ضيفٌ لا ينوي المكُوثَ طويلًا ‫ لحسن باكور

2021-09-19 | منذ 1 شهر

 لحسن باكور *

بمجرد أن أزاحت اللِّحافَ عن وجهها عرفَت بأنه جاء. تسربت رائحتُه من خصاص النوافذ ومن الفجوة الصغيرة تحت باب الغرفة الخشبي. مسَّت الرائحةُ طرفَ أنفها فأسرَّت لنفسها: أجل، إنها رائحته، لا يمكن أن تكون لأحد سواه!

أسندت شيخوخَتَها إلى العكاز الساهر إلى جانب السرير، وخطت الهوينى باتجاه الحمام.

***

حملت فنجان قهوتها وقصدت الشرفة، حيث وجدتْه ينتظر. كان لا بد أن تتجملَ قليلًا وتتعطر، فليس من اللَّائق أن تُقابل ضيفًا مثله بهيئة مهملة وجسد تفوح منه رائحةُ النوم، كما لا تستطيع أن تبدأ صباحها دون فنجانِ قهوةٍ يحملها إلى مرتبة الصَّحو الكامل.

عندما رأته شهقتْ رغمًا عنها فاضطرب الفنجان في يديها، حتى إنها أهرقت قليلا من القهوة في صحن الفنجان. تمالكت نفسها، وضعت الفنجانَ فوق الطاولة وجلست.

كان هو في الطرف الآخر للشرفة الواسعة المطلة على الشارع، في عينيه وداعة، ويبدو غير مسترخٍ تمامًا في جلسته مثلَ ضيف لا ينوي المكوثَ طويلًا. فوق صدره العريض تنسَدلُ لحية مهيبةٌ ناصعةُ البياض، فيما عيناه تشعان فتوةً وحياة.

حيَّتْه بإيماءة خفيفة من رأسها مبتسمةً في وجهه، وشرعت ترشُفُ قهوتها على مهل، وهي تُعاين استيقاظَ الحياة في الأسفل. رأت شيوخَ الحي يدبون نحو المنتزه القريب مثلَ أشجار متحركة، تتساقط خلفهم أوراق العمر الميتة دون أن يأبهوا.

رأت تلك اللافتةَ العملاقة بخطئها اللغوي الشنيع؛ أمضَت عمرًا كاملًا تتمنى أن تُصلحه كلما تجهَّم في وجهها وهي جالسةٌ في الشرفة. لطالما تمنت لو تقفزُ من مكانها، تسبحُ في الفضاء باتجاه المبنى التجاري الضخم، وفي يدها فرشاةٌ ووعاءُ صباغة. تُسعف جُرحَ اللغة ذاك، ثم تعود لتُكمل احتساء قهوتها.

رأت حارس موقف السيارات يؤرجح هراوته ويتثاءب بعد ليلة طويلة من الحراسة؛ رفع رأسه نحوها وحياها بإشارة من يده. بحركة صغيرة من رأسها التفتت جهة المقهى.. مثلما توقعتْ وجدت الرجلَ النحيف الأسمر متمترسًا في ركنه الأثير، يُشهر في وجه الصباح سيجارته المشتعلة على الدوام.

راودها مرة أخرى ذلك الخاطرُ الطريف: حياة هذا الرجل سيجارة عملاقة يومًا ما سيدخنها كاملة؛ وحينذاك سيركب آخر دفقةِ دخانٍ ينفثها لتطيرَ به بعيدًا، مثلما تركب المشعوذاتُ المكانسَ في حكايات الأطفال..

ثم رأت نباتات شرفتها وقد مسَّها الذبول.. لامتْ نفسها لأنها نسيتها مرة أخرى، وقرَّرت تخصيص قدْر من الوقت هذا اليوم لتمُدَّ يد العناية لتلك الكائنات الهشة.. رشفَت رشفة أخيرة من قهوتها، وتأملت قليلًا قاع الفنجان، حيث رسمتِ الثُّمالة السوداء أشكالًا غريبة.

بطرف عينها رمقتِ الضيفَ فوجدته على ذات الهيئة: لا يسترخي تمامًا كأنما يتهيأ للمغادرة في أي لحظة، ولا يتملْملُ في جلسته، كما قد يفعل شخصٌ عجولٌ أو متذمِّر. رغبت بحرقة أن تتفقَّد مرافقَ الشقة، وتمُسّ محتوياتِها ببعض العناية والترتيب، لكنها عجزت تمامًا عن النهوض. أدارت عُنقها قليلًا ملقيةً نظرةً نحو الداخل، فلم ترَ سوى ساعةِ الجدار والقفصِ المعلَّق أسفلَها.

تمنَّت لو كانت الخادمة هنا لتوصيها خيرًا بالشقة، بنباتات الأصص فوق الشرفة تحرّك وريقاتِها الرفيعةَ مُطالبةً بماء الصباح، وبالعصفورِ في القفص ينطُّ بعصبية وينقرُ الأسلاك.. ندمَت من جديد لأنها طردتها، لكنها كان لا بُدَّ أن تفعل؛ لقد استيقظَت ذات صباح لتدرك على الفور بأن رجلًا غريبًا أمضى الليل في شقتها التي لم يدخلها رجلٌ منذ عشرين عامًا.

كانت تفوح في المكان رائحة فظيعة كما لو أن جثةً متعفنة نُسيت في أحد الأركان. حاصرت الخادمةَ في المطبخ. حدجتها بتلك النظرة الحادة لتُسبل الأخيرةُ جفنيها وتلوذَ بالصمت.

ولم يكن الرجل سوى حارس موقف السيارات الذي حياها منذ قليل وهو يؤرج هراوته حينًا ويثبِّج بها(*) حينًا مِثلَ راعٍ في الخلاء..

تنهَّدت بعمق. ألقت نظرةً على الشارع، حيث كان وجهُ المدينة قد اكتأب فجأة. تهادت غيومٌ داكنة على علوٍّ منخفض، وبدا كأنَّ السماء على وشك البكاء. حينذاك قام الضيف واقفًا فلاحت قامتُه مهيبة توشك أن تخرقَ الفضاء.

دون أن تُغادر نظرةُ الوداعة عينيْه ناداها بإيماءة خفيفة. أسندتِ العكازَ إلى جدار الشرفة. تقدمت نحوَه باستسلام، ومدَّت له يدًا معروقةً شاحبةَ الأصابع كما لو كانت ستُراقصه.. حلَّق بها بعيدًا.

 

* ثبج بالعصا: وضعها وراء ظهره وجعل يديه خلفها.

 

  • كاتب مغربي

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي