مكان داخل فرنسا.

نجاح هذا المشروع، جعل «معهد الثقافات الإسلامية» يطلب مني شيئاً أكبر، مع موسيقيين أكثر وكورال أكبر، فتولد من بعده مشروع ثان في ديسمبر/كانون الأول عام 2019 بمناسبة المولد النبوي الشريف، وصار اسمه «سلام باتشام» وكان مع كورال مسيحيين فرنسيين، ومعهم عرب، وتم تقديم العمل في كنيسة كبيرة في قلب باريس. وبعد نهاية العرض أبدى الحضور إعجابهم بشكل كبير، وقال لي أحدهم وهو فرنسي، شكراَ لأنك جعلتنا نتصالح مع كلمة الله أكبر، حينها شعرت بالفخر والاعتزاز بعد سماعي هذا الثناء.

لأن كلمة (الله أكبر) بقدر أهميتها لنا كمسلمين، إلا أنها تبعث المخاوف والرعب في قلب الإنسان الغربي، كون الإرهابيين عندما يقومون بالتفجيرات يطلقون صيحة «الله أكبر».

لماذا تمت تسمية المشروع في «قلب المتصوف»؟ لماذا لم تختاري تسمية أخرى.. في قلب المسلم، مثلاً؟

لأن المتصوف لا يكره أبداً، أما المسلم العادي فمثله مثل أي شخص في العالم يستطيع أن يكره، فالمتصوف هو شخص وهب نفسه وحياته لحب المولى سبحانه وتعإلى، وقلبه مفعم بالحب؛ حب الكائنات التي خلقها الله، وحب الطبيعة، وحب الحيوانات، وحب الكون. حجم الحب الكبير داخل المتصوف، شدني كثيرا، فقررت أن أنشره للعالم أجمع، فجاء هذا العمل.

ومن جانب آخر نجد أن العالم كله اليوم أصبح الإنسان فيه وعلى مختلف معتقداته وقومياته وثقافاته يحمل كمية كبيرة من العنصرية والحقد؛ ربما بسبب صعوبة الحياة.

وهل هذا يمثل طقسا دينيا يجمع جميع الأديان والمعتقدات؟ أم أنك توظفين الموسيقى لأجل سمو روحاني أساسه الدين؟

أنا لا أغني فقط الديني، غنيت العاطفي والتانغو العربي، غنيت مع هنود ومع إسبان، غنيت الجاز، أنا لست صوفية ولست منشدة دينية كما أسلفت، أنا مطربة، وأعمل على مشاريع متكاملة جاء من ضمنها الغناء الصوفي نتيجة ظرف ألح على وجداني وداخلي.

وفي اطار مشروع الغناء الصوفي، الذي تلاقت فيه المسيحية والإسلام ولم يكن الهدف منه إقصاء اليهود بالطبع، لكن كان هذا إطاره بشكل محدد.

فهذه مشاريع ثقافية وروحانية في الوقت ذاته، جوهرها محبة الله سبحانه وتعإلى، ووراءها رسائل، تبتغي إظهار جانب مهم من الثقافة والحضارة العربية التي يقوم البعض بتشويهها.

عبير نصراوي

تصنفين بأنك فنانة ملتزمة، يا ترى هل بات الالتزام عائقاً أمام شهرة الفنان وحضوره؟

تعلمت منذ صغري أنه يجب التعامل مع الفن بالقلب والوجدان، وتعرفت من عائلتي على الفن وليس التهييج والتهريج، فغالبية أفرادها يمتلكون أصواتا جميلة، ومنهم شعراء ورسامون، لكن لم يبرزوا ذلك إلا في إطار أسري، وجميعهم يشجعون الفن النظيف لا الهابط.

فالفن ليس فنا إن لم يخرج من القلب ويخاطب الوجدان، فالتزامي كان بالكلمة واللحن والرسالة، وليس التزاما سياسيا، وهذا قراري الشخصي، ولم يلزمني به أحد، لكن للأسف اليوم الفن عموما، ليس فقط في العالم العربي، بل في كل مكان، في أوروبا، وفي أمريكا، صار يذهب في هذه الفترة لاتجاهات أخرى.

فالغناء اليوم يقوم في غالبيته على الإيقاع، وعلى الكلمة الخفيفة، ربما كونه موجها للجمهور العريض من الناس، وربما كونه مأخوذاً من كلام الشارع العادي.

شخصياً أفضل أن يكون لديّ جمهور منتقى وأقل عددا، لكن أقدم لهم فنا حقيقيا ملتزما. هنا في الغرب أعتبر نفسي سفيرة للثقافة التونسية خاصة، وللثقافة العربية عامة.

هل مقولة «الفن للفن» دقيقة؟ وهل هي «قيمة» بحد ذاتها؟ وما مدى إيمانك بها؟

أنا أؤمن بالمشاريع، ولا يهمني الربح المادي، بل يهمني الصدى الذي تتركه مشاريعي لدى الغرب، وأشعر بالفخر عندما تصل رسالتي، والحقيقة أني أعيش من عملي الصحافي، وليس من الفن، وهكذا بالفعل استطعت أن أحافظ على مبدأ الفن للفن.

والتزامي بهذا الخط وهذا المبدأ والمحافظة عليه، جعلني سعيدة خاصة عندما أتقاسم مشاعر صادقة مع جمهوري. صحيح أني لست مشهورة كثيرا لكني بالمقابل اعتليت كبرى مسارح العالم وأكثرها عراقة، وصحيح أني لا أقدم حفلات كثيرة، لكني أقدم أعمالي في أماكن راقية مع جمهور نخبوي.

ما مدى التأثير المتبادل ما بين الموسيقى العربية والموسيقى الغربية؟ وكيف يبرز هذا التأثير؟

الموسيقى العربية تأثرت أكثر بالموسيقى الغربية، خاصة في وقتنا الحالي، كون الموسيقى الغربية هي الموسيقى الأقوى سياسيا واقتصاديا، لكن هناك الكثير من الموسيقيين الغربيين نراهم يتعلمون الموسيقى العربية وتقنياتها، وتجد منهم من يسافر لبلدان عربية لتعلم عزف آلات موسيقية عربية.

وليس فقط الموسيقى العربية والغربية هي التي تأثرت ببعضها بعضا. فالموسيقى الهندية والكوبية والجنوب أمريكية أثرت في الكثير من الموسيقى في العالم، ولا ننسى الموسيقى الافريقية، التي أثرت في كل العالم، وهي أصلا من أجمل الموسيقى العالمية ومنها موسيقى الجاز.

وفي هذا الإطار نلاحظ العديد من الملحنين العرب اليوم ابتعدوا عن المقامات الرئيسية، كالمقامات التي فيها «أرباع التون» مثل .. الكرد، والنهاوند والحجاز، فهذه مقامات لا يوجد فيها «ربع التون» ونلاحظ أيضا تراجع الموسيقى الشرقية لمقامات أقرب للمقامات الغربية.

وكذلك من وجوه تأثر الموسيقى الغربية بالموسيقى العربية قيام بعض الملحنين الإنكليز بإدخال الآلات والكلاسيكيات العربية إلى ألحانهم، وذلك بغية تلوين اللحن ليس إلا.

أما عندما كانت الثقافة العربية تحتل مكانة مرموقة خاصة في الأندلس، فإنها أثرت في كثير من المجالات في الغرب وليس فقط في مجال الموسيقى.

الثورات، الجوع، الهجرة، المتغيرات التاريخية.. ما الذي يُغير الذائقة الفنية للشعوب ويؤثر فيها؟

كل هذه الأشياء تُغير الذائقة الفنية للشعوب بل تؤثر فيها بشكل كبير، لكن هذا التغيير يأخذ وقتاً طويلا ولا يحدث بين يوم وليلة. وهذا التغيير عادة ما يأتي لتلبية حاجة معينة، قد تكون نفسية أو اجتماعية، أو قد يكون نتاج لديناميكية عالمية.

وربما يفرضه التيار الأقوى اقتصاديا، ولذلك من الطبيعي أن وسائل الإعلام تلعب الدور الأكبر في هذا التغيير، خاصة في وقتنا الحالي، مثلا عندما تسمع شيئا يوميا ولعدة مرات، قد ترفضه بداية، لكن مع التكرار يصبح مألوفا لديك وتصبح متقبلا له.

خذ مثلاً «موسيقى الراب» التي انتشرت بشكل كبير بعد «الربيع العربي» خاصة في تونس، والسبب في ذلك أن الموسيقيين والفنانين العاديين لم يتحركوا في صف الشعوب، بل جاء مغنو الراب وأخذوا هذا الدور، لأن «موسيقى الراب» في العالم العربي لبت حاجة في نفوس الناس، كونها أساسا ولدت لتعبر عن شيء لا تعبر عنه الأغنية والموسيقى العادية، ولأنها بطبيعتها تسلط الضوء على الأمور التي لا تسير بالشكل الصحيح.

وأيضا نلاحظ في هذه الفترة أن الموسيقى والأغاني الشعبية في العالم العربي، طغت على الفن الرصين، لأنها ربما الأقرب للشارع، وربما لأنها تتحدث عن مواضيع جديدة تحاكي الشارع وهمومه، بطريقة لا تستطيع الأغنية العادية القيام بها.

في المقابل ما الذي يجعل بعض الأغاني والمقطوعات الموسيقية خالدة وتتناقلها الأجيال؟

هناك أشياء لا تموت، هناك بالفعل موسيقى خالدة، ولا تفسير لهذه الحالة عندي إلا كونها صادقة وكلماتها حلوة، وفيها عبقرية لحنية، ولذلك من الطبيعي أن نجد أحيانا أغنية عبرت قرونا، من القرن التاسع عشر فالقرن العشرين وما زالت تغنى في وقتنا الحالي.

وربما أيضا كونها ولدت تلقائيا من وجدان صادق ولم يمارس عليها التعسف، وأحيانا ربما بساطتها هي السبب وراء خلودها، وهذه الحالة ليست حكرا على موسيقى ما أو أغاني مجتمع ما، فنجدها في الموسيقى العربية والغربية، وفي كل ثقافات الشعوب، وهذا وجه من وجوه العبقرية الموسيقية في اللحن والكلمة على حد سواء، وعندما تصل الأغنية والموسيقى لهذا المستوى من الخلود تصبح ملكا للإنسانية جمعاء، بل تزيد من الرصيد الحضاري للثقافة العالمية.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي